حكايات الإجهاض| إجهاض في المول
 
 

أنا فاكرة أني أول ما رجعت الإسماعيلية، روحتله، ووريته المنديل. المفارقة الرهيبة، إنه خد تيست الحمل احتفظ بيه، واعتقد إنه لسه محتفظ بيه. وأنا لحد النهارده محتفظة بمنديل الدم. وده كان شكل شراكتنا في الأمور: هو احتفظ بالتيست اللي بيقول إن أنا حامل، وأنا احتفظت بالدم اللي بيقول إن أنا قتلت الطفل ده.

كان عامي الثالث والعشرين قد بدأ عندما قررتُ الانفصال عن أسرتي، وأعيش كشابة مستقلة. عملتُ لأوفِّر احتياجاتي المادية، وشاركتُ صديقتين في شقتهما المؤجرة بالإسماعيلية. تحمّست لأختبر حياتي كفرد وباسمي، لا باسم عائلتي. أتت تلك الخطوة بعد سنوات من استقلالي المالي والعاطفي عن أسرتي. عرفتُ «خالد»، وعملتُ معه بدوام غير كامل في مكتبه. كان شخصًا داعمًا وممَن نسميهم منفتحين فكريًا وجنسيًا. 

قبل «خالد»، لم أدخل عالم الجنس. في منزل أسرتي كان الجنس عيبًا، ولفظة مُحرمة طالما أن المتحدثة أو المُستمعة ليست متزوجة. في زياراتنا العائلية كانت نساء العائلة المتزوجات يجلسن سويًا، ولا تنضم واحدة منّا إلا إن تزوجت حديثًا. يضحكن ويتبادلن أحاديث جنسية، ويتنافسن في التعبير عن رغبات أزواجهن بهن.

في أول لقاء جنسي بيني وبين خالد، حاولنا ثلاثة أيام متواصلة، لم ننجح سوى في بعض الملامسات الخارجية. انعكس ارتباكي على عضلات جسمي، وانقبضت عضلات المهبل، حتى أننا لو حاولنا بسطها، كنّا كمَن يحرك شيئًا عكس اتجاهه. قررنا أن نرى طبيبًا. وتوقعت من «خالد» أن يحضر معي، لكنه لم يعرض حتى. وكنتُ بحاجة للوقت الذي كشف كل تفصيلة من علاقتنا.

أنا مكنتش خايفة من الكشف، كنت خايفة من الناس. كنت حاسة إن أنا بنت صغيرة رايحة عند دكتور نسا في الإسماعيلية لوحدي. ده معناه إن أنا بضرب سمعتي في الأرض. كنت خايفة اشوف حد اعرفه. كنت خايفة يتوجه لي أسئلة: انتي جاية لوحدك ليه يا بنتي؟ انتي مالكيش أهل؟ أو انتي جاية لوحدك عشان واحد ضحك عليكي؟

قلت للطبيب إني متزوجة، وأن زوجي لم يحضر لأنه خارج مصر. لم أعلق على عدم رغبة «خالد» في الحضور، وأبلغته أن الطبيب نصحني بإطالة وقت المداعبة ليكون جسمي مُهيئًا للجنس. بدأ «خالد» في تنفيذ نصائح الطبيب، وفي كل مرة يسألني لو مُرحبة بهذا الفعل أو ذاك، كان السؤال يثير رغبتي أكثر، ويدفعني لتبادل المبادرة معه من حين لآخر. كنتُ سعيدة. شعرتُ بأني أفعل ما أستمتع به، دون قيود، وبلا تكهنات عمّا إن كان هذا الشاب يحبني أو يخدعني. شعرتُ وبأني دخلتُ عالم الجنس دون حاجة للزواج. تبدل اهتمامي بغشاء البكارة، من شيء أخافه إلى شيء أملكه، ويحق لي التصرف به. علاقتي بـ «خالد» رفعت من ذهني أعباء كثيرة، وأضافت أخرى أكثر وحشية.

بدأنا نتشاجر وكأن انبهارنا الأول انتهى. في إحدى الليالي، وبينما نحن منهمكون في الشجار، مارسنا الجنس. وقد كان جامحًا بحجم الخلاف الذي بيننا، وبعمق الفجوة التي لم أدركها حينها. كانت القواعد التي أتفقتُ عليها مع شريكاتي في السكن، لا تسمح لـ «خالد» بالمبيت. فكان يُغادر بعد كل مرة نمارس فيها الجنس، ولا يتسع الوقت للنقاش أو حل الخلافات. مرت أيام، وعُدنا للشجار.. تأخرت دورتي الشهرية وسخرت من أننا نتشاجر وقد أكون حاملًا.

مكلفش خاطره يسألني بما إنه جابهم جوه: انتي خدتي حبوب، عملتي حاجة؟ ومش عارفة ليه كنت ساذجة للدرجة دي. لحد دلوقتي معنديش إجابات. ومبعرفش أسامح نفسي أني مكنتش عارفة الكلام ده. ماهو أصل مفيش ناس بتسيب نفسها تحمل. إحنا في الإسماعيلية.

كان الجنس بالنسبة إليّ عالم أكتشفه من خلال «خالد». انفتاحه الجنسي واطلاعه أقنعاني بأنه أكثر حرصًا بما أني لا أعرف عن الجنس ما يعرفه. لم يخطر لي أني سأدفع ثمن خبرته تلك من جسمي، تمامًا كما دفعتُ ثمن جهلي. 

اشتريتُ اختبار الحمل المنزلي. قبل مكالمتنا الأخيرة، وأجريته في الصباح. قرأتُ التعليمات الموجودة على علبة اختبار الحمل المنزلي أكثر من خمس مرات، لأتأكد أن «شرطتين» تعني أني بالفعل حامل.  

خرجتُ من الحمام والتيست في إيدي. أنا كنت ماشية حاسة كده؛ إن أنا شايلة السؤال في إيدي! أنا ماشية شايلة في إيدي سؤال عمري.

رأتني صديقتي في طريقي من الحمام للغرفة، وأدركت أن ما أحمله في يدي هو اختبار حمل، وبأنه لا داعي لسؤالي عن نتيجته. كانت مرسومة على وجهي بإتقان. احتضنتني «سارة» سريعًا. قالت إنها تدعمني في أي قرار. أثقلتني بثنائها على قوتي وثقتها بأني سأتجاوز الأمر، كما تجاوزت كل الأمور الصعبة قبله. قالت إنني قوية وناضجة، بينما أشعر بأني في أكثر لحظاتي ضعفًا وسذاجة. وددتُ أن أوقفها، أن أقول لها إنني ضعيفة الآن، وبأني بحاجة لأن أسمع أن هذا الضعف عادي، وأن إحساسي بالعجز عادي. أن تسألني عمّا أشعر به بالتحديد، فأقول لها أن هذه القوية التي مرت بالمواقف الفلانية، هي نفسها تلك الضعيفة التي أمامك الآن. أن لومي لنفسي يقتلني كل لحظة.

فكلما وددتُ أن أقول لها ذلك، سبقتني كلماتها ومدحها في قوة شخصيتي، فأتردد، وأسحب كلماتي. تمنيتُ لو أن «سارة» شاركتني البكاء، وانهارت معي. كانت «مُتعقّلة» جدًا في حديثها الجاد. وكنت لا أرغب في حديث جاد عقلاني، قدر رغبتي في حديث غاضب وبكاء متواصل. 

عندما تركتُ منزل أسرتي لأكتشف الحياة بمفردي، تحمّست أن أواجهها بشجاعة الواثق. كنت مؤمنة، وما زلت، أن التجارب وعي إضافي، وبقدرتي على تحمل مسؤولية أفعالي. لكن أحيانًا، تمنيت لو أحد يشاركني هذه المسئولية. لو أحد يعرف أن القرارات أحيانًا ما تكون صعبة. لو أن أحدًا كان بالشجاعة الكافية ليشاركني مسئولية تلك القرارات التي غالبًا ما تكون نهاياتها مجهولة.

التجارب التي نعيشها كما تُضيف لوعينا، فهي تسحب من أرصدة التعاطف معنا. في أكثر أوقاتنا احتياجًا للعطف، يثني الآخرون على قوتنا وصمودنا. بينما نحنُ ننهار من الداخل. ونُريد أن نُكسّر الأرض من تحتنا، سخطًا وتمردًا. لا مجال لرفض واقع أو البحث عن بديل. نحن نعيش تجاربنا كما هي، ونتعلم أن مع كل تجربة نمضي بعيدًا عن سذاجتنا، ويُدير لنا العالم ظهره أكثر، لأننا ناضجون بما يكفي. هذا العالم الذي تخيلناه سيتوقف حزنًا مع كل لحظة شعرنا فيها بالألم. وتوقعنا منه الكثير ودحضتنا خيبات الأمل في أماكننا. لن يقف أبدًا. وعلينا أن نتعامل مع حركته تلك. وأن نتعاطى مع مساره غير المعلوم.

«سارة» هاتفت «خالد» وأخبرته. لكني لم أنتظر حتى يحضر. بدّلت ملابسي وغادرت المنزل في طريقي إلى مكتبه حيث نعمل سويًا. ذهبتُ ورأيته. رأيت السعادة في عين «خالد» في الوقت الذي كان الهلع فيه يتمكن من كل سنتيمتر في جسمي. رأيته رجل سعيد بخبر حمل شريكته، كما لو أن هذا شيئًا عاديًا. كما لو أنه مُتاح لنا أن نفرح بالحمل. كانت فرحة «خالد» رفاهية لم أملكها، ولم أسامحه عليها. كان أنانيًا في إظهار مشاعره، وجاهل في أبسط ما يمكن قوله في لحظة هي ملكي بكل ما تحمله من ألم وقسوة، ليحوّلها بابتسامته وصوته إلى لحظة احتفال. لم يفكر حتى في واقعية اقتراحاته. اقترح الزواج كما لو كان ممكنًا، كما لو أن الحمل سينتظر ترتيباته، كما لو أن الناس لن تسأل لماذا أنجبت قبل تسعة أشهر، وكما لو أنه ضامن موافقتي لأني أمام الحمل كأمر واقع.

لم تسألني «سارة» عن شعوري، وكذلك لم يسألني «خالد». كنتُ في المنتصف، ما بين الجديّة والفرح. صديقتي تعاملت مع الحدث من وجهة نظرها، وشريكي تعامل مع الحدث من وجهة نظره. ولم يتسع مستوى الحدث لوجهة نظري أنا.

محدش فكر يسألني إنه: أنا حاسة بإيه. أنا حاسة إني مينفعش أخلف. وأنا كنت صغيرة. ومعنديش كاريير، ومستقلة جديد. ولسه مشتتة ما بين: أنا هروح فين وآجي منين واصرف منين وآكل واشرب إزاي، ولسه مش متأكدة من العلاقة اللي أنا فيها دي، علشان أخليها علاقة دايمة. علشان أربط طفل بأب. كنت ساعات بشوف كل اللي مفرحه إنه جدع. إنه بيخلف. إن أنا وفّرت عليه تمن التحاليل علشان يعرف هو بيخلف ولا لأ.

لم ينجح اعتذار «خالد» عن شجارنا المتواصل وبأني أمر بتجربة حساسة، وثقتي فيه مهزوزة. لم ينجح شيء في ملء الفراغ الذي شعرته بداخلي، ولا حتى حين طوّقني بذراعيه. رغم أن رحمي ممتلئ، إلا أن الفراغ استوحش داخلي، بيني وبين مَن شاركوني التجربة. شعوري بأني المخطئة الوحيدة لم يترك لي فرصة أكون فيها أكثر طيبة مع نفسي. شعرتُ بأني تهاونت في حق نفسي حين تركت الأمور لمَن اعتقدته أكثر خبرة مني.

أحيانًا يكون كل ما نحتاجه هو أن نرمي بأجزاء من نتائج قراراتنا على آخرين. أن نلومهم على أفعالهم التي أودت بنا إلى هنا أو هناك. أحيانًا يكون ما نحتاجه هو أن نشعر للحظة بأن هذه الأفعال هي السبب فيما آلت إليه الأمور، ويكون كل ذلك نتيجة مسؤولية مشتركة بيننا وبين آخرين. الأمر يتطلب شجاعة. فعل الأمر يتطلب شجاعة. أن نقول لفلان أو فلانة إن كذا هو الاختيار الأنسب، فنتحمل معهم جزء من النتيجة، أن نفتح صدورنا للوم وأن نؤهب أكتافنا لبعض الأحمال الإضافية. أحيانًا يكون كل ما نحتاجه هو أن نُهزم بإنسانية.

قررت الإجهاض. وكان الوصول لطبيب شبه مستحيل في الإسماعيلية. بحثنا على الإنترنت، كيف سنتمّه في المنزل، واهتدينا إلى اسم دواء محفز للإجهاض. استغرق البحث بضعة أسابيع، قرأتُ خلالهم ما يكفي عن قصص نساء فشلن في الإجهاض المنزلي، وكان خوفي أن أكون مثلهن، وأحتاج لعملية، خاصة أني بدأت شهري الثالث، ولم نجد الحبوب في أي صيدلية. حتى اتخذ «خالد» قراره بطلب الدواء من زميل عمل، معروف بأن علاقاته تسمح بالحصول على الحبوب المُجدولة كمخدرات في سجلات وزارة الصحة. رغم أن حبوب تحفيز الإجهاض غير مجدولة، ورغم رفضي لأن ذلك معناه أن المكتب بالكامل سيعرف بأمر إجهاضي، وبعلاقتنا الجنسية، كلمه «خالد»، وحصل على الدواء. وعرف أن الحبوب  تُوضع تحت اللسان، وداخل المهبل بالتوازي، وبأن أفضل وسيلة لضمان استقرار الحبوب داخل الرحم، هو ممارسة الجنس.

عيطت كتير. ومكنتش عارفة أقوله بعيط ليه. حسيت بإهانة. وإن الجنس شيء جميل، جزء من حياتنا واستمتاعنا بالحياة، وبيجيب حياة لناس تانية. فأنا كنت بعمله بهدف عكسي.

كنت معاه بجسمي وعقلي بيفكر وبيشوف كل التفاصيل.. وقلبي حساس وضعيف. دي كانت اكتر حاجة مش بنساها: اللحظة اللي عملت فيها انتركورس علشان نتأكد إن الدوا موجود تمامًا. علشان نخلص فانلبس هدومنا. هو ينزل، وأنا اروح استنى الألم مع نفسي.

انتظرتُ الألم كمن ينتظر الموت في أي وقت، وحيدًا. سمعتُ دقات الساعة ثانية ثانية لمدة أربع ساعات. أسأل نفسي خلالهم متى سيبدأ الألم والنزيف؟ الآن؟ غدًا؟ متى؟ هل سأموت؟ ماذا سيحدث بالضبط وأنا أنتظر ألم من نوع خاص، وأتناول حبوب لم أسمع عنها دون أي إشراف طبي، لأتجاوز أمر لم يمر بخيالي يومًا.

بدأت التقلصات، وبعدها بساعات بدأ النزيف. لم أشعر بالذعر حين رأيتُ الدم. كانت هناك لحظات أكبر ومؤلمة أكثر، كلحظة ممارسة الجنس مثلًا. كاللحظة التي أدركتُ فيها أني بدأتُ حياة جديدة، وبالكاد أفهم أبعادها. كاللحظة التي أدركتُ فيها أني مهتمة بأن يكون الأمر سرّي، ولا يعلمه سوى «سارة» و«خالد». تلك اللحظة التي اكتشفت فيها أني استقللت عن عائلتي، لكني لم أستقل عن كلام الناس. سلبتني تلك المشاعر لحظة جلال رؤية الدم. وسلبتني معها لحظة تعافي، أتجاوز فيها.

كان الدم مختلف عن دم الدورة، أكثر سمكًا وتدفقًا. وكان في اليوم التالي لدينا واجب اجتماعي في منزلنا أنا وصديقاتي. كنتُ ملزمة بالحضور، لئلا أترك صديقتيّ بمفردهما، وحتى لا يثير غيابي أسئلة عن السبب. كنتُ رغم التقلصات الشديدة، أتظاهر بأني عادية. أقف في المطبخ وأعد واجبات الضيافة. 

أنا مش قادرة اتمتع بأبسط حقوقي الإنسانية إني أنام فالسرير مرتاحة. ومش عارفة ليه مفركتش في انه: عادي يلعن دين ام العالم كله، فلانة تعبانة ونايمة. 

انهار العازل بين ما أفعله وما أحسّه، وارتديتُ ملابسي واتجهتُ للمكتب. رغم غضبي منه، إلا أنني توقعتُ أن يأخذني في حضنه كاليوم الذي عرف فيه بحملي. كنتُ في أشد الحاجة إلى مساحة أعبّر فيها عمّا أحسّه، عن قلقي وعن خوفي، وأن أسأل أسئلتي بصوت عالٍ. كنتُ على وشك الجنون. حين دخلتُ المكتب وجدتُ «خالد» في اجتماع، وقبل أن أعتذر عن مقاطعته، طلب مني الدخول، وبدأ يسألني عن تفاصيل تخص وظيفتي.

انتهي الاجتماع، وخرجت وأغلقت هاتفي. خلال أيام، لم ينجح فيهم «خالد» بالتواصل معي، ولم يتوقف النزيف، قررتُ السفر للقاهرة. كانت مشاعري تجاهه غاضبة، ممزوجة بإحباط. 

إحنا الاتنين عملنا سكس، إحنا الاتنين مخدناش بالنا، أنا شيلت لوحدي. الفلوس بتاعة الحبوب، عملنا فيها شير سوا. فإحنا كنّا شير في كل حاجة، إلا الألم. إلا الإحساس بالعار. إلا الإحساس بالخوف. إلا الإحساس بأني برتكب جريمة.

مرَّ واحد وعشرون يومًا من بداية الإجهاض، تعاطيتُ خلالهم الحبوب ثلاثة مرات متفرقة. وبعد كل مرة يقف فيها النزيف نسبيًا، أُعيد اختبار الحمل، واتأكد أن الحمل لم يُجهَض. تجسدت مخاوفي بأن هذه ستكون نهايتي. سينتهي بي الحال بإنجاب طفل مشوّه. أتناول حبوب للإجهاض بشكل مستمر، وأدخن، وأشرب كحول.

قررتُ أن أفصل نفسي عمّا أمر به للمرة المليون، وأن أذهب مع صديقاتي إلى «سيتي ستارز». هناك، شعرت بأن الدماء غزيرة، توجهت لدورة المياه. 

قعدت على التوليت. حسيت بتقل بينزل من بطني. فقررت احطّ إيدي علشان الدم ينزل على إيدي. شوفت شكل الجنين. صغير جدًا، وله علامات تخليكي تميزي إن ده الجنين، بس في نفس الوقت شكله مش كامل. ودي كانت لحظة قاسية جدًا. 

وفي محاولة مُحبَطة للغاية، قررت الاحتفاظ بكتلة الدم. نظرت حولي، فوجدت بكرة المناديل. أخذت منها قدر ضربات قلبي حينها. وفردت كف يدي اليُمنى، وباليُسرى التقطت الدم في المناديل. وتنفست بعمق الوجع، وعمق الارتياح. كل شيء أخيرًا انتهى. سحبت شنطة يدي لأُخرج المحفظة، وأضع فيها المناديل الملفوف بها الدم. واستبدلت فوطتي الصحية بأخرى، وارتديت ملابسي. ثم غسلتُ يدي وعُدت لصديقاتي. 

أنا بحس إني شايلة في المحفظة حتة من روحي. مكنتش عارفة افسر اللي بيحصل. وحسيت إن ممكن المنديل ده في يوم من الأيام، يساعدني افسر إيه اللي حصل. بس أنا دلوقتي مش قادرة.

حاولتُ إخبار «سارة» بما حدث، وبأني تأكدتُ أن الإجهاض تمّ. كانت الأجواء صاخبة جدًا. وصرخات الأطفال تُحيطنا من كل جانب. وجاءت فاتورتنا، فأخذنا وقت نحسب نصيب كل واحدة منّا. 

حسيت إن أنا مش مهمة بالنسبة لأي حد. وإن اللي حصل ده مهم، بالنسبة لي أنا بس. بس أنا نفسي، بالحاجات المهمة ليّا، أصلًا مش مهمة. لأن مكنش حد عنده وقت ولا مساحة انه ينتبه لي. محدش وقف عند اللحظة دي.

عند عودتنا، استقبلنا «خالد» بحرارة. وكعادة ردود أفعاله، لم تكن مُناسبة. نحن في عوالم منفصلة، رغم مشاركتنا لأمور بعينها، تبقى هذه الأمور غريبة. احتفظ «خالد» باختبار الحمل، واحتفظت أنا بالمنديل. وانتهت علاقتنا.

اعلان