مشاعر غريبة تلي خطف دولة كابوسية للأحباب

في صباح يوم الأحد الماضي، اختُطف صديقنا؛ شبح الربيع اللي فات. على مدى الشهور الستة الماضية، كان علاء يقف كل صباح في الساعة 6:01 صباحًا خارج قسم شرطة الدقي، حيث يقضي 12 ساعة كل ليلة. هذه هي شروط فترة المراقبة لمدة 60 شهرًا. يومها، كان قد أتمّ بنجاح عشرة في المئة من تلك الفترة. علاء، التقني، الناشط السياسي، الأب، والكاتب، قضى في السجن خمس سنوات. وبعد أربع سنوات أخرى، سيكون قد قضى العقد الثالث من عمره بالكامل سجينًا، تنفيذًا للحكم الصادر ضده، سجنًا كاملًا أو جزئيًا. وبحلول عام 2024، ستكون قد مرّت عشر سنوات منذ إدانته بخرق قانون التظاهر. 

اقتُيد علاء إلى نيابة أمن الدولة العُليا. واحتُجز كذلك المحامي الحقوقي محمد الباقر عندما توجه إلى هناك لحضور التحقيق مع علاء. وجرى احتجازهما على ذمة القضية 1365 لسنة 2019. بعد ساعات من الانتظار، انتهت جلسة تحقيق سريعة باتهامهما بأربع تُهم، لم يُؤكد أي منها رسميًا. وعلى الرغم من محاولات تغطية القضية على نحو سريع ودقيق، فإن ما نعرفه هو ما قيل لنا وأُعيد على مسامعنا. نعتقد أن الاتهامات المُلفقة وشائعة الاستخدام من جانب السلطات هي: «الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون»، والحصول على تمويل أجنبي عبر الجماعة المذكورة، و«نشر أخبار كاذبة»، وذلك عن طريق «إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي». صدر قرار من النيابة بحبس علاء ومحمد احتياطيًا لمدة 15 يومًا. عقب التحقيق، جرى ترحيلهما إلى مكان لم نعلمه إلا بعد أيام وهو سجن طرة شديد الحراسة. 

منذ عدة أيام، كان علاء يحدثنا عن ذهابه مع ابنه إلى حديقة الأطفال بالنادي وعن تسلق الأشجار. كان ابنه خالد يجري نحو الشجرة، ويتسلق جذعها ويتحسس لحائها، قبل أن يتعلق ولا يتمكن من النزول. سأل علاء: «يشبه مَن في تصرفاته؟». السؤال ليس بحاجة لإجابة إلى حد كبير، وله علاقة بالقدرة على الخيال. جزء من الإجابة وراثي، ربما. نحن نطارد الأسباب، نثور، ونقع في الحب. دعونا نقول إن كل ما نفعل هو مغامرات في الطبيعة، طبيعتنا نحن.

السؤال الأهم الآن هو ماذا سيحدث عندما يتسلق شخص ما شجرة ولا يستطيع النزول؟ يبدو أن كل منّا عالق في شجرة. النزول عن قمم الأشجار مهمة لا تنتهي، على المستويين البدني والذهني -باستثناء الأبطال الخارقين، ربما.

علاء من مُحبي الكوميكس. (نحن لا نشاركه هذا الاهتمام). ولكن، في لحظات مثل الاعتقالات التعسفية، خاصة عندما تتكرر، تلهمنا الكوميكس بشيء من التوهم كوسيلة للخيال السياسي. ببساطة، عندما يُلقى القبض على شخص تحبه أو يُحتجز في الظروف التي نعيشها، حيث أصبحت القدرة على الفعل مُستحيلة، قد يشعر المرء أن جسده ينشطر وتتطاير الأوهام من حوله. شعور الأبطال الخارقين. تنمو الأجنحة -نصبح كائنات أسطورية، نشعر أننا نتواجد في أماكن عدة في اللحظة ذاتها، يصبح الانتقال اللحظي حقيقة، ونتواجد، على الأقل، في مكانين في الوقت نفسه. 

على مدى سنوات، كنا نخطط لبناء مدن فوق قمم الأشجار، كنوع من المجتمعات: نحن نعيش جميعًا في بيوت الأشجار الخاصة بنا، معًا.

سأل فيتجنشتاين ذات مرة: «ماذا لو حدث أن شيئًا لم يُسمع به بالفعل حدث؟». سؤال ميتافيزيقي، يهدف إلى فحص ما يمكن أن نقول -أو نكتب- أو كيف سيصبح رد فعلنا. (عندما يحدث ما لم يُسمع به). باعتباره عالِم منطق وفيلسوف في الرياضيات، تخيّل فيتجنشتاين كيف يمكن أن تتحوّل المنازل إلى بخار، أو أن ترعى الأبقار رأسًا على عقب، وتضحك وتتحدث بطريقة غير مفهومة. في كتابه «عن اليقين» (نُشر بعد وفاته عام 1969)، تساءل أيضًا عما سيحدث إذا تحوّلت الأشجار إلى رجال، والرجال إلى أشجار. (في الأساطير غالبًا ما تتحوّل النساء إلى أشجار). وفي مدينة يتحوّل فيها الأشخاص إلى أشجار، ربما بسبب التسلق وعدم القدرة على النزول، تتجسد محنتنا في شكل هرم بشري بهلواني، وليس مجرد مسألة وجود شخص عالق في شجرة الأشجار. 

نحن عالقون معًا، نحاول أن نكون أشجارًا، كنوع من الأبراج الغريبة، والمتناثرة. ما هي الأشجار وكم عددها في القاهرة؟ هل نحن أشجار؟ وهل أصابنا التحجّر ونحن عالقون في محاولة النزول عن الأشجار وعن أجساد بعضنا البعض؟ هذه صيغة مختلفة لفكرة الحياة داخل شجرة. 

هذا ليس أمرًا طبيعيًا. ليس من الطبيعي أن نقبل الوضع الراهن.

إنه نسخة مُربكة من ما لم يُسمع به بالفعل تحدث في الواقع. يقضي علاء فترة مراقبة بعد خروجه من السجن، ويُعاد حبسه مرة أخرى. عودٌ أبدي لكابوس يتضمن إلقاء القبض على القانون نفسه: يُحبس محمد، المحامي الحقوقي ومدير مركز العدالة للحقوق والحريات، تأسس عام 2014 -العام نفسه الذي دخل فيه علاء السجن لأول مرة- أثناء الدفاع عن علاء في المحكمة.

ليس هناك من شك في أن هذه اللحظة أصابت الجميع، ومن بينهم نحن، بحالة من التحجّر، سواء كنا نفكر في أنفسنا باعتبارنا كتلًا متشابكة من الأشجار/ البشر، أو ربما ببساطة أكثر، مثل أولئك الذين تسلقوا الأشجار وعلِقوا وسط فروع كثيفة، وتجمدوا من الخوف. في حين أن الخيال الأكثر منطقية في هذا السيناريو هو الصياح ومحاولة البحث عن يد لتساعدنا في النزول أو العثور على شخص يلتقطنا عندما نسقط. هناك أيضًا حل آخر: أن نبني بيوت أشجار ونبقى بداخلها، أن نعتنق فكرة التحوّل إلى أشجار. 

نحب نفتح باب المناقصات للأطفال الموهوبيين واللي عندهم خبرة في بناء التريهاوس (منازل الأشجار)، ومراقبي الطيور خاصة لو هم مهندسين هواة، لحد دلوقتي، وإلى أن تتغيّر الأوضاع.

اعلان
 
 
سارة رفقي ولينا عطاالله