أبعد من ترامب.. كيف ترى الدوائر الأمريكية المتغيرات السياسية في مصر؟

خمس سنوات فصلت بين لقائين جمعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيريه الأمريكيين، الديمقراطي باراك أوباما في سبتمبر 2014، والجمهوري دونالد ترامب في سبتمبر 2019. ورغم تغيّر الظروف في كلا البلدين، إلا أن الرئيس المصري نجح بشدة في الحصول على ما يريد في اللقاءين.

من أوباما، انتزع السيسي شرعية دولية وأمريكية كانت هي الهدف الوحيد من زيارته الأولى للولايات المتحدة، بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي.

من ترامب، انتزع السيسي دعمًا مباشرًا من البيت الأبيض في مواجهة مظاهرات غاضبة، هي الأولى من نوعها منذ قدومه للحكم. قال ترامب للسيسي لدى لقائهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: «الجميع لديه مظاهرات… لا لستُ قلقًا بشأنها. مصر لديها زعيم عظيم». أما السيسي فرد على سؤال عن المظاهرات بالهجوم على «الإسلام السياسي»، وتحميله -بصورة غير مباشرة- جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية عنها.

عسكريون هنا وعسكريون هناك 

ساهمت طبيعة وتعقيدات علاقات واشنطن العسكرية بالقاهرة في عرقلة التحوّل الديمقراطي في مصر خاصة في اللحظة الاستثنائية بين عامي 2011 وحتى 2013. وشهدت السنوات القليلة الماضية وصول عسكريين مصريين ممَن تلقوا تدريبات أمريكية للمناصب القيادية الأرفع في الجيش المصري. الرئيس عبد الفتاح السيسي أمضي عامًا كاملًا في كلية الحرب التابعة للقوات البرية، والواقعة في ولاية بنسلفانيا، والحال لا يختلف في حالة رئيس جهاز الاستخبارات العامة أو وزير الدفاع.

وبعدما رفضت إدارة الديموقراطيين في عهد أوباما تسمية ما حدث يوم 3 يوليو 2013 بـ «الانقلاب العسكري»، قبَلت واشنطن الواقع المصري الجديد. 

وعلى الرغم من تصريح أوباما الذي أعقب فضّ اعتصامات رابعة والنهضة، بأن «العلاقات لن تعود لما كانت عليه بسبب ما حدث»، لكنها عادت اليوم لتكون أقوى مما كانت عليه في السابق. فعلى سبيل المثال وقعت مصر على اتفاقية ثنائية للتواصل المتبادل في مجالات الاتصالات والأمن (CISMOA) قبل عامين، وهو ما يعد تتويجًا لأكثر من ثلاثة عقود من علاقات أمنية متينة وتعاون كبير في مكافحة الإرهاب. 

ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من ضبابية المشهد السياسي الحالي في مصر، أسرعت إدارة ترامب لإظهار دعمها للسيسي. وقبل أربعة أشهر فقط، عرفت واشنطن صمتًا نادرًا تجاه وفاة رئيس مصري سابق ومنتخب اسمه محمد مرسي. 

لوبي حقوق الإنسان.. واللوبيات المقابلة

لم تعد موضوعات انتهاكات حقوق الإنسان أو غلق قنوات التعبير السياسية ذات أهمية لصانع السياسة الأمريكي تجاه القاهرة. وعلى الرغم من سلبية موقف النخبة الأمريكية، ممثلًا في الإعلام والمراكز البحثية والأكاديميين من النظام المصري، كما يظهر بوضوح في استمرار انتقاد ممارسات النظام، إلا أن هناك لوبي أمريكي مؤيد للنظام المصري أكثر قوة وأكبر تأثيرًا على صنع القرار الأمريكي.

يستفيد النظام المصري من لوبي مالي واقتصادي يدعم التوجهات الاقتصادية التي نفذها السيسي خلال السنوات الأخيرة، خاصة تلك الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي تستهدف تخفيض الدعم الحكومي على أسعار الطاقة وغيرها، إضافة لتحرير سعر الصرف. 

وهناك أيضًا اللوبي المكون من أطياف التيار اليميني الأمريكي، الذي يبتهج لدعوات السيسي بضرورة إصلاح الخطاب الإسلامي، وضرورة القضاء على أي طموحات سياسية للتيارات السياسية الإسلامية. 

كذلك يتمتع النظام الحالي بدعم غير مسبوق من لوبيات أخرى قوية داخل واشنطن، سواء كانت عربية مثل اللوبي السعودي والإماراتي، أو اللوبيات الإسرائيلية ولوبيات جماعات تبشيرية يمينية. 

محمد علي! مَن هذا؟

حتى صباح يوم 25 يناير 2011 لم يتوقع أحد في واشنطن أن تخرج جموع غفيرة من الشعب المصري مطالبة بسقوط نظام الرئيس حسني مبارك الحليف. عبرت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، هيلاري كلينتون، عن قلقها تجاه ما يحدث وقالت: «تقييمنا هو أن الحكومة المصرية مستقرة وتبحث عن سُبل للاستجابة للاحتياجات الشرعية ومصالح الشعب المصري»، ومع زيادة طلبات المتظاهرين، عملت الادارة الأميركية على ضمان عدم إسقاط النظام المصري كله، وقبلت، بل وشجعت صيغة «orderly transition  انتقال منظم للسلطة» يسمح بتولي نائب الرئيس اللواء عمر سليمان زمام الأمور في مصر، ويضمن عدم حدوث تغيير حقيقي في السياسات المصرية في الملفات المهمة لواشنطن.

بعد مرور خمس سنوات على لقاء السيسي وأوباما ، استيقظت واشنطن كغيرها داخل وخارج مصر على مفاجأة ظاهرة محمد علي، ذلك المقاول والممثل المصري الذي لم تعرفه دوائر واشنطن ولم تتوقعه، ليصبح الأداة التي تدعو لتغيير داخل مصر. لكن الجديد في موضوع محمد علي أنه غريب على واشنطن بحسب المعايير المعتادة، وبكل ما تعنيه الكلمة. لا يتحدث الإنجليزية على الإطلاق،  لم يتقرب من مراكز الأبحاث، ولم يصادق خبراء الشأن المصري هنا في واشنطن. إضافة لذلك قد تُصعب لغته المصرية الدارجة، والهابطة في بعض الأحيان، من ترجمة ما يقوله بدقة للدوائر الأمريكية.

كذلك فإن السياسات المصرية في أكثر من مجال أضرت بفرصة واشنطن للإحساس بما يجري في مصر. حدث ذلك حين منعت دخول بعض المنتقدين للنظام إلى الأراضي المصرية كما حدث مع الباحثة في مؤسسة كارنيجي ميشيل دان، إضافة إلى تخوف الكثيرين من الباحثين من السفر لمصر عقب مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة.

ما يزيد ضبابية المشهد المصري، أن لا أحد يعرف إذا ما كانت القاهرة والمدن المصرية الأخرى ستلبي دعوة محمد علي بالتظاهر يوم الجمعة المقبل، وذلك بالرغم من إرهاصات تجاوز حاجز الخوف التي بدأت في الظهور يوم الجمعة الماضي.

وفي هذا السياق، علينا التساؤل كذلك إذا ما كانت دوائر من النظام في مصر تقدم الدعم لمحمد علي بصورة أو أخرى. هذا غير ارتباط التظاهر بموقف مزدوج للقوى الأمنية الشرطية والعسكرية من ناحية، وبموقف جماعة «الإخوان المسلمين» والتي تستطيع الحشد والتعبئة على الرغم مما أصابها من ضربات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة من ناحية أخرى.

كل هذه أمور تقول إن واشنطن ليست عاملًا أساسيًا في الحسابات المصرية، اللهم إلا إذا فهم النظام أن دعم ترامب للسيسي باعتباره ضوء أخضر أمريكي لقمع المتظاهرين.

اعلان
 
 
محمد المنشاوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن