خمس استعارات عن التعافي

1- ميلاد جديد

«كل فراق فيه من طعم الموت، وكل لقاء فيه من رائحة البعث» 

آرثر شوبنهاور

«يجب أن تحترق في نيرانك أولًا، كيف تتجدد إن لم تتحول إلى رماد؟» 

فريدريك نيتشه

هيمنت على البشرية في أغلب تاريخها فكرتان، حتمية المعاناة في الحياة الدنيا، واستحالة العودة للبراءة الأولى. لكن من الأديان وأساطير الأقدمين تتواتر فكرة بديلة حول موت ثم بعث، تضحية ثم قيام: تنويعات على العنقاء حيث يشكل احتراق القديم وظهور الجديد من قلب الرماد فرصة لكسر دورة القدر إما في صورة صفحة ناصعة أو في عودة للجذور؛ واستمرارًا للذات بعد التخلص من العلل والشوائب والآثام. الألم ثمن ضروري للخلاص.

2- بتر وكَيّ

«يجد المرء نفسه في اختيار ما بين البتر والغرغرينة. البتر حاسم سريع لكن مع الزمن قد يتبيّن عدم ضروريته، وإن أجَل قد يفوت أوانه. الغرغرينة بطيئة، ولكن من المستحيل الثقة في صحة قراءة الأعراض. التفكير في حياة الكسيح يفوق الاحتمال بنفس درجة عدم احتمال مخاطرة التورم والتسمم المؤلم الدؤوب». 

جيمس بالدوين

الجسد لا الروح موطن الآلام. الإنسان أصلًا حيوان يعقل. والطب الحديث، بعقلانيته وأدواته وآلياته ومفرداته، كفيل بعلاج كل الآلام. والطب بدأ هناك في الجراحة، في عنف محسوب قد يستدعي إزالة العضو المعتل كله. لا لأن العضو ليس ضروريًا ولكن لأنه ليس جوهريًا. طالما تحيا وتعي ذاتك بعقلك أنت بخير. من منا لا يحلم بخلاص باتر حاسم؟وإن استمر الألم بعدها لا تقلق،فالطب لديه الإجابة: تلك الآلام وهمية نابعة من جهازك العصبي. اعقلها فقط، فعقلك هو جوهرك. إن أقلقك أن خيالك وعقلك واحد عليك بالطبيب النفسي والدواء. لا تقلق، بتر، ثم كي، وقبلهما تخدير وبعدهما مسكنات وإعادة تأهيل وصبر، وتستمر الحياة.

3- مواد بناء

«دعنا نبني النظام الجديد بالحجارة الباقية من ركام النظام القديم» 

فلاديمير لينين

«هكذا نتصور ملاك التاريخ. نظره موجه للماضي. ما يتبدى لنا كسلسلة من الأحداث المتعاقبة يراه هو كارثة واحدة ممتدة، وحطامًا يتراكم فوق حطام تحت قدميه. يريد الملاك أن يتمهل، أن يوقظ الموتى، أن يصلح ما تهشم. لكنه محمول على رياح عاصفة هبت من الجنة، مفتوح الجناحين لا يقوى أن يطويهما من شدة الريح، العاصفة تدفعه خلفًا إلى مستقبل لا يعيه وكومة الركام أمامه ترتفع لعنان السماء. هذه العاصفة التي تنعت التقدم».

فالتر بينجامين

لا المعاناة تضحية ولا الجسد آلة، بل أن ألمك لا يخص شخصك؛ فالفرد ينتمي لمجتمع والمجتمع نتاج حركة التاريخ. لكنك فاعل في هذا التاريخ، لا تكن ضحية له. اجعل من ألمك ثورة ومن معاناتك نضال، اهدم مصادر الألم، وبحطام القديم سنبني الجديد معًا كجماعة فاعلة في التاريخ. هي سنة الحياة وقوانين الكون. إنها حتميات. فقط عليك أن تدرك اللحظة المناسبة وتنضم للفرقة الواعية.

4- الشبحنة

«يمكن للمجتمعات الرأسمالية أن تتنفس الصعداء، أن تقول لنفسها: الشيوعية انتهت بانتهاء ديكتاتوريات القرن العشرين، لم تنته فقط، بل كأنها لم تكن أبدًا، كانت فقط طيفًا. ولكن جل قدرتها  هو التنصل مما لا يمكن إنكاره. الشبح لا يموت وإنما يعود دومًا». 

جاك دريدا

لن يخرجوك من التاريخ ما دمت قادرًا على الحديث، لن ينفوك للماضي ما دمت قادرًا على الاستماع. لكن أي حاضر تسكن؟ لتسكن أحلام رفاقك وكوابيس أعدائك، عش في مستقبل لم يتحقق، عش فيه كطيف وعبرة وذكرى. ذكرهم أن الحاضر لم يكن حتميًا قبل أن يصير. لا تشغل نفسك بسؤال لِمَ لم يتحقق هذا المستقبل المحتمل؟ دع المنتصر يبحث عن الإجابات. كن أنت السؤال ولا تنشغل بعجزك، فالشبح لا يحتاج لحضور مادي ولا تأثير فعلي. عليك فقط أن تتجلى.

5- نمو متجدد

«بالنسبة للسلامندر التجديد بعد إصابة عنيفة كفقدان طرف يستدعي إعادة إنماء هيكل واستعادة وظيفة مع حضور دائم لاحتمالات الازدواج أو إنتاج أشكال غريبة عند موضع الإصابة. العضو النامي قد يبدو وحشيًا أو مكررًا وقد يبدو أقوى وأكثر فعالية. كلنا مصابون، وإصابتنا شديدة. نحتاج لنمو جديد لا ميلاد جديد، وإعادة تشكلنا تنطوي على حلم وأمل بيوتوبيا، عالم مسخ بلا فروقات ولا عنصريات».

دونا هاراواي

لا عودة لفردوس مفقود فنحن لم نولد أبرياء أصلًا، لا بعث فلسنا أنبياء، وتضحياتنا انتزعت في غفلة منا. لا جراحة ولا دواء، فقرار البتر لم يكن بإرادتنا وعلتنا لم تخضع لبحوث سريرية. لا إعادة بناء فالأرض نفسها لم تعد تتحمل تسوية وتمهيد وحفر. لنؤجل هيام الروح لما بعد الوفاة، فكل واحد منا مسكون بأرواح رفاق مضت ولا يصح تشريدهم مبكرًا.

إن أصروا على معاملتنا كحيوانات بلا أهلية فليكن، ولكن لنتخطى الماشية والدواب والحيوانات الأليفة والمدربة ولنستلهم من الزواحف ونجوم البحر وديدان الأرض؛ تلك الكائنات القادرة على التجدد بعد أي إصابة مهما عظمت. لنتقبل فقط أن ما ينمو عند موضع الإصابة قد لا يطابق القديم، قد يبدو شائهًا. لكن -تمعن قليلًا سترى جمال المشوه، فالمسخ وحده يحمل تاريخ الحلم والأمل وواقع الهزيمة والألم معًا. المسخ وحده لا ينسى جراحه القديمة ولا يخشى جراحًا جديدة.

اعلان
 
 
علاء عبد الفتاح