عمالقةٌ بالون| 3- بلُج أم بلوغ؟

في نهاية سنة 2003، كتب أحمد غربية على مدونته «طَيُّ المُتَّصَلِ» تدوينة قصيرة:

هل تعرف أي بلُجات blogs أخرى بالعربية؟

ثم ماذا يسمى البلُج بالعربية أصلا؟!

و كيف سينطقه إخواننا الشوام والخليجيون الذين ينطقون بالجيم المعجّمة. هل سيكتبونها «بلوغ»؟

و ماذا فعل الفرس واليابانيون والصينيون وسائر الأمم التي توجد أسماء لكل ما هو حديث بلغتها المحلية؟

من يعرفونني شخصيا يعرفون أنني أسمي الأشياء بالعربية طالما كان لها اسم، حتى لو كان هذا الاسم غريبًا على آذان العامة، ولكني فعلًا لا أدري ماذا يسمي هذا الذي أكتبه الآن أو الذي تقرؤه أنت الآن!!

كنت في زيارة لعدة أيام لأحد أقاربي بالقاهرة في سبتمبر 2001. شاهدنا فيلم «جاءنا البيان التالي» ليلة 11 سبتمبر، ثم تجولنا لوقت متأخر في وسط المدينة. استيقظنا متأخرين كالعادة لنفاجأ بما نشاهده مباشرة: أحداث 11 سبتمبر. أذكر جيدًا التفاف الجميع ومتابعتهم ما يحدث باهتمام بالغ.

على مدار الشهور التالية، كانت الأخبار تُركّز على الحدث، وتحركات دولية عديدة تجاه التعامل مع مستجد ضخم، كان الجميع يتحدث عن أن ما بعد 11 سبتمبر ليس كما قبله.

قبل ذلك بسنة، كانت الانتفاضة الثانية قد اندلعت في فلسطين، وملأت أخبارها الصحف والقنوات التلفزيونية بما فيها القنوات المصرية الرسمية، خاصة مع وجود مراسل بشعبية طارق عبدالجابر والذي ارتبط في مرحلة ما بحادثة محمد الدرة. أذكر تقريرًا لعبدالجابر عن حادثة الدرة كانت تُعاد في القنوات لعدة أيام. أظن أن جزءًا كبيرًا من جيلي تأثر بفيديو مقتل الدرة. عن نفسي، سجلّت التقرير صوتيًا على شريط كاسيت.

مظاهرات كثيرة خرجت في القاهرة والمحافظات، خاصة الجامعات المصرية، دعمًا للانتفاضة. وأطلقت العديد من التيارات على رأسهم جماعة اﻹخوان المسلمين حملات واسعة للتبرع لصالح فلسطين. أذكر وقتها استمرار جمع التبرعات عقب صلاة الجمعة لعدة أسابيع متتالية، كما أذكر مشاركات المستخدمين العرب على المنتديات والقوائم البريدية التي تدعم القضية الفلسطينية. وقتها، كان لدى القضية الفلسطينية وضعًأ خاصًا على المستوى الشعبي، وخوف من ردة فعل الشارع تجاه الأحداث على المستوى الرسمي. لا أذكر في هذه الفترة أي كلام عن التطبيع سوى مهاجمة مؤلف مسرحية (مدرسة المشاغبين) علي سالم وربما سعد الدين إبراهيم.

الحرب على العراق وتجربة سلام باكس

أذكر جيدًا متابعة أسرتي لأحداث غزو العراق وسقوط بغداد في 2003 عبر قناة «الجزيرة» والقنوات المصرية المحلية، كما أذكر بعض من محادثات القمة العربية، والمظاهرات التي ملأت المحافظات. وقتها، حدثت واحدة من أكبر المظاهرات بميدان التحرير عندما تجمع عشرات الآلاف بدعوة من القوى السياسية لرفض الحرب. لاحقًا، بعد عام 2005، عرفت أن العديد من الأصدقاء شاركوا في هذه المظاهرات.

أذكر أيضًا عشرات التصريحات التي أطلقها محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية والإعلام العراقي، والتي نقلتها قنوات التلفزيون بكثافة، خاصة مع استخدامه لكلمة «العلوج»، والتي أصبحت كلمة شعبية وقتها، والاحتفاء بفلاح عراقي أسقط طائرة أمريكية. كانت مفاجأة أن يختفي الجيش العراقي وتسقط بغداد دون مقاومة تُذكر، ويُعرض مشهد سقوط تمثال صدام حسين.

في 1995، رجع المواطن العراقي سلام الجنابي، المولود لأب سني وأم شيعية، إلى بغداد قادمًا من فيينا. وقت سقوط بغداد، كان الجنابي قد أنشأ مدونة باسم «أين رائد؟»، وكانت منشوراته التي سرد فيها معايشته لسقوط بغداد مصدرًا للصحافة الدولية. وحتى عندما انقطعت الاتصالات والكهرباء في بغداد، ظلّ الجنابي، الذي عُرف باسم مستعار «سلام باكس» يكتب منشوراته على ورق لينشرها لاحقًا على مدونته. تجربة الجنابي لفتت الأنظار تجاه التدوين، وساهمت بقوة في انتشاره عالميًا، خاصة بعد أن تناول الإعلام الدولي قصته ونوقشت تدويناته في الصحافة الدولية، وكانت مصدرًا هامًا للأخبار. ثم بدأ الجنابي يكتب في صحف دولية وصدر كتابًا يجمع تدويناته.

في فترة 2003-2004، كانت مايكروسوفت وياهو تسيطران على سوق البريد الإلكتروني منذ النصف الثاني من التسعينيات، وإن كان هناك بعض الخدمات التي لاقت شعبية جيدة في المنطقة العربية مثل خدمة بريد مكتوب. في هذه الفترة، أطلقت جوجل خدمة البريد الإلكترونية «جيميل». في الفترة التجريبية للخدمة، اعتمدت جوجل نظامًا الدعوات، بحيث لا يمكن للمستخدمين الحصول على بريد «جيميل» إلاّ من خلال دعوة يتلقاها من مستخدم. أذكر وقتها أني حصلت على دعوة من صديق كهدية، رغم أن هذه الدعوات كانت تُباع على الإنترنت.

كفاية والمدونات

شعار حركة كفاية

في هذه الفترة، كان قطاع الاتصالات في مصر يتطور، واتسع نطاق استخدام الإنترنت. أصبح هناك العديد من الشركات الخاصة والحكومية التي تقدم خدمات الإنترنت، في حين بقيت البنية التحتية للاتصالات مملوكة للشركة المصرية للاتصالات. وفي عام 2004، أطلقت الحكومة المصرية مبادرة الإنترنت فائق السرعة ADSL بالشراكة مع بعض الشركات المُقدمة للخدمة.

في هذا العام، أنشأت مدونة تحت اسم «بالعربي» أنشر بها بعض الموضوعات التقنية وظللت أنشر بها عدة أشهر قبل أن أغلقها وأمسح محتواها، لا أذكر لماذا!

وفي نفس السنة أيضًا، صاغ العشرات من الشخصيات العامة وثيقة تطالب بالتغيير وأطلقوا حركة مدنية تحت اسم الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية».

تعرّفت على كفاية عبر موقعها الإلكتروني. وقتها كنت في الصيف الذي يسبق دخولي الجامعة. أذكر أني وصلت لموقع كفاية عبر إحدى المدونات المصرية. وقتها كان هناك حراكًا سياسيًا واسعًا تزامن مع أول انتخابات رئاسية متعددة والتعديلات الدستورية وظهور حركة كفاية وحركة شباب من أجل التغيير وحزب الغد وغيرهم.

تعرّفت أيضا في هذه الفترة على مجموعة من المواقع والمجموعات البريدية ذات الصلة بالحراك السياسي والاجتماعي في مصر. أذكر منهم، بالإضافة إلى موقع كفاية، موقع المجموعة المصرية لمناهضة العولمة (أجيج)، وموقع وصحيفة حزب الغد الليبرالي، والقائمة البريدية لحركة شباب من أجل التغيير، وبعض غرف «بالتوك» ذات الصلة بحزب الغد وكفاية وموقع الشبكة العربية لحقوق الإنسان، ومنتدى مندرة كفاية.

عبر الإنترنت، عرفت مواعيد المظاهرات التي دعت لها الحركات المدنية. في هذه الفترة، كنت لا أزال أعيش مع أسرتي خارج القاهرة لكني استطعت أن أشترك في المظاهرات التي دعت لها حركة كفاية. لاحقًا، بعد دخولي الجامعة، انتقلت للإقامة في القاهرة وانخرطت أكثر في أنشطة حزب الغد وحركة شباب من أجل التغيير. وأنشأت مدونة في بداية 2005 أكتب بها تدوينات وأُغطي الفعاليات التي كنت أحضرها.

تعرفت على العديد من المدونين المصريين، وتابعت آخرين دون معرفة شخصية. في أحد المظاهرات –ربما في صيف 2005- وقع في يدي منشور يُوزع في مظاهرة بعنوان «الأخبار منّا وعلينا» به عدد من المدونات المصرية. لا أتذكر كل المدونات التي كانت بها، لكني أتذكر منهم مدونات «دلو منال وعلاء»، و«الوعي المصري»، و«أسماء علي»، و«مالكوم إكس».

كانت صحيفة الدستور قد عادت للعمل برئاسة تحرير إبراهيم عيسى في بداية سنة 2005 بعد توقفها قرابة 12 عامًا عن الصدور، وقدمت جرعة من المعارضة تناسبت مع الحراك المنتشر وقتها في الشارع والجامعات، وتزامنت مع انتشار القنوات الفضائية وبرامجها السياسية. كانت صحيفة الدستور تنشر في عددها الأسبوعي بعض من التدوينات التي يكتبها مدونون مصريون، وقد نُشرت إحدى تدويناتي بها. هذه الفترة أيضًا كانت بداية لانتشار المواقع الإخبارية مثل موقع المصريون الذي خرج كموقع خبري لا يمتلك نسخة ورقية، كما أطلقت صحيفة الفجر الأسبوعية موقعها الإلكتروني. وأطلقت صحيفة المصري اليوم المستقلة موقعها الذي يتيح نسخة رقمية من الصحيفة الورقية. كذلك أطلق حزب الغد الليبرالي موقعًا إلكترونيًا للصحيفة التي يصدرها، وراديو إنترنت اسمه «راديو الغد» أثناء الانتخابات الرئاسية. كما أطلقت جماعة الإخوان المسلمين موقعًا باللغة الإنجليزية تحت اسم «إخوان وب»، وغيرهم.

من اليمين: رضا هلال ، منصور الكيخيا

أحد أهم المواضيع التي كانت تشغل المدونين وقتها هي قضية اختفاء الصحفي رضا هلال. تعرّفت على القضية على عبر موقع إلكتروني أطلقه أحد الصحفيين المصريين. قضية اختفاء رضا هلال لم يُكشف عن تفاصيلها حتى اﻵن، وفي فترة 2003 كان العديد من المستخدمين يتداولون هذه القضية خاصة في المنتديات والمجموعات البريدية السياسية. وقتها، عرفت أنها لم تكن المرة اﻷولى التي يتبخّر فيها شخص دون أن يُعرف أي شيء عنه، فقد سبق حادثة هلال حادثة أخرى اختفى فيها منصور الكيخيا -الناشط الحقوقي والمعارض الليبي- في مصر سنة 1993 أثناء مشاركته في اجتماع مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

كنت قد تعرّفت على مدونة دلو منال وعلاء بالصدفة، ربما نهاية 2004. المدونة كانت تُقدّم خدمتين هامتين، الأولى كانت مجمع المدونات المصرية، والتي كانت تجمع التدوينات من عشرات المدونات المصرية في مكان واحد بحيث يسهل قراءة الجديد منهم. والثانية كانت تقديم دعمًأ تقنيًأ لبعض المدونين، كاستضافة بعض المدونات المصرية على خادوم دلو منال وعلاء. في هذه الفترة، كان هناك بعض الصعوبات التقنية التي تواجه المدونين المصريين خاصة ممن ليس لديهم خبرات تقنية كافية لتطويع المدونات لتقبل اللغة العربية بشكل صحيح. أذكر أيضًا أن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عملت مع مجموعة من المدونين المصريين على إخراج منصة عربية حرة للتدوين «مدونات كاتب» تعتمد على برمجيات حرة مفتوحة المصدر. أظن أن الموقع أُُطلق في وقت مبكر من سنة 2007.

لقطة شاشة للصفحة الرئيسية لموقع جيميل تعود لسنة 2004

الحلقتان السابقتان من «عمالةٌ بالون»:

1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

2. عمالقةٌ بالون: اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

اعلان
 
 
محمد الطاهر