ديتوكس: بمناسبة الأحداث
 
 

#جو عام

كما تعرفون حينما تودّع الصيف، فإنك ستدخل الخريف، هكذا تتوالى الفصول، لكن دخلة الخريف كانت قوية وغاضبة. 

على مدار أيام سيطرت مشاعر تراوحت بين الإثارة والهلع في الأجواء، غبنا عنكم الويك إند الماضي، والآن نعود في ظل أجواء خريف الغضب.

ترددنا كثيرًا حول ما يمكن تقديمه في دليلنا في ظل خريف الغضب القائم، اخترنا لكم قائمة أغاني وقصائد تتماشى مع الأحداث، ستجدونها في #سماع. وبخلاف الترشيحات ندعوكم لقراءة دردشة مع الكاتب والمترجم هيثم الورداني.

#قراءة

-عن أبرز كُتب الناقد الكبير إبراهيم فتحي الذي غيبه الموت أمس، الخميس، يكتب علي دحروج، ومن ضمنها «كوميديا الحكم الشمولي» و«الماركسية وأزمة المنهج».

يكتب شادي لويس في «المدن» عن أسبوع اختفى فيه الكاتب محمد علاء الدين، وعن الاختفاء القسري أيضًا: «ربما فقد هاتفه أو سُرق حسابه في «فايسبوك». يصل الإنكار بالناس إلى حد لا يمكن تخيله من الشطط. قرأت عنه في الماضي بالتأكيد، وحتى أمس كنت لا زال أمنّي نفسي بسيناريوهات سخيفة: ربما هو مَن دبر عملية اختفائه، وسيظهر فجأة، ويفاجئنا جميعًا، مغامرة طائشة من مغامرات الروائيين. تطلّب الأمر أسبوعًا حتى يخفت الأنكار، وتبقى السيناريوهات الأكثر عقلانية. ربما قُبض على محمد بشكل عشوائي، مثل مئات غيره قبل أسبوع، وفي الأغلب سيظهر في واحدة من النيابات في الغد أو بعد يومين على الأكثر». 

[نُشر المقال قبل إطلاق سراح علاء الدين مساء 2 أكتوبر الجاري]

هذا البروفايل لا يتماشى مع نموذج البطل الشريف الفقير المغلوب على أمره، الذي دخل عش الدبابير فصدم من هول الفساد، فخرج ليقول كلمة حق في وجه الظالم، ما سبّب ارتباكًا للكثيرين في استقبال فيديوهاته» هكذا تكتب ليلى أرمن عن بثّ المقاول محمد علي وما تلاه من موجات وحِراك خلال الأيام الماضية، محللة ذلك في «عركة الفلوس والصور». 

غير أن «المؤيدين»، رغم تناقص أعدادهم، ما زالوا يتمسكون بالسراب. وكما تمسكوا من قبل بحلم الثروات المتخيلة من «قناة السويس الجديدة» و«مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي»، فهم اليوم ينتظرون الرخاء من القصور الرئاسية. رغم أنه، حتى في القصص الخيالية، وألف ليلة وليلة، لم يستفد علاء الدين من القصر السحري الذي أنشأه له جنّي المصباح في الصحراء».. هكذا يكتب محمد خير في «المدن» عن القصور الرئاسية وما حكاه محمد علي عن «القصر المسحور» وتعليق الرئيس المصري عن قصره، وغيره من الأمور. 

-في «الجمهورية» يكتب ياسين الحاج صالح عن الإرهاب والإبادة، وتقترح مقالته أطروحة مُركّبة، بحسب تعريفه، تقضي «بأن تشخيص الإرهاب كشر سياسي أساسي، كما هو الحال اليوم، يُحيل عنف الدولة، مهما يكن مفرطًا، إلى حيث لا يكون مرئيًا، فيمهد السبل للإبادة، وقد يجري تبرير ذلك بمبدأ السيادة» كما تتضمن الأطروحة أن «العالم يشهد تحولًا «جينوقراطيًا» (حكم الأكثرية الثقافية) يقوّضُ الديمقراطية في كل مكان، ويمهد بدوره للإبادة عبر اعتبار الأقليات، هي الخطر»، وهو ما يتطلب قراءة الأطروحة كاملة.

يكتب حسين الحاج عن الحالة الطبيعية في الفلسفة، والتي تعني تخيّل حياة الناس قبل ظهور الدولة، يحلل الحاج ويناقش تصورات قدّمها فلاسفة حول هذه الحالة، وذلك على موقع «كتب مملة».

تقدم «الأخبار» اللبنانية صناعة وثقافة النبيذ في لبنان عبر قصة مصورة، صورها هيثم الموسوي.

هنا يتحدث الرسام محمد أنور عن مشروعه الجديد الذي يعمل عليه حاليًا في العاصمة الألمانية برلين، وهي رواية مرسومة توثيقية. عن فكرة الهوية، ورسم الكاريكاتير السياسي، والصحافة، و«سوء الأحوال الجوية» يحكي أنور.

-نرشح للقراءة جزءًا من ترجمة كتاب «اختراع النساء» المُتاح على منصة «ويكي جندر»، و«اختراع النساء» من تأليف أويرونكي أويوي، وترجمت هذا الجزء مارينا سمير.

لم أعد أشعر بالوحدة عندما أعود لشقتي، فدائمًا ما أجد فيها من ينتظرني، وعاد غيابي ملحوظًا كالسابق.

عندما أدير مقبض الباب وأدخل، أهز سلسلة المفاتيح ليصدر منها خشخشة مبهجة، كما كان يفعل أبي حين يعود للبيت وأنا صغير، فيهرع القط إلي (كما كنت أهرع لأبي) مرقصًا ذيله وهو يموء مواءً متقطعًا متغنجًا يظهر به سعادته بعودتي».

من «القط» قصة كتبها خالد الشورى، يمكن قراءة النص كاملًا على مدونة «ختم السلطان» التي أسسها الكاتب يوسف رخا، ثم صارت فضاءً مشتركًا ينشر النصوص والصور. 

رصاص!

صرخ أحدهم بقوة تتجاوز قدرات البشر، صيحة ليس فيها إلا الإحساس بالقهر جعلت الأنظار تتجه إلى المكامن المحتملة التي ينطلق منها الرصاص دون أن  يهتدوا إلى مكان القنَّاصة. تحلق بعضهم حول الرجل المتمدد، وأخذوا يتسمعون نبضه، تلاقت عيونهم حزينة قلقة، وعادوا للوقوف يمسحون الأفق بحثًا عن مصادر الخطر، بينما هرول البعض وعادوا ببطانية، فردوها على الأرض. انحنى سامي يساعد في حمل الرجل إلى البطانية، وأدرك أن الموت الذي تعرف عليه باردًا يابسًا في جسد أبيه، بوسعه أن يكون ساخنًا وطريًا. ارتفعت البطانية وأخذت تتأرجح في أيدي المهرولين الذين حملوها من أطرافها، وغابوا وسط الزحام».

جزء من رواية «ما رآه سامي يعقوب» لعزت القمحاوي، والذي نشره الكاتب على موقعه الشخصي؛ «الأيك». 

#مشاهدة

أحمد وائل يرشح للمشاهدة once upon time in Hollywood:

يُقال إنه الفيلم قبل الأخير لكوينتين تارانتينو، فمَن شاهدوا once upon time in Hollywood ينتظرون عملًا تاليًا متمًا لرحلة مخرج صاحب شخصية كاريزمية عاش مشاهدو أفلامه رحلة تحقيق أحلامه. من محل شرائط فيديو حتى صار أبرز مخرج معاصر. ربما لا تتوقف هذه الرحلة، خاصة أن التوقعات تخمّن أن يكون الأخير/ المفترض فيلمًا تدور أحداثه في الفضاء.

الفيلم التاسع لتارانتينو طويل نسبيًا، مدته ساعتين وأربعين دقيقة. هو وجبة دسمة لعشاق تارانتينو وتتضمن مشاهد مستوحاة من أعمال أخرى، كما يحفل بفنون الحوار المعتادة في أفلامه. 

تارانتينو يتفنن في صناعة حوار طويل ومتشعب دون أن يقتصد، مركزًا على كلمات بعينها وعبارات ملهمة مثل لقطة البار وسط inglourious basterds، إنتاج 2009، أو مشاهد العربة في hateful eight، إنتاج 2015، وغيرها الكثير. 

بخلاف المعتاد في أفلامه، فإن إيقاع التاسع هادئ ولا ينتقل إلى العنف إلا بعد أن يُطبخ الفيلم على نار هادئة، وفجأة تنطلق الأحداث عاصفة.

يُوصف عادة تارانتينو بأنه مختص في إبداع مشاهد العنف، لكن ليس ذلك وحده ما يميزه، بل يرى المُشاهد لقطات بمثابة تحية لأعمال يحبها المخرج، فكأنها مجلوبة من عوالم مخرجين آخرين، لكنها هنا ضمن لحم شريط الفيلم البصري. 

يدور فيلم once upon a time in hollywood في أواخر الستينيات، في أجواء صناعة أفلام الغرب الأمريكي أو الـ «ويسترن»، وهي المنطقة التي لم يبرحها المخرج منذ django unchained، إنتاج 2012، والفيلم التالي له.

في الفيلم الأحدث، انتقى تارانتينو زاويته الخاصة المفضلة كالعادة مجسدة في بديل ممثل أفلام الغرب الأمريكي، والدوبلير هو براد بيت بينما النجم هو ليوناردو دي كابريو، ونغوص مع الفيلم في هذه العلاقة. 

الفيلم عالم ممتع ملآن بتفاصيل محببة للمخرج وجمهوره العاشق، وإلى جانب الظهور العابر لأبطال أفلامه السابقين أو الانتقال من الروائي إلى التسجيلي دون أن يرتبك المشاهد لهذه النقلات لتعوده عليه في لحم أفلام تارانتينو.

هل شعرت بغرابة حينما ضمّ لحم الفيلم لقطات عن خام الفيلم وقابليته الفائقة للاشتعال حينما كان يتمّ شرح خطة حرق دار السينما التي سيتواجد بها هتلر؟ إذا كانت إجابتك بالإيجاب، فمن المحتمل أن تستمتع بهذا الفيلم الذي يعيد كتابة التاريخ بطريقة مختلفة، فيصنع تارانتينو تدخلاته ليغيّر ما كان عبر فيلم طويل عن هوليود، وأكبر مآسيها.

عُرض في مصر بالسينمات ثم صار مُتاحًا على مواقع المشاهدة المجانية.

-بدأ عرض موسم جديد من explained على منصة العرض والإنتاج الرقمي نتفلِكس.

تعود سلسلة الوثائقيات التي تنتجها نتفلِكس بموسمها الثاني والذي تُعرض منه حلقة أسبوعيًا. حلقات هذه السلسلة منفصلة، وإن كانت مشغولة بهاجس واحد وهو شرح وتحليل ما يشغلنا من تساؤلات. أول الحلقات عن الـ cults.

إذا كنت شاهدت أول المواسم، الذي أُنتج في 2018، سوف تعجب بثانيها. وإذا لم تشاهده، فيمكنك أن تبدأ الآن.

بالتزامن مع العرض الأسبوعي للموسم الثاني، تعرض المنصة أيضًا سلسة محدودة بعنوان the Mind, explained، والتي تتناول كيفية عمل العقل، وشرح طريقة نشأة وتأثير العقارات المُهلوسة، أو أسباب القلق وأنواعه، شارحة بشكل وافٍ الكثير من المعلومات، القلق على سبيل المثال كان منتشرًا في العصر الفيكتوري. وبحسب السلسة المحدودة عرف الإنسان القلق من تضخم المُدن، وكذلك من التقدم العلمي والتكنولوجيا. 

-في إطار مواكبة الأحداث في مصر، أتاحت منصة نتفلِكس فيلم «البر التاني» الذي أنتجه الممثل محمد علي (2016، على إدريس)، و«علي» لم يعد بحاجة لتعريف الآن فهو صاحب «الأسرار».

– يبدأ هذا الويك إند عرض الموسم الخامس من peaky Blinders على نتفلِكس، المسلسل من إنتاج bbc وجهتي إنتاج أخريين. تدور أحداث الـ «بيكي بلايندرز»، المُنتج بـ 2013، في بريطانيا، وتحديدًا برمنجهام عشرينيات القرن الماضي حول قصة عائلة أسست عصابة، وتحولاتها، وصعودها الاجتماعي.

المسلسل يوحي بأنه تاريخي، لكنه دراما شيقة لا تخلو من إثارة أعمال العصابات، والتحولات العنيفة، إذا  شاهدت مواسمه السابقة فبالتأكيد ستحب أن تكمل مشاهدة الموسم دفعة واحدة على منصة العرض الرقمي، وإذا لم يسبق لك دخول عالم الـ «بيكي بلايندرز» فربما يمكنك أن تجرب الآن، خاصة أن هذه الرحلة ستمتد إلى الموسم السابع.   

 

يُعرض في السابعة من مساء الخميس المقبل بمركز الإبداع في الأوبرا الفيلم السوداني «ستموت في العشرين» للمخرج أمجد أبو العلاء. 

الفيلم نال جائزة «أسد المستقبل» من مهرجان فينيسيا، ومن مهرجان الجونة «النجمة الذهبية». يمكنكم قراءة مراجعة حسام هلالي المنشورة بـ «مدى مصر» عن «ستموت في العشرين» هنا.

#سماع

هنا توليفة منتقاة من الأغاني والقصائد، تأثرًا بالـ «جو العام».

أغلب المقترح هنا يعبّر بشكل أو بآخر عن السياسة، هي أعمال تعبّر عن الأجواء، ولا يخاف صُناعها أو كُتّابها من أن يتناول الفن الموضوع السياسي، أو يتماس معه. 

 

#دردشة

ضيفنا في #دردشة هذه المرة هو الكاتب والمترجم هيثم الورداني، مؤلف «كتاب النوم» 2017، و«كيف تختفي» 2013، و«حلم يقظة» (قصص) 2011، و«جماعة الأدب الناقص» (قصص) 2003.

-نتكلم عن الكتابة.. ساعات اللغة ممكن تعاكس مطاوعكش؟ 

آه فعلًا ده بيحصل، وبيحصل أكتر كل ما زادت خبرة الواحد مع الكتابة. بعد فترة من الانشغال بالكتابة بيبان للواحد إن جزء أساسي من بنية اللغة هو عدم مطاوعتها للكتابة والتعبير، كأن فيها دايما حاجة حيّة بتقاوم استخدامها. ومهمة الكتابة مش إنها تروض المقاومة دي أو تكسرها، بالعكس، مهمتها إنها تستلهمها بوصفها منهج عمل. بمعنى إن وظيفة الكتابة تبقى مش التواصل، أو على الأقل مش التواصل بس، وإنما تكون عمل انقطاع، أو عرقلة، أو باختصار مقاومة تيار سائد أو فكرة معينة، من غير حتى ما تتقال أي جملة محتواها فيه مقاومة. مقاومة اللغة لينا ربما تكون هي طريقتها في إنها تفكّرنا إنها مش مجرد كلمات متاحة للواحد علشان يقول بيها حاجة، وظيفة اللغة كمان إن الواحد يقدر من خلالها إنه يعترض مسار حاجة بتتقال. وبالتالي فالصمت مش خارج اللغة أو ضد اللغة، بل هو في صميمها. 

أي لغة مافيهاش صمت هي مش لغة حقيقية. لأن غياب الصمت معناه انتفاء التوسّط. اللغة بتتوسّط أفكارنا علشان هي قادرة إنها تخلق لحظات صمت. وفي اللحظات دي ممكن يحصل لخبطة أو مراجعة أو تعطيل مسار، وغياب اللحظات دي بيعني غياب أي احتكاك أو مقاومة، وبيعني إن ما بقاش فيه توسط. وبالتالي بتنتفي الحاجة أساسًا إلى لغة. حاجة أشبه بالتليباثي، أو أشبه بلغة مباشرة وآلية. اللغة المباشرة دي هي مجرد نظام علامات، لغة برمجة. مجموعات شفرات بيتم إرسالها واستقبالها. في نظام الشفرات ده كل حاجة محددة ومنضبطة سلفًا. أما اللغة الحقيقية ففيها دايمًا تردد داخلي، أو مقاومة داخلية. بل إن إمكانية الكلام، وإمكانية القراية والكتابة، مش راجعة لحاجة غير لوجود المقاومة الداخلية دي في اللغة.

-وأنت بتكتب بتحس إنك مُنتمي لجيل؟

حاسس إن فكرة الأجيال اللي بأسماء العقود دي انتهت مع نهاية القرن العشرين. جيل التسعينات بتاعنا ده ربما كان الجيل الأخير، أو آخر تجسد لفكرة الجيل. وده لو صح، فهو حاجة كويسة، لأن فيه حاجة بيروقراطية جدًا في فكرة الجيل اللي قايمة على تكوين أضابير، كل عشر سنين بنعمل إضبارة بنستّف فيها شوية أسماء. وكويس إن مفهوم الجيل اللي بالشكل ده ما بقاش بيلعب دور كبير في الحياة الأدبية زي ما كان عليه الوضع لحد التسعينات. الجيل مش فكرة تنظيمية ولا ديانة أدبية، ولا حتى مجموعة أفراد. الجيل هو حساسية أدبية، هو أفق لإمكانيات بيتولد في لحظة تاريخية معينة، هو أرضية بتتشكل عليها أسئلة في ظروف معينة، هو مجموعة تناقضات لا بد لها في لحظة إنها تفرز حساسيات وخيارات واتجاهات جديدة ومختلفة عن نفسها. وكل ده ما بيحصلش كل عشر سنين زي ما فكرة الجيل المبنية على العقود متخيلة. الأجيال هي حقب زمنية سياسية ثقافية، ومجموعة من الاختلافات مش بس مجموعة من التوافقات. 

بس الجيل مش هو الشكل الوحيد للجماعة الأدبية أو المجتمع الأدبي. الجماعة الأدبية حاجة أوسع من الجيل. أي اشتغال على الأدب والكتابة لازم بيتم بشكل جماعي، حتى لو الكُتاب ما تقاسموش مسلمات فنية واحدة. ليه بشكل جماعي؟ لأن أي إنتاج أدبي ما بيحصلش في الفراغ، وإنما بيحصل في مجتمع من القراء والكُتّاب. من غير الجماعية دي مش هيكون للكتابة مكان ممكن تحصل فيه، ودي حاجة ما لهاش أدنى صلة بمدى عزلة الكاتب أو مدى تواصله الاجتماعي. أي كتابة أو قراءة بتحصل دايما مع/في/حوالين/ضد/بشكل متجاوز لحشد هائل من النصوص والكتاب السابقين والمعاصرين، وبالتالي فهي بتحصل في جيل معين وعبر الأجيال في نفس الوقت. يعني إيه جماعة أدبية صحيّة؟ يعني إيه جماعة مش قايمة على فكرة الهوية؟ يعني إيه جماعة بتعيد التفكير في أدوات إنتاجها؟ يعني إيه جماعة فردية؟ إزاي يمكن فهم التاريخ خارج منطق الحوليات أو التتابع الكورونولوجي؟ الأسئلة دي ما تخصش الجماعة الأدبية بس، وإنما تخص تصوراتنا حوالين أشكال الحياة المشتركة بشكل عام. 

-يعني إيه كلمة وطن؟

مش حجاوب على السؤال ده:) 

-الكلام في السياسة في الكتابة؟

اللغة هي قوة الجاذبية اللي بتربطنا بالواقع، واللي من غيرها هنتحول إلى ذرات بتسبح في سديم الفراغ. اللغة هي اشتغالنا على الواقع، وهي اللي بتعمل مننا كائنات تاريخية. خناقاتنا اللغوية هي خناقات سياسية جدًا. بافكر مثلًا في خناقات جماعة ابولو أو الديوان أو الفن والحرية أو قصيدة النثر في التسعينات، وعلاقة الخناقات دي باللي كان بيحصل في المجتمع في الوقت ده. دي ما كانتش معارك أدبية بس، دي كانت معارك سياسية واجتماعية. علشان كده ما ظنش إن اللي بيخلي نص سياسي، ونص تاني مش سياسي، هو إن الأولاني فيه ذكر للسياسة، أو لمواقف سياسية، والتاني مفهوش. اللي بيخلي نص سياسي هو قدرته على نقل الاشتباك مع الواقع إلى مستوى أكثر كثافة. السياسة مش حدث أو موقف سياسي بس، وإنما كمان اللغة والشكل اللي بيتم فيهم ممارسة الموقف ده. 

-المستقبل شايفه إزاي؟ والماضي انتهي لما إيه اللي حصل؟

وظيفة الكاتب بالنسبة لي مش إنه يشوف المستقبل، وإنما إنه يسمع الماضي. ده مش معناه إن الكاتب يعيش في الماضي، معناه بس إن الماضي ما انتهاش، وإن فائض كوارث التاريخ وصراعاته ونضالاته لسه قادر إنه يلعب دور مُلهم في فكّ أسرنا من اللحظة الحاضرة. صوت الماضي خافت دايمًا، ومحتاج إنصات وإرهاف للسمع. والكاتب هو ودن أكتر من ما هو عين.

-قال إيه بيسألوني.. نتكلم عن أكتر حاجة بتحبها؟

أنا باحب الشعر جدًا. مفيش سعادة ممكن تعدل سعادتي بقراية قصيدة حلوة. بس الشعر مش قصايد بس، ولا مجاز أو صور بس. الشعر أصلًا مش جنس أدبي من بين الأجناس الأدبية المختلفة. الشعر أقدم بكتير من اختراع الأدب. الواحد ممكن يشتط ويقول إن الأدب بأكمله ما هو إلا جنس من أجناس الشعر، جنب الفلسفة والتاريخ وديناميكا الكم مثلًا. الشعر مش طريقة في التفكير، بل التفكير نفسه شعري. الإنتاج كمان شعري بالتعريف. كلمة poiesis اليونانية بتعني عمل حاجة أو إنتاج حاجة. واللحظة الشعرية هي لحظة مش منفصلة عن الحياة اليومية، هي اللحظة اللي بتتكثف فيها الحياة اليومية، وبتنفتح فيها على إمكانية تغييرها، أي إنها ما تفضلش حياة يومية. الشعر زي الصمت اللي في اللغة، هو إمكانية عرقلة أو اعتراض مسار القصص الكتير اللي إحنا عالقانين فيها.

بس الشعر بقى عزيز. للأسف الشعر بينسحب تدريجيًا من عالمنا النهاردة. الشعر بيرحل عن عالم اليوم، ومع رحيله السما بتنطبق تدريجيًا على الأرض، لأنه كان، على هشاشته، القوة اللي بتمنع العالم من الانطباق على نفسه، وبتسمح بنشوء حيز تتجدد الحياة فيه. ومع انسحاب الشعر بتتقفل اللحظة الحاضرة على نفسها. مع انسحاب الشعر بينحلّ العالم لمجموعة من العلاقات السببية. مع أفول الشعر بيتحول الإنتاج إلى مجرد تنفيذ تتابع من الخطوات المنطقية. مع أفول الشعر بنبطل نتكلم مع العالم، وبنقتصر على الكلام مع نفسنا.

-خايف أقول اللي في قلبي.. نتكلم عن الخوف

في لحظات الخطر، زي اللحظة الحالية، الواحد بيخاف من حاجات كتيرة. بيخاف من الأذى المجاني، من الفُجر في الخصومة، من نفسه. بيخاف على نفسه وعلى صحابه ومعارفه اللي محبوسين أو مختفين قسريا دلوقتي. الحياة العارية هي شكل الحياة الوحيد المسموح بيه في ظل الفاشية، سواء كانت فاشية سياسية أو فكرية. ازاي الواحد يقاوم إنه يُختزل لحياة عارية؟ ازاي الواحد يقدر يقاوم الفاشية؟ الخوف بيشلّ الواحد. بنيامين بيشوف إن في لحظات الخطر دي بتبرق فجأة ذكرى ماضية، وإن وظيفة المؤرخ المادي إنه يقدم طريقة للإمساك بالذكرى دي وتملُّكها معرفيًا. بمعنى إن وظيفته هي انه يساعدنا في اننا ننتزع لحظة ماضية تحت وقع الخطر الحالي، ونحررها على أمل إن ده يساعدنا في إننا نحرر نفسنا. النهاردة احنا في أمسّ الحاجة لمثل هذا المؤرخ.

-الدنيا مبتتغيرش لكن إحنا اللي بينتغيّر؟

الدنيا بتتغير، والمزيكا بتتغير، لكن إحنا بنكبر مش بنتغيّر بس.

-ليه يا زمن مسبتناش أبرياء.. نختم دردشتنا بالكلام عن الزمن

الواحد لازم يشكر الزمن على أنه ما بيسبناش أبريا. في الحقيقة دي وظيفته. الأبرياء مكانهم الفردوس، وهناك مفيش زمن، هناك كل حاجة منقوعة في ميّة الأبدية. كون إن إحنا كائنات تاريخية ده معناه إن أيدينا اتلطخت إلى الأبد بالأمور الدنيوية، تاريخنا هو تاريخ محاولاتنا الفاشلة، تاريخ أخطائنا وتجاربنا. مفيش حاجة أكثر مللًا من إن إحنا نفضل أبريا. الكائنات البريئة هي كائنات مثالية، ما تعرفش حاجة عن الرغبة ولا عن السياسة. الكائنات الملطخة بالتاريخ هي كائنات مادية. وآخر نوع من البراءة باحس إن الزمن اخده مشكورًا هو البراءة الثورية.

 

#سلام

وختامًا نتركم مع «شبكة الحدود»، وهي منصة إبداع عربي تقدّم المحتوى الساخر أُسست قبل ست سنوات كمنصة رقمية، وبدأت في مايو الماضي تقديم إصدار ورقي، وسلام.

اعلان