أسعار السكر بين المنتجين والمستوردين.. المستهلك يدفع الثمن
 
 

مع ارتفاع سعر الجنيه أمام الدولار، وانخفاض أسعار السكر عالميًا، بالإضافة إلى زيادة حجم الإنتاج المحلي من هذه السلعة الاستراتيجية، كان من المتوقع تراجع سعر السكر في السوق المصري، إلا أن أسعار هذه السلعة التي تعد مكونًا أساسيًا في غذاء أي أسرة تقاوم الهبوط.

 يرى مراقبون أن المنتجين يقاومون بشراسة تخفيض الأسعار حفاظًا على أرباحهم، فيما تذهب آراء أخرى إلى أن المنتجين سيتعرضون لخسارة كبيرة في حال خفضهم للأسعار، مطالبين بحماية المنتجين من منافسة الاستيراد. وبين الرأيين لم يخرج المستهلك بأي مكاسب.

ماذا يجري في سوق السكر؟

وبنظرة أكثر قربًا على أحوال السكر، فقد انخفض السعر العالمي خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الجاري بحوالي 31 دولارًأ (تعادل نحو 500 جنيه) مسجلة 301 دولار للطن مقابل 332 دولارًا للطن بداية يناير من العام نفسه.

 وبالتزامن مع تراجع اﻷسعار عالميًا ارتفعت الكميات المُنتجة محليًا بواقع 321 ألف طن، وهي الزيادة الناتجة عن ارتفاع حصيلة المساحات المنزرعة بالبنجر لـ 590 ألف طن بمعدل نمو بلغ نحو 21%، بحسب ما ذكره رئيس شركة الدلتا للسكر محمد أبواليزيد لـ «مدى مصر».

تراجع الأسعار عالميًا وارتفاع الإنتاج المحلي خلق ضغوطًا قوية على المنتجين المحليين للسكر، كان من المفترض أن يجبرهم على خفض الأسعار الأمر الذي يقلل من هامش ربحهم، لكنهم بدلًا عن ذلك طالبوا الحكومة بفرض رسوم حمائية تحد من الاستيراد.

لم تستجب الدولة لهذا المطلب، ولكن المدهش أن وزير التموين، على مصليحي، طرح مقترحًا بديلًا على المنتجين يتعارض مع معايير منع الممارسات الاحتكارية وهو اتفاق المنتجين التنسيق بين المنتجين لمنع المنافسة السعرية قائلًا «اتفقوا على سعر واحد».

وتنص المادة (6) من قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، «يحظر الاتفاق أو التعاقد أو التنسيق بين أشخاص متنافسة أو التواطؤ مع الغير بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أية سوق معنية، إذا كان من شأنه..  رفع أو خفض أو تثبيت أسعار المنتجات للمنتجات محل التعامل».

لا توجد دلائل قاطعة على قيام المنتجين بهذا النوع من التنسيق، لكن حسن فندي، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات، يقول إن المنتجين يقاومون بقوة خفض الأسعار.

ويقول فندي «هناك حالة ذعر بين المنتجين خوفًا من عدم قدرتهم على تصريف المخزون الراكد لديهم في ظل منافسة السكر المستورد الأمر الذي سيجبرهم على خفض الأسعار وهم لا يريدون ذلك».

ويؤكد فندي لـ «مدى مصر»، أن شركات السكر ليست في حاجة للحماية خاصة أنها تستفيد بالفعل من انخفاض الأسعار العالمية، نظرًا لنزول أسعار السكر الخام الذي تستورده العديد من هذه الشركات ثم تقوم بتكريره وتعبئته.

على الجانب الآخر، يرى مصطفى عبدالجواد، رئيس مجلس المحاصيل السكرية، أن المنتجين يعانون من تراكم المخزون ويحافظون على ثبات الأسعار للحد من الخسائر التي تسبب فيها سوق استيراد السكر الذي «صار مفتوحًا على مصراعيه وبدون جمارك وسعره أرخص من السعر المحلي حيث يباع السكر المستورد بمتوسط يبلغ سبعة جنيهات في مقابل أن المحلي يتراوح سعره بين 8.5 و 10 جنيهات، ما يجعل المنافسة غير عادلة».

ويقول عبدالجواد إنه خلال المدة من يناير إلى يوليو الماضيين تراكم انتاج محلي من السكر في مخازن المصنعين يبلغ نحو 1.6 مليون طن، لافتًا إلى اقتراب حلول الموسم الجديد لحصاد حاصلات القصب والبنجر مع عدم تصريف مخزون المواسم السابقة.

وموسم إنتاج السكر من القصب يبدأ من منتصف ديسمبر حتى مايو، أما البنجر فمن فبراير إلى يونيو.

وبحسب عبدالجواد، فإن تراكم المخزون يقود الشركات المنتجة لخسائر متفاقمة، ويوضح: «المنتجون يحصلون على قروض من البنوك بهدف تمويل شراء المحصول من المزارعين، ويتم سدادها بمجرد تصريف الإنتاج وأي تأخير في سداد هذه المديونيات يسبب خسائر مالية في ميزانيات هذه الشركات».

وتحصل الشركات المنتجة على طن قصب السكر من المزارعين بسعر 720 جنيهًا في حين يتراوح سعر طن البنجر بين 500 -700 جنيه، فيما تبيع طن السكر بـ 7200 جنيه، محققة أرباح بنسبة نحو 20%، حسب عبد الجواد.

ويرى عبدالجواد أن الحكومة عليها وقف «مهزلة الاستيراد»، وذلك بأن تقتصر الواردات على الكميات التي لا يقدر المنتجون المحليون على إنتاجها، مقترحًا زيادة الجمارك أو رسوم الوارد على الواردات عندما تتجاوز حجم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي.

تعليق عبدالجواد يثير تساؤلات أخرى حول دور المستوردين في التأثير على السوق المحلي، هل يبالغ المستوردون فعلا في جلب السكر من الخارج ويمثلون عنصرًا ضاغطًا على صناعة السكر في مصر؟

هل الاستيراد مهم؟

بحسب البيانات الرسمية لمجلس المحاصيل السكرية التابع لوزارة الزراعة، مثل إنتاج مصر من السكر في موسم 2019 غطاءً لنحو 81% من حجم الاستهلاك في البلاد، ما يعني أننا لا نحتاج لاستيراد سوى نحو 700 ألف طن تمثل نحو 22% من استهلاكنا السنوي، الذي يصل لحوالي حوالي 3.2 مليون طن.

وتقترب تقديرات فجوة الإنتاج والاستهلاك من السكر مع حجم السكر المستورد سنويًا، والذي يقدره رئيس شعبة السكر بـ 800 ألف طن. أي أنه من المفترض أن واردات السكر لا تمثل ضغوطًا تنافسية قوية على الإنتاج المحلي.

لكن رئيس مجلس المحاصيل السكرية يشكك في تقديرات الاستيراد السابقة، ويقول عبدالجواد «نحن نستورد كميات كبيرة جدًا وليس لدينا أرقام حقيقية حول الكميات التي يتم استيرادها».

بينما يُرجع أبواليزيد إحساس المنتجين بضغط المنافسة الخارجية وتراكم المخزون لديهم إلى أن عملية الإنتاج الصناعي للسكر ترتبط بشكل أساسي بموسم حصاد السكر الخام والبنجر، وبالتالي فكل المنتجين الصناعيين تقريبا يطرحون كميات ضخمة من إنتاجهم بعد فترة من موسم الحصاد، مما يؤدي لمنافسة قوية في مدد معينة من السنة، وبالتالي تراكم المخزون غير المباع.

ماذا جنى المستهلك؟

تضارب الآراء والأرقام يشيران إلى أن الخلاف أو الصراع يدور بين المنتجين والمستوردين، فالمنتِج يسعى لتحجيم المستورِد لإفساح المجال للتخلص من رواكد الإنتاج والاستعداد لموسم جديد، في حين أن المستورد يملك أدوات تنافسية جيدة (تراجع الدولار أمام الجنيه- تراجع السعر العالمي) لمنافسة المنتج.

الأمور السابقة من المفترض أن تصب في صالح المستهلك النهائي لأن آليات السوق الحر تضمن تراجع الأسعار حال زيادة المعروض. لكن هذا لم يحدث على أرض الواقع، فمن خلال جولة صغيرة على عدد من المحال في عدة مناطق تكتشف أن الأسعار مستقرة تمامًا بحيث تتراوح بين تسعة وعشرة جنيهات للكيلو بالنسبة للمحلي والمستورد. وهو ما يؤكده عضو في شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية طلب عدم نشر اسمه، قائلًا إن أسعار السوق مستقرة عند نفس مستواها منذ أكثر من عام.

 عدم تأثر سعر السكر المستورد بتراجع سعر الدولار والأسعار العالمية، وكذلك عدم تأثر سعر السكر المحلي بالزيادات المحققة في الإنتاج وبالتالي المخزون، يفسره عضوالشعبة الغذائية بقوله «كل الخناقة اللي معمولة حاليًا عشان ميخفضوش الأسعار»، ليبقى المستهلك الطرف الوحيد الذي من المفتر    ض أن تعود عليه الظروف الحالية بفائدة محلك سر وكذلك أسعار السكر.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل