مصر وإسرائيل.. علاقات دبلوماسية وأمنية جيدة ولكن
 
 

في اﻷسابيع الماضية، واجه كل من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء اﻹسرائيلي بنيامين نتنياهو أزمة سياسية داخلية كبيرة.

على الجانب المصري، واجه السيسي واحدة من أشد اﻷزمات السياسية خلال سنوات حكمه، بعد سلسلة فيديوهات نشرها الفنان والمقاول محمد علي اتهمه فيه بالفساد وإهدار المال العام، والتي تسببت في اندلاع مظاهرات لم تشهد مصر مثلها منذ سنوات.

على الجانب اﻹسرائيلي، أوشك نتنياهو على فقدان منصبه بعد الانتخابات الجديدة التي خاضها قبل أسبوعين، والتي كادت تحرمه نتائجها من تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة. وجاءت هذه اﻷزمة إلى جانب أزمة أخرى يواجهها نتنياهو وتتمثل في اتهامات بالفساد.

وبسبب هذا الوضع، ألغى نتنياهو سفره إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالي أُلغي الاجتماع السنوي المعتاد بينه وبين السيسي، والذي كان مرتبًا حال توجه نتنياهو إلى نيويورك، بحسب مصدر حكومي مصري مطلع.

لكن هذا لم يمنع الجانب اﻹسرائيلي من توفير دعم دبلوماسي للنظام المصري خلال أزمته اﻷخيرة. فقد اتفق مصدران دبلوماسيان غربيان يعملان في القاهرة على أن الجانب اﻹسرائيلي قاوم كل محاولات إدانة النظام المصري أو الضغط عليه في خضم هذه اﻷزمة. وأضاف المصدران أن الدبلوماسيين اﻹسرائيليين حرصوا على التأكيد على ضرورة دعم السيسي، وأهمية الدور الذي يلعبه في المنطقة. وبحسب أحدهما، فإن الدعم الذي قدمته إسرائيل لمصر خلال اﻷسابيع الماضية تجاوز ما قدمه حتى أهم حلفاء مصر وعلى رأسهم السعودية واﻹمارات.

يقول دبلوماسي غربي، إن الدبلوماسيين الإسرائيليين معنيون دومًا بـ «الدفاع عن مصر في وجه أي انتقادات تثار في العواصم الكبرى ضد مصر، سواء ما يتعلق بوضعية حقوق اﻹنسان أو اﻷوضاع الاقتصادية»، مضيفًا أن «هناك مواقف ثابتة يكررها أي دبلوماسي إسرائيلي في هذه العواصم الكبرى وهي أن دعم مصر التي تواجه حربًا عاتية ضد اﻹرهاب وتسعى لتطوير اقتصادها، فيما تقف موقفًا صلبًا في مواجهة الهجرة غير الرسمية، ما يعد أمرًا هامًا للغاية ويخدم منطقة المتوسط بأكملها».

ليس هذا مفاجئًا. دخلت العلاقات المصرية اﻹسرائيلية مرحلة جديدة في عهد كل من السيسي ونتنياهو، سواء على المستوى الاقتصادي، وخاصة في مجال الغاز الطبيعي، أو التنسيق عال المستوى في مكافحة اﻹرهاب خصوصًا في سيناء، بحسب دبلوماسيين إقليميين وغربيين يتنقلون بين القاهرة وتل أبيب، وتابعوا العلاقة الثنائية بين البلدين.

ينقل دبلوماسيون غربيون مختلفون عن نظراء إسرائيلين قولهم إن أحدًا لم يحدث نقلة نوعية في العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ السادات كما فعل السيسي تحديدًا بسبب انتهاج البراجماتية البحتة.

ويقول دبلوماسي  مصري إن التحسن الكبير الذي تشهده العلاقة يظهر في بعض الجوانب، كان مقابل تراجع في جوانب أخرى مقارنة بما كان مستقرًا طوال 40 عامًا منذ توقيع اتفاقية السلام. ويوضح أنه في مقابل تحسن العلاقات الأمنية والاقتصادية، تراجعت مجالات الزيارات الرسمية المتبادلة والتمسك بإدارة العلاقات من المستويات العليا فقط دون أن تصبح علاقة طبيعية. 

 سلام كامب ديفيد و3 رؤساء

يقول دبلوماسي غربي إن إسرائيل تعتبر أن اتفاقية السلام التي ربطتها مع مصر منذ العام 1979 هي واحدة من أهم أساسيات الموقف الإسرائيلي إزاء المنطقة. تقدير إسرائيل لحكم مبارك كان مرتبطًا إلى حد كبير بأن مبارك كان متمسكًا باتفاقية السلام ومنفتحًا، وإن كان على تحسب كبير، وهذا جزء من شخصية مبارك أصلًا لتطوير العلاقات بتأني وتدرج.

ويرى دبلوماسي شارك بحكم عمله في لقاءات لم تكن معلنة وقت وقوعها قبل ثلاث سنوات بين نتنياهو والسيسي أن مبارك نجح خلال أعوام حكمه الثلاثين في إضفاء مظهر طبيعي تمامًا على العلاقات بين مصر وإسرائيل. استقبالات المسؤولين الإسرائيلين والاتصالات معهم كانت معلنة في أغلب الأحوال شأنها شأن كافة الاتصالات مع المسؤولين من كل دول العالم. كما لعبت مصر دورًا مهمًا في تسهيل التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، وضمان الحفاظ على استقرار اﻷوضاع في اﻷراضي الفلسطينية سواء في رام الله أو غزة في كل أوقات التوتر.

كان مبارك يستقبل نتنياهو عندما كان رئيسًا للوزراء في التسعينات، وسابقيه ولاحقيه، وكان يعقد معهم مؤتمرات صحفية ولا يتردد في تمرير ملاحظات ناقدة في صياغات فكاهية، خاصة عندما كان الصحفيون الإسرائيليون يطرحون ما يصفونه بتساهل نظام مبارك مع اﻷنفاق بين غزة الحدودية مع مصر والأراضي المصرية.

بعد الثورة في يناير 2011، شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية ما يمكن وصفه بأصعب أيامها حيث اقتُحمت السفارة الإسرائيلية في الجيزة، ما دفع بالسلطات المصرية للتدخل لإخراج سريع وآمن للموظفين داخل مبنى السفارة. وفي الوقت نفسه، أُجبر المسؤولون عن الحكم في القاهرة في شتاء وربيع 2011 لإحداث شبه تجميد للعلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك ما يخص تصدير الغاز، الذي تنظر إليه إسرائيل على أنه «رابط عضوي»  للعلاقات بين مصر وإسرائيل يتجاوز أي نفع اقتصادي لإسرائيل دون إنكار النفع الاقتصادي. 

وبحسب دبلوماسي غربي في القاهرة، من السهل تفهم المخاوف التي دارت بذهن قادة إسرائيل وهم يشاهدون شبابًا مصريًا يتسلق بناءً لاقتحام مقر السفارة الإسرائيلية في الجيزة في 9 سبتمبر 2011، والذي بقي مستقرًا وواضحًا في ذلك  المكان لنحو ثلاثة عقود طيلة سنوات حكم حسني مبارك.

بعد تولي محمد مرسي، أول رئيس مدنى مُنتخب بعد ثورة يناير، رئاسة الجمهورية في 2012، أرسل تطمينات إلى إسرائيل عبر وسطاء أمريكيين بأنه لا يعتزم الرجوع عن اتفاقية السلام رغم المواقف التقليدية والتاريخية لجماعة الإخوان المسلمين التي جاء مرسي من صفوفها، خاصة في ظل حديث بعض نواب البرلمان المصري عن الحاجة لمراجعة نصوص اتفاقية السلام.

يقول الدبلوماسي المصري، الذي تابع هذه العلاقة خلال مسيرة عمله الطويلة العلاقات المصرية الإسرائيلية من مواقع عدة بعضها في ديوان الخارجية وبعضها في سفارات حيوية، إن كل من حكم مصر بما في ذلك محمد مرسي منذ توقيع اتفاقية السلام كان حريصًا على أن يؤكد للأمريكيين والإسرائيليين التزامه باتفاقية السلام. يضيف أن مرسي بعث برسالة واضحة في هذا الشأن للأمريكيين عبر عصام الحداد، مستشاره للشؤون الخارجية، وللإسرائيليين عبر عدة قنوات أهمها اﻷمنية، التي استمرت منذ وصول مبارك للحكم في التزامها باللقاء الدوري مع الجانب الإسرائيلي كل ستة أشهر.

لكن الدبلوماسي الغربي أشار إلى أنه من السهل أيضًا تفهم تشكك إسرائيل في التطمينات التي أرسلها محمد مرسي، نظرًا لاستمرار الضغط الشعبي لتعليق العلاقات مع إسرائيل.

بعد اﻹطاحة بمرسي وتولي السيسي حكم مصر، بدأت مرحلة جديدة في علاقة مصر وإسرائيل في التشكل. يقول الدبلوماسي المصري إن هناك فارقًا مهمًا بين مبارك والسيسي في قياس العلاقات مع إسرائيل يرتبط باﻷساس بكيفية وصول الرجلين للحكم وتوقيت ذلك. مبارك وصل للحكم عقب اغتيال أنور السادات على خلفية توقيعه لاتفاقية سلام مع إسرائيل. «السؤال اﻷهم الذي كنا نتلقاه في الخارجية في حينه هل مصر ستبقي على اتفاقية السلام أم سترتد عليها؟». ولكن حسب الدبلوماسي المصري «منذ اﻷيام اﻷولى لمبارك في الرئاسة التي أتى لها من موقع نائب رئيس الجمهورية، الذي وصله تقديرًا لدوره في قيادة القوات الجوية في حرب أكتوبر، حرص مبارك أن يؤكد أن مصر ملتزمة بتعهداتها الدولية».

لكن بالنسبة للسيسي، يقول الدبلوماسي المصري، اختلف السياق كثيرًا. وصل السيسي للحكم في أعقاب مشهد سياسي معقد شهد ما وصفه الغرب بأنه انقلابًا على رئيس منتخب ديمقراطي، وكادت عواصم عالمية من بينها واشنطن أن تتخذ موقفًا سلبيًا من التغييرات التي شهدتها مصر، رغم أن هذه التغييرات أتت على خلفية تظاهرات حاشدة في 30 يونيو 2013 لولا تدخل حاسم وداعم من عدد من العواصم اﻹقليمية هي بالترتيب الرياض وأبوظبي وتل أبيب.

وبالتالي، كما يخلص الدبلوماسي نفسه، لم يكن غريبًا أبدًا أن تحتفي إسرائيل بالسيسي وأن تعمل دومًا على دعمه، وهذا ما نشهده في العواصم الغربية كلها.

أرشيفية

نقلة نوعية في العلاقات

«شجاع ومتبصر وعلى قدرة عالية على القيادة»، هكذا وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو الرئيس السيسي خلال مشاركة اﻷول في حفل استقبال أقامه خالد عزمي، سفير مصر لدى تل أبيب، بمناسبة العيد الوطني المصري في 10 يوليو الماضي، والذي شارك فيه الرئيس الإسرائيلي روُُُُفين ريفلين، الذي أكد بدوره على رغبة بلاده في تطوير علاقات السلام مع مصر.

لم تكن هذه هي المرة اﻷولى التي يكيل فيها نتنياهو المديح للسيسي. نتنياهو، الذي تقول مصادر رسمية إنه على تواصل هاتفي عالي التردد مع الرئيس المصري، كثيرًا ما أشاد بما وصفه «حسم السيسي في مواجهة اﻹرهاب»  و«تقديم قراءات جديدة للإسلام».

يقول دبلوماسي مصري شارك بحكم عمله في لقاءات لم تكن معلنة لدى وقوعها قبل ثلاث سنوات بين نتنياهو والسيسي، إن ما يجمع الرجلين «إدراك كل منهما أن لديهما مصلحة مباشرة في العمل معًا بكل مباشرة، وأيضًا إدراكهما أن العلاقات الثنائية بين البلدين هي ما يهم اﻵن، وما يجب تعزيزه بالنظر إلى التعقيدات المحيطة بالملف الفلسطيني، وبالطبع هناك كيمياء ما شاهدناها في أول لقاء لهما».

ووفقًا للمصدر الأخير، وصلت العلاقة بين نتنياهو والسيسي إلى درجة متقاربة تمامًا، إلى الحد الذي لا يستطيع سفراء البلدين ملاحقته فالتواصل بين الرجلين يحدث باستمرار عبر الهاتف، إلى جانب لقائهما مرتين على الأقل كل عام.

أحد أهم الملفات التي شهدت تحسنًا كبيرًا بين مصر وإسرائيل خلال اﻷعوام الماضية كان التعاون في سيناء، والذي وصل إلى درجة تنفيذ طائرات ومروحيات إسرائيلية غارات على المسلحين في سيناء طوال أعوام بالتنسيق مع مصر، طبقًا لما كشفته صحيفة «نيويورك تايمز» في فبراير 2018.

بحسب دبلوماسيين مصريين وأجانب، فإن المستوي الرفيع للتواصل بين نتنياهو والسيسي كان مهمًا في إنجاز اتفاقات تتعلق بزيادة التواجد العسكري المصري في سيناء تجاوزًا لمحددات فرضتها اتفاقية السلام، وأيضا زيادة التعاون في سيناء بين الجانبين بصورة تتجاوز العرف، الذي يقضي أن يكون التعاون استخباراتيًا وأمنيًا وليس عملياتيًا.

يقول المسؤول الحكومي المصري إن اﻷمر ربما يبدو غير مريحًا للرأي العام، وخاصة عندما يتابع تقارير حول عمليات إسرائيلية عسكرية ضد أهداف إرهابية محتملة عبر الحدود المشتركة لإسرائيل ومصر. لكن الحقيقة تبقى أن هذا التعاون يخدم بصورة مباشرة اﻷهداف المصرية في مواجهة الجماعات المسلحة التي تناوئ الدولة المصرية عبر سيناء.

ويضيف  المسؤول الحكومي أن اﻷمور كلها تمر عبر الخبراء المعنيين والذين يعقدون اجتماعات دورية أصبحت تجري كل ثلاثة أشهر على الجانبين بالتبادل وليس ستة -كما كان الحال قبل وصول السيسي للحكم-، إلى جانب الاجتماعات التي تشمل تنسيقًا أوسع شارك في بعض منها ممثلين عن اﻷردن إلى جانب ممثلين عن الولايات المتحدة.

وبحسب دبلوماسي تشارك بلاده في قوات حفظ السلام على الحدود بين مصر وإسرائيل، وهي القوات المنشأة في أعقاب توقيع اتفاقية السلام بين البلدين، فإن التنسيق اﻷمني المصري الإسرائيلي يعتبر تنسيقًا ممتازًا بصورة استثنائية ربما لم يعد معه من المجدي اﻹبقاء على قوات حفظ السلام التي لم يعد لها دورًا كبيرًا في ضوء التقارب الكبير للعلاقات اﻷمنية المصرية الإسرائيلية.

وفيما يخص سيناء، تقول المصادر الدبلوماسية، وتتفق معها مصادر مصرية مطلعة، إن هناك العديد من التفاهمات التي أُقرت بين الجانبين فيما يخص الوضع في سيناء، سواء ما يتعلق بمواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة أو ما يتعلق بمستقبل التعاون الاقتصادي المحتمل بين مصر والفلسطينيين في غزة في حال تمرير أفكار اقتصادية اقترحتها اﻹدارة اﻷمريكية وأخرى تقترحها عواصم أوروبية، وذلك لتقليل مستوى الصعوبات التي يعاني منها الفلسطينيون في قطاع غزة.

كان مبارك قد رفض طوال سنوات حكمه بشكل قاطع أن يقوم الجيش المصري بعمليات حاسمة ﻹغلاق اﻷنفاق كافة، التي تربط بين مصر وغزة، والتي كانت تستخدم في التهريب. وكثيرًا ما كان يصرح في المؤتمرات الصحفية التالية لاستقبال كبار المسؤولين الاسرائيليين في شرم الشيخ بأن إنهاء التهريب عبر اﻷنفاق يتطلب أولًا رفع الحصار المفروض على قطاع غزة.

ولم يتجه مبارك أبدًا لغلق اﻷنفاق بشكل كامل حتى بعد اقتحام الفلسطينيين من سكان قطاع غزة للحدود مع مصر في فورة غضب في شتاء 2009 ﻷنه كان يقول، بحسب مسؤولين رسميين كانوا معنيين في ذلك الوقت، إن اﻹفراط في الضغط على غزة سيخلق حالة عداء فلسطيني طويلة اﻷمد تجاه مصر، كما أنه كان يرفض أن يتماهى دور الجيش المصري مع تفاصيل المتطلبات اﻷمنية اﻹسرائيلية.

تغيير هذا النهج جاء فقط مع وصول السيسي للحكم، حيث أقدم منذ وصوله الحكم، بحسب مسؤولين مطلعين بينهم أمريكيين، علي تنفيذ خطة محكمة ﻹغلاق كل اﻷنفاق، التي تربط مصر بغزة. كما حصلت مصر أيضًا خلال اﻷعوام الثلاثة الماضية على أجهزة مجسات للكشف عن اﻷنفاق.

تعاون جديد  في شرق المتوسط

وإلى جانب سيناء، يشهد التعاون الاقتصادي المصري الإسرائيلي تقدمًا كبيرًا بدعم مباشر من السلطة التنفيذية في مستواها اﻷعلى. أحد أبرز المجالات التي تشهد هذا التوسع هو مجال الغاز، والذي يتحرك التعاون فيه على مسارين أولهما قرب البدء في تصدير غاز إسرائيلي لمصر ﻹسالته واستخدامه أو بيعه، وثانيهما تعاون يجمع مصر وإسرائيل وقبرص واليونان في نطاق شرق المتوسط.

خريطة شركة ديليك الإسرائيلية تظهر مسار الغاز من حقلي تمار وليفايثان في إسرائيل إلى عسقلان الإسرائيلية ومنها إلى العريش المصرية

استضافت القاهرة في 25 يوليو الماضي الاجتماع الثاني لتجمع تعاون غاز شرق المتوسط، بمشاركة وزراء الطاقة من مصر وإسرائيل واﻷردن وقبرص واليونان وإيطاليا والسلطة الفلسطينية، مع مشاركة أمريكية هذه المرة، إلى جانب الاتحاد اﻷوروبي وفرنسا والبنك الدولي.

تأسس التجمع في يناير الماضي، ويمثل ركيزة لطموح مصري تحدث عنه السيسي أكثر من مرة في مناسبات عامة وكرره لعدد من المستثمرين في أن تصبح القاهرة محطة إقليمية هامة لتجارة الطاقة، خاصة الغاز المسال، حيث تمتلك مصر محطات إسالة ذات كفاءة عالية، والتي يفترض أن تبدأ استخدامها بداية من نهاية العام الجاري في إسالة غاز ينتظر أن تبدأ استيراده من إسرائيل عبر خط أنابيب كان يستخدم لعشر سنوات متتالية سابقة لثورة يناير 2011 في تصدير الغاز المصري لإسرائيل، على أن تقوم مصر بتصدير هذا الغاز الإسرائيلي المستورد، كله أو جزء منه بحسب الحاجة المصرية، بحسب مصدر اقتصادي مصري.

تتفق المصادر المصرية الحكومية وغير الحكومية على أهمية هذا المشروع بالنسبة لمصر، كما تتفق المصادر الدبلوماسية الأجنبية في القاهرة أن هذا المشروع يمنح مصر فرصًا استثمارية في وقت تتراجع فيه الاستثمارات غير النفطية اﻷجنبية المباشرة في مصر.

عقب اجتماع وزراء غاز شرق المتوسط، استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الوزراء المشاركين، حيث أكد خلال اللقاء على حرص مصر على تنمية هذا التعاون الإقليمي. وفي ختام اللقاء، التُقطت صورة جماعية للرئيس مع الوزراء المشاركين وحظي فيها وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتس بموضع متميز في الصورة، بناءً على ترتيبات البروتوكول المصري. خرج الوزير الإسرائيلي في أعقاب ذلك مع نظيره المصري طارق الملا، واتجها إلى هضبة الهرم في جولة سياحية، يقول بعض من وقف على جانب منها إنها كانت «ممتلئة بالود والضحكات».

التعاون الاقتصادي المصري الإسرائيلي شمل أيضًا خلال السنوات الخمس الماضية توسعًا كان مقررًا، بحسب مصدر اقتصادي مستقل، في مساحات المناطق الصناعية المؤهلة المعروفة باسم الكويز. زاد عدد المصانع التي تشارك في هذه الاتفاقية التي تم إقرارها في النصف الثاني من التسعينات والتي تسمح لمصدر بدخول حر إلى السوق اﻷمريكية لتصدير منسوجات وملابس يتم تصنيعها بصورة مشتركة بين مصر وإسرائيل، وهو ما يعني حاليًا أن يكون 10.5% من المنتج على اﻷقل من إنتاج المصانع الإسرائيلية.

ارتفعت صادرات الكويز بنسبة 14.4% خلال أول سبعة أشهر من العام الجاري لتسجل 587 مليون دولار مقابل 513 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي. وتوقع رئيس وحدة الكويز بوزارة الصناعة، أشرف الربيعي، ارتفاع قيمة الصادرات بنهاية العام الجاري إلى نحو مليار دولار، وهي قيمة لم تصل إليها من قبل إلا مرة واحدة فقط عام 2011، حسبما نقلت صحيفة «البورصة». كما توقع مصدر معني بملف المناطق الصناعية المؤهلة أن تشهد السنوات القادمة توسعًا في مجالات التصدير للأسواق الأمريكية لتشمل الأطعمة المصنعة إلى جانب المنسوجات والملابس الجاهزة.

علاقة دبلوماسية جيدة ولكن..

 تلعب البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في واشنطن دورًا هامًا ولا يمكن الاستهانة به مع أعضاء الكونجرس الأمريكي في مواجهة «حملات تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان وأوضاع العدالة الاجتماعية في مصر»، بحسب المصدر الحكومي، الذي يضيف أن ذلك يتم بالتنسيق مع عدد من السفارات الداعمة لمصر في واشنطن، وأبرزها سفارة الإمارات العربية المتحدة، وبالطبع مع السفارة المصرية، التي تطلب أحيانًا من السفارة الإسرائيلية استخدام علاقاتها مع جماعات الضغط في العاصمة الأمريكية لـ «شرح بعض الامور لبعض أعضاء الكونجرس»، مشيرًا إلى دور إسرائيلي في دعم استعادة مصر لكامل معونتها العسكرية والاقتصادية من الولايات المتحدة.

لكن، وفي مقابل الدعم السياسي في الغرب، وبحسب مصدر حكومي ثالث، لم تستجب إسرائيل لطلبات محددة تقدمت بها القاهرة «مرارًا وعلى أعلى مستوى» لاستغلال علاقاتها المتميزة مع إثيوبيا بغية إقناعها بالموافقة على ملء خزان سد النهضة في سبع سنوات وليس في ثلاث سنوات كما تعتزم. غير أن إسرائيل لم تقم بما يمكن أن تحتسبه القاهرة تدخلًا جادًا بل «عوضًا عن ذلك، قامت إسرائيل ببيع إثيوبيا صفقة أسلحة مخصصة تحديدًا للإحاطة بالسد -نظام صواريخ دفاع جوي- بما يحول دون قيام مصر بأي عمل عدائي تجاه السد». ويضيف المصدر أنه «ليس واردًا في الحسابات نهائيًا أن تتحرك مصر ضد سد النهضة [عسكريًا] ولكن المهم هو أن إسرائيل التي وعدت بالوساطة اتخذت من اﻷزمة فرصة لبيع اﻷسلحة».

أيضا رغم التقارب الدبلوماسي المصري الإسرائيلي في الغرب،  إلا أن الزيارات الرسمية بين البلدين تأثرت كثيرًا خلال اﻷعوام اﻷخيرة. يشير المصدر الحكومي المصري اﻷول، إلى أنه باستثناء زيارة وزير الطاقة اﻹسرائيلي، فإن القاهرة لم تستقبل أي زيارة إسرائيلية رفيعة منذ ثورة يناير.

كان نتنياهو قد تلقى وعدًا من السيسي باستقباله بشكل علني في شرم الشيخ أثناء مكالمة تهنئة نتنياهو للسيسي بإعادة انتخابه العام الماضي. لكن المصدر اكتفى بالقول إن «زيارة نتنياهو ربما تأتي في وقت لاحق العام الجاري إذا ما كان هناك تحرك لعودة التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما تدعمه مصر بشدة، أو في إطار التعاون الثنائي بين البلدين»، وهو الموقف الذي قد يتغير اﻵن بسبب التعقيدات السياسية التي يواجهها كلا الرجلين.

ولا يخفي دبلوماسيون سابقون ومسؤولون حاليون من المصريين تقديرهم أن القيادة السياسية ربما ينبغي أن تكون أكثر تحسبًا في العلاقات مع إسرائيل وألا تذهب بعيدًا في تبني مبادرات خلافية مثل صفقة القرن. بحسب تقديرهم، فإنه لا ينبغي على مصر أن تقف في جانب مخالف لجانب السلطة الفلسطينية وحماس واﻷردن.

يمكن تلمس هذا الجمود كذلك في ضعف البعثة الدبلوماسية اﻹسرائيلية منذ محاولة اقتحام السفارة في 2011. بعد الحادثة، انتقل مقر السفارة من الجيزة، وهو المقر التي استقرت فيه لعقود متتالية، قبل أن تنتقل إلى إحدى فيلات المعادي المغلق كل الطرق المؤدية إليها، وحيث يتعرض حتى زوار قاطني البيوت المجاورة والعاملين في منازلها لتفتيش مدقق.

في شارع هادئ ومحاط أمنيًا بالمعادي، وتحت تواجد أمني مصري إسرائيلي مكثف، يعيش ويعمل السفير مع اثنين من الدبلوماسيين -قد يتم تخفيضهم في القريب العاجل إلى دبلوماسي واحد مساعد للسفير، حتى مع توقع وصول محتمل للدبلوماسية المتنفذة أميرة أورون إلى القاهرة خريف العام الجاري لتتولى رئاسة البعثة الدبلوماسية لبلادها- وأعضاء الفريق اﻷمني الذي زاد عدده بصورة واضحة خلال العامين الماضيين– بحسب المسؤول المصري الرسمي.

يقول المسؤول إن قرار إرسال أورون، التي كانت تدير الملف المصري في الخارجية الإسرائيلية وتجمعها علاقات وطيدة بعدد من كبار المستثمرين المصريين الذين يتعاونون مع إسرائيل، ليس أمرًا نهائيًا من الجانب الإسرائيلي. يضيف أنه في كل الأحوال، فإن اسم السفير الإسرائيلي القادم سيكون محل اتفاق بين نتنياهو والسيسي. أما قدرة هذا السفير القادم على إحداث اختراقة في جدار الصمت الشعبي المصري، فهذا أمر غير مرجح بالنظر لنقطة التجمد التي تقف عليها المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

يضيف المسؤول المصري أن لكل مرحلة مقتضياتها في السياسة والاقتصاد. المقتضيات الحالية للقاهرة هي علاقات جيدة ومتوسعة لو لم تكن معلنة بالكلية مع إسرائيل، لافتًا إلى أن هذا اﻷمر مهم بالتحديد لإدارة ترامب التي لم تخف منذ اللحظة اﻷولى أنها ستقدم لإسرائيل دعمًا استثنائيًا وأن أصدقاء إسرائيل في المنطقة سيحصلون أيضًا على دعم أمريكي.

ويضيف أن اﻹدارة اﻷمريكية الحالية تعتزم إنهاء حالة عزلة إسرائيل الدبلوماسية، وحققت بالفعل طفرات في ذلك دعم دول خليجية رئيسية لإظهار استعدادها لتقوية علاقاتها مع إسرائيل. وإلى جانب زيارة نتنياهو لسلطنة عمان والمشاركة الإسرائيلية الرسمية في ورشة البحرين التي مثلت إطلاق الشق الاقتصادي لصفقة القرن، فإن هناك مشاورات إسرائيلية خليجية متزايدة ووعود خليجية بفتح بعثات دبلوماسية في تل أبيب فور التحرك السياسي الجاد لاستئناف التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي إلى جانب صفقات غير معلنة في مجالات تكنولوجيا اﻷمن جاري التفاوض حولها بين إسرائيل وبين عدد من العواصم الخليجية.

ويقول إن «محاولة مقاربة حال العلاقات بين مصر وإسرائيل اليوم بما كانت عليه خلال حكم مبارك الذي هو بالفعل من صاغ إطار العلاقة كونه وصل للحكم بعد فترة قصيرة من توقيع اتفاقية السلام في أعقاب اغتيال الرئيس السادات هي مقاربة غير واقعية ﻷن الوضع اﻹقليمي اليومي والوضع الدولي يختلفان كثيرًا عما كان عليه الحال أثناء حكم مبارك».

في كل الأحوال، بحسب المصدر نفسه، فإن «هناك تفهم إسرائيلي لما يمكن أن تقوم به القيادة السياسية في مصر، وللاعتبارات التي تحتاج القيادة السياسية للنظر إليها»، خاصة في ضوء تقدير إسرائيلي حقيقي لما تبديه مصر من «تعاون براجماتي بحت يبعد تمامًا عن شعارات سياسية لا تنتمي إليها القيادة السياسية على أي من الجانبين».

ويقر المسؤول الحكومي المصري (الأول) أن هناك قرارًا واعيًا لدى النظام المصري أن يكون ممسكًا بكل خيوط التعاون مع إسرائيل، ليس رفضًا للتعاون، ولكن في إطار إدراك أمرين. أولهما أن إسرائيل تسمح لنفسها في بعض اﻷحيان أن تذكر مصر بما قدمته لها من دعم في هذه اللحظة أو تلك، وفي هذا الملف أو ذلك. وبالتالي فإن مصر أيضًا يجب أن تذكر إسرائيل بالمثل بما تقدمه أيضًا من تعاون مفيد للجانبين. أما اﻷمر الثاني فهي أن هناك إدراكًا بمدى حساسية المشاعر العامة تجاه إسرائيل في ضوء استمرار معاناة الشعب الفلسطيني وتراجع الفرص الواضحة للتفاوض المباشر، عكس ما كان الحال عليه في سنوات حكم مبارك حيث كانت هناك مفاوضات مستمرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وبعضها كان يعقد في مصر.

هناك أيضًا إدراك إسرائيلي لما يمكن أن تقدم عليه القيادة السياسية في مصر من خطوات علنية تتعلق بالعلاقات الثنائية في ضوء أوضاع شديدة التعقيد إقليميًا وبعض الاعتبارات المحلية. لكن في المجمل، فإن اﻷمور شهدت تطورًا لا يمكن حتى للمتشددين في إسرائيل الذين طالما تحدثوا عن برودة السلام المصري الإسرائيلي إنكارها.

اعلان