عمالقةٌ بالون| 4- نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه

مع نهاية سنة 2005، كان التدوين قد أصبح معروفًا على نطاق واسع، خاصة بعد أن أذاعت قناة الجزيرة وثائقيا حول المدونين. محمد حسنين هيكل ذكر في الفيلم أنه متابعًا لمدونة «بهية». ثم في مارس 2006، نظمت مجموعة 30 فبراير -مجموعة من المدونين المصريين اختاروا اسمًا ساخرًا لهم- اعتصامًا في ميدان التحرير تحت شعار «ليلة في حب مصر»، وقضى العشرات ليلة كاملة في ميدان التحرير. في هذه الليلة، كتب علاء عبد الفتاح تدوينة عبر هاتفه المحمول ونُشرت مباشرة على مدونته. تقريبًا كان أول تدوين حي. في نفس السنة، أُلقي القبض على العديد من المدونين بعد اعتصامهم تضامنًا مع حركة القضاة المطالبين باستقلاله، كان من بينهم علاء عبدالفتاح ومالك مصطفى ومحمد الشرقاوي ومحمد عادل بالإضافة للعديد من النشطاء منهم أحمد ماهر.

ملصق دعائي لاعتصام (ليلة في حب مصر)

في العام ذاته، كان هناك حادثة اعتقال أول مدون مصري بسبب كتاباته على الإنترنت، كريم عامر. اعتقلته السلطات المصرية على خلفية ما كتبه حول أحداث الفتنة الطائفية بمحرم بك بالإسكندرية، وفُصل من جامعة الأزهر التي كان يدرس بها. اعتُقل كريم مرة أخرى في 2007 ليصدر ضده لاحقًا حكمًا بالسجن أربع سنوات بتهمة ازدراء الأديان وإهانة رئيس الجمهورية. في نفس السنة، اعتُقل الناشط السيناوي مسعد أبوفجر، ما دعا المدونون لتدشين حملة إلكترونية دفاعًا عنه. استمرت هذه الحملة فترة طويلة وساهمت كثيرًا في طرح قضية أبوفجر في الإعلام، ثم اعتُقل المدون عبدالمنعم محمود، والمدون عمر الشرقاوي. وكالعادة، تابع المدونون القضايا ونشروا عنها وعن تطوراتها في مدوناتهم.

في العام التالي، رفع القاضي عبدالفتاح مراد قضية ضد أحمد سيف الإسلام، وعلاء عبدالفتاح، وجمال عيد، وعمرو غربية، ومنال بهي الدين، بعدما فضحوا قيام القاضي بنسبة جزء من تقارير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  لنفسه في كتابه (الأصول العلمية والقانونية للمدونات على شبكة الإنترنت).

في نوفمبر 2006، انتقلت من مدونات بلوجر (Blogger) إلى ووردبرس (WordPress). حاولت أن استخدم دروبال (Drupal) لكني فشلت في نقل التدوينات القديمة من بلوجر إلى دروبال. وعليه، لجأت إلى ووردبرس. استخدمت المدونة الجديدة لفترة طويلة، إلى أن تم اعتقال محمد عادل في 2008، والذي كانت المدونة مُستضافة على خادومه. وضاع كل ما كتبته على المدونة خلال فترة تقترب من تسع سنوات. ثم انتقلت للمدونة الحالية، ونقلت بعض التدوينات من أرشيف الإنترنت.

لقطة من فيلم (وراء الشمس) تُظهر نشر مدونون لفيديوهات التعذيب في أقسام الشرطة، الجزيرة 2007

كانت المدونات أصبحت أكثر شعبية في أوساط مستخدمي الإنترنت والإعلام، خاصة بعد أن نشر مدونون مثل وائل عباس ومحمد خالد فيديوهات عن التعذيب في أقسام الشرطة في مصر، وقضية عماد الكبير التي خرجت من المدونات ثم إلى المحكمة ليُسجن أول ضابط شرطة بتهمة تعذيب مواطن. ونشر مدونون أيضًا فيديوهات للتحرش الجماعي في وسط المدينة، فكانت المدونات وقتها مصدرًا هامًا للأخبار للمستخدمين ووسائل الإعلام.

في مارس 2007، وافق مجلس الشعب على التعديلات الدستورية التي طرحها مبارك بخصوص 34 مادة. ودعت حركات مدنية عديدة لمظاهرات ضد التعديلات ورفضًا للتوريث والتمديد. شاركتُ في مظاهرة لا يتجاوز عددها العشرات، وبالصدفة انقسمنا إلى عدة مجموعات قليلة العدد ربما لا يزيد كل منهم عن 15 فردًا. واستطاعت مجموعة أن تطوف شوارع وسط البلد لمدة عشر دقائق وكنت ضمنها. فجأة ظهر الأمن من أمامنا وخلفنا وحوصرت المجموعة، وأخبرنا رتبة شرطية أنه علينا العودة لميدان طلعت حرب وإلا سيقوم باعتقال الجميع. كنا نعرف أن هناك مجموعة تتظاهر أمام الحزب الناصري.

رجعنا وسط كردون أمني مكون من حوالي 20 فردًا بزي مدني من ممر بهلر إلى ميدان طلعت حرب. وبمجرد أن وصلنا للميدان أمام مكتبة مدبولي، أخبرنا الرتبة أن علينا الصعود لعربة الترحيلات دون مقاومة «وإلا هيطلع دين أمنا». كنت ثاني من دخل عربة الترحيلات، وصل قبلي محمد عادل. كان من بين من اعتُقلوا أحمد -ابن خالي- والروائي محمود الورداني، والنقابي ناجي رشاد. تحركت بنا عربة الترحيلات دون أي وجهه. اقترب مني الورداني وسألني عن اسمي وماذا أدرس وأسئلة التعارف العادية.

توقفت سيارة الترحيلات في طريق صلاح سالم. كنا قد قضينا عدة ساعات منذ اعتقالنا، وبدا أن الأمن لا يعرف ماذا يفعل بنا. تحركت السيارة مرة أخرى لوجهه لا نعرفها إلى أن وصلنا إلى معسكر الأمن المركزي بالدرّاسة. نزلنا واحدًا تلو الآخر، وأخذوا بياناتنا ثم ترجّلنا إلى غرفة صغيرة. بمجرد دخولي بها، وجدت عددًا كبيرًا من المعتقلين الآخرين كانوا قد سبقونا إلى هناك. لم نمكث كثيرًا.

تحركنا ثانية إلى قسم الظاهر، وهناك نزلنا جميعًا، وأخذوا كل متعلقاتنا. كان معي هاتف محمول وكاميرا صغيرة بها بطاقة ذاكرة مخزن عليها صور للمظاهرة قبل الاعتقال. الضابط الذي سجل المتعلقات في المحضر قال عن متعلقاتي «موبايل وكاميرا مافيهاش كارت». كان أصلعًا وبوجهه ندبة. على استحياء قلت له «كان فيه كارت في الكاميرا». بالطبع، تراجعت فورًا بمجرد أن نظرت حولي. أذكر أني رأيت هذا الضابط لاحقًا أيام الثورة مصفر الوجه، يتصبب العرق من جبينه ويعتذر لبعض المتظاهرين عن شيء ما.

أدخلونا إلى غرفة ضيقة جدًا. كنا حوالي 13 شخصًا. عرفنا أن هناك غرفة بجوارنا بها مجموعة أخرى اعتُقلت من أمام مقر الحزب الناصري. جلست على الأرض قرابة الساعتين مع الزملاء. كنا قد أُلقي القبض علينا في حدود الواحدة ظهرًا، والساعة الآن تقترب من منتصف الليل. دخل أحد أمناء الشرطة ونادى على بعض الأسماء كنت منهم. تحركنا خارج غرفة الحبس، وانتقلنا إلى مكان آخر، وعرفنا بعدها أنه سيتم الإفراج عنا الآن.

خرجت من القسم سريعًا إلى الشارع. وجدت مجموعة من الزملاء في انتظارنا، أذكر منهم رامي صيام، ومحمد شرقاوي، وعلاء عبدالفتاح. عرفنا أنه لن يتم الإفراج عن باقي الزملاء، ذهبنا بعد ذلك وتناولنا عشاء في أحد المطاعم الصغيرة القريبة من القسم، ثم رحلنا.

في اليوم التالي قرأت رسالة وصلتني من أحمد ماهر على البريد الإلكتروني من خلال مجموعة شباب من أجل التغيير البريدية:

ما تستغربش لو لقيت نفسك فجأه مسجون ومحبوس

ماتزعلش أنك دلوقتى بين أربع جدران وأن الشباك عالى عليك

أوعى تخاف… صدقنى كله بيعدي

لو بصيت للسقف ولقيت نفسك مخنوق أوعى تزعل. وأوعى تندم أنك جيت المظاهرة ومارست واجبك

أنا مش عارف أقولك إيه ومش عارف اركز فى الكلام بس أنا عارف أنك هاتستحمل

وكمان ماتنساش أن معاك ناس جدعان ومحترمين.. كفايه أن معاك العظيم خالد عبدالحميد

أطمن…. أكيد هو هيخلى باله منكم

أكيد الجو برد عندك ومافيش غطا ويمكن يكون المكان اللى أنت قاعد فيه مكان وسخ وزباله

لكن أوعى تندم

أقولك تعمل إيه لو لقيت نفسك زعلان وقرفان

اعمل زيى لما كنت فى السجن قبلك من سنه

نااااااام وكبر دماغك

أنا عارف أنك مش هاتقرى الكلام ده إلا لما تخرج … بس أنا حاسس أنك سامعنى وبتفكر فى الكلام اللى كنت بحكيهولك عن السجن

أحمد ماهر

ويكيليكس

لقطة للصفحة الرئيسية لموقع ويكيلكس تعود لسنة 2007

أصبحت الإنترنت وسيطًا في تداول الأخبار والمعلومات والبيانات منذ منتصف التسعينيات، وفي بداية الألفينات أصبحت المؤسسات الإعلامية الدولية والمحلية لها مواقع وب تُحدّث باستمرار. ومع ظهور تقنيات الوب 2.0 (كالمدونات والشبكات الاجتماعية والويكي)، تحوّل مستخدمي الإنترنت إلى ناشرين ومنتجين للمحتوى، وانفتح عالم المعلومات. أحد أهم الظواهر التي حدثت في هذه الفترة كان موقع ويكيليكس.

ولد جوليان أسانج Julian Assange، مؤسس «ويكيليكس»، في 1971 لأبوين استراليين انفصلا قبل مولده بقليل. اهتم جوليان بالحواسيب والإنترنت مبكرًا، ودرس الفيزياء والرياضيات والبرمجة لكنه لم يكمل تعليمه. يُقال أن علاقة جوليان بالاختراق بدأت مبكرًا عندما كان منخرطًا في نهاية الثمانينيات في مجموعة سُمّيت «the International Subversives»، والتي يمكن ترجمتها إلى «مجموعة التخريب الدولية»، وأنه ساهم مع هذه المجموعة في برمجة دودة خبيثة باسم «Worms Against Nuclear Killers»، والتي يمكن ترجمتها إلى «ديدان ضد القتلة النوويين». وعلى الرغم من أن هذا الاعتقاد سائد، إلا أن جوليان رفض الاعتراف بذلك. لاحقًا في 1994، قبضت الشرطة الاسترالية على جوليان بتهم تتعلق بقرصنة شركة اتصالات كندية متعددة الجنسيات.

في 2006، أطلق جوليان أسانج موقع «وكيليكس»، واكتسب الموقع شهرة ضخمة، خاصة بعد نشره وثائق دبلوماسية وعسكرية. يمكنني أن أعتبر أن موقع «ويكيليكس» غيّر مفهوم المعلومات المتاحة للجمهور، حيث يتاح للعالم الاطلاع على مراسلات دبلوماسية حساسة بين دول كبرى، لنكتشف كيف تُدار العلاقات بين الدول والشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تتحكم في اقتصاد العالم، وكيف تتجسس دول تتشدق بقيم الديمقراطية على حكومات دول أخرى حليفة لها. ولعل أبرز التسريبات التي نُشرت على «ويكيليكس»  كانت فيديو عن ضربة جوية أمريكية في 2007 قُتلت فيها مجموعة من المدنيين العراقيين والصحفيين، وتسريبات سجلات حرب العراق، وحرب أفغانستان في الفترة ما بين عام 2004 إلى عام 2009. بعدها بأعوام، جاءت تسريبات إدوارد سنودن حول مراقبة الاتصالات والإنترنت من قبل الحكومة الأمريكية، ودول أخرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا، وحتى بعض الدول العربية، لتثبت أيضًا مدى خوف الحكومات من قوة وتأثير المعلومات المُتاحة على الإنترنت وتداولها.

لاحقًا، تعرّض جوليان أسانج لملاحقات أمنية وقضائية في العديد من الدول، ووضع على قائمة المطلوبين للإنتربول، وصدرت مذكرة اعتقال له في 2010 بتهمة الاشتباه في التورط بجريمة اغتصاب، واعتقل في بريطانيا في نهاية 2010. وفي 2012، أصبح مقيمًا في سفارة الإكوادور في لندن كلاجئ سياسي، إلى أن قُبض عليه من داخل السفارة في 2019، بعد أن تغيّرت حكومة الإكوادور.

الحلقات السابقة من «عمالقةٌ بالون»:

1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

2- اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

3-  بلُج أم بلوغ؟

اعلان
 
 
محمد الطاهر