سد النهضة.. قصة مختصرة للوصول إلى «وضع كارثي» في 10 سنوات
 
 

قالت مصادر حكومية مصرية مختلفة إن حالة من القلق المشوب باليأس تسود اﻷوساط الرسمية المصرية إزاء الموقف الإثيوبي من مفاوضات سد النهضة، وخاصة المتعلقة بتفاصيل عملية ملء خزان السد، التي تخشى القاهرة من أنها ستزيد حالة شح المياه التي تعاني منها مصر بالفعل.

واعتبرت المصادر أن تلك الحالة انعكست في كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء الماضي، كما انعكست سابقًا أثناء حديثه في مؤتمر الشباب الذي أُقيم في القاهرة قبل أسبوعين.

وتضمنت كلمة السيسي في اﻷمم المتحدة قوله: «إن استمرار التعثر في المفاوضات حول سد النهضة، سيكون له انعكاساته السلبية على الاستقرار، وكذا على التنمية في المنطقة عامة.. وفي مصر خاصة. مع إقرارنا بحق إثيوبيا في التنمية، فإن مياه النيل بالنسبة لمصر مسألة حياة، وقضية وجود، وهو ما يضع مسؤولية كبرى على المجتمع الدولي، للاضطلاع بدور بناءً في حث جميع الأطراف على التحلي بالمرونة، سعيًا للتوصل لاتفاق مرضٍ للجميع».

مصدر حكومي في الدائرة المتابعة لملف المفاوضات قال لـ «مدى مصر»: «الوضع كارثي، ونخشي أن الساعة بدأت تدق، وأننا سنصل لنقطة بالغة السوء خلال أيام، لأن الموقف التفاوضي لإثيوبيا لا يبدو مرشحًا للتحسن، كذلك فإن دعم السودان لا يبدو باتجاه الموقف المصري».

وتتمحور المفاوضات بين مصر وإثيوبيا على السنوات المقررة لملء خزان السد، بين رغبة أديس أبابا في ملئه خلال ثلاث سنوات، ومحاولة القاهرة لجعلها سبع سنوات.

كانت الجولة اﻷخيرة من المفاوضات بين الدول الثلاث قد انعقدت في القاهرة منتصف الشهر الجاري، وتبعها إعلان مصري عن فشلها، برفض الجانب الإثيوبي مقترح قدمته القاهرة لعملية ملء الخزان، وهو ما نفاه لاحقًا مصدر إثيوبي، قال لـ «مدى مصر» إنه لم يكن مقررًا أن يتم مناقشة المقترح المصري خلال تلك الجولة، التي وصفها بالإجرائية، تمهيدًا للجولة المقبلة. 

المصدر الحكومي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أضاف أن الاجتماعات الثلاثية المقرر انعقادها في الخرطوم نهاية الشهر الجاري، بين وزراء الري وخبراء فنيين ومسؤولين من مصر والسودان وإثيوبيا، ربما تكون الأخيرة في اﻵلية الثلاثية التي تم إنشاؤها بموجب اتفاقية الخرطوم الموقعة في مارس 2015، بهدف التوصل لاتفاق يحقق مصالح الدول الثلاث في التنمية.

وتشهد الخرطوم في الفترة من 30 سبتمبر إلى 3 أكتوبر المقبل اجتماعات «المجموعة العلمية المستقلة»، والتي يعقبها اجتماع وزراء المياه في مصر والسودان وإثيوبيا يومي 4 و5 أكتوبر.

وشهدت الاتفاقية الموقعة في 2015 إقرار مصر بحق إثيوبيا في بناء السد، والاتفاق على تكليف مكتب استشاري فرنسي بتنفيذ الدراسات الفنية للسد بالتعاون مع مكتب هولندي، وإلزام إثيوبيا بالبند الخامس من الوثيقة، التي تحوي الاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل للسد. وهو ما تراجعت عنه إثيوبيا لاحقًا، كما تنازلت مصر كذلك ووافقت على قيام المكتب الفرنسي منفردًا بتقديم الاستشارات الفنية.

مصدر حكومي سابق، كان قد شارك في المشاورات التي سبقت اتخاذ مصر قرار توقيع اتفاقية الخرطوم، قال لـ «مدى مصر»  إن العديد من الجهات الرسمية رفعت تقارير لرئيس الجمهورية قبل توقيع الاتفاقية، مُفادها أن التوقيع عليها سيضعف موقف مصر، الذي كان يطلب من الجهات الدولية آنذاك عدم تمويل السد، سوى بعد توصل القاهرة والخرطوم وأديس أبابا لاتفاق حول كيفية ملء السد، وكذلك بعد التيقن من تفاصيل فنية تتعلق بأمن جسم السد وطبيعة التداعيات البيئية الناتجة عنه، وتأثيره على مجرى النهر ونوعية المياه فيه.

وأضاف المصدر أن فايزة أبوالنجا، مستشارة الرئيس لشؤون اﻷمن القومي، ومختصين سابقين في المخابرات وفي وزارات: الخارجية والدفاع والري، أجمعوا، في ذلك الوقت، على أن التوقيع على اتفاق الخرطوم يمثل إقرارًا مصريًا بالموافقة على قيام إثيوبيا ببناء السد بدون أية ضمانات أو التزامات، غير أن رئيس الجمهورية قرر أنه سيوقع الاتفاق، وأخبر معاونيه أنه سيكون لديه القدرة على إحداث تغيير كبير في الموقف الإثيوبي من «خلال استخدام تأثيره الشخصي على المسؤولين الإثيوبيين، بل وعلى الرأي العام الإثيوبي».

ثقة الرئيس في حل اﻷزمة استمرت حتى العام الماضي، حينما ظهر مُمسكًا بيد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميليس زيناوي، عقب اجتماعهم بالقاهرة، قائلًا: «مفيش أزمة». وهي النبرة التي بدأت في التغيّر مؤخرًا، حين تحدث في مؤتمر الشباب الأحدث عن أن المفاوضات بين الدول الثلاث «مش ماشية بالشكل اللي إحنا عايزينه». مشيرًا في حديث آخر خلال المؤتمر إلى الثمن الذي ستدفعه مصر بسبب «2011»، في إشارة لثورة يناير، التي لم تكن  تُبنى سدود على نهر النيل سوى بعد قيامها.

اللافت، أن خطاب السيسي أمام الأمم المتحدة أشار إلى توقيع مصر على الاتفاقية تأكيدًا لحرصها على رفعة شعوب حوض النيل، وتفهمها لشروع إثيوبيا في بناء السد، «رغم عدم إجرائها لدراسات وافية حول آثار هذا المشروع الضخم، بما يُراعى عدم الإضرار بالمصالح المائية لدول المصب ومنها مصر».

السيسي ليس أول رئيس مصري يواجه صعوبة في عبور عقبة سد النهضة، فبحسب مصدر حكومي آخر، سبق وأن شارك في جزء من المشاورات الداخلية المصرية حول هذا الملف، كان السد سببًا في انتقادات واسعة تعرّض لها الرئيس الراحل محمد مرسي، فيما كان واضحًا منذ وصول السيسي للحكم أنه لا يريد أن يسير على خطى سابقه في التعامل مع الملف.

وبحسب المصدر، نجحت قطاعات داخل اﻷجهزة الرسمية خلال فترة حكم مرسي، في تصوير ملف سد النهضة باعتباره خط مجابهة محتملة مع إثيوبيا، وذلك ضمن تحرك مناوئ للرئيس الراحل. مشيرًا إلى اللقاء الذي تمّ بين مرسى وشخصيات عامة في 3 يونيو 2013، قبل ثلاثة أسابيع من الإطاحة به، واقترح حاضرون فيه على الرئيس القيام بعمل عسكري يستهدف هدم السد، وهو اللقاء الذي تمت إذاعته على الهواء مباشرة، دون علم الرئيس أو معاونيه، بحسب المصدر.

وأضاف المصدر أن بعض العاملين في أحد اﻷجهزة الأمنية هم مَن كانوا وراء إذاعة اللقاء على الهواء، ضمن حملة ممنهجة لإسقاط شعبية مرسي، قبل التدخل لعزله، غير أن بث اللقاء تسبب في حرج دبلوماسي بالغ لمصر، استدعى تقديم القاهرة توضيحات رسمية ﻷديس أبابا.

بحسب دبلوماسي مصري سابق، فإنه مع وصول السيسي للحكم واختيار نبيل فهمي وزيرًا للخارجية، تمكن اﻷخير من ضبط الأمور من خلال جولة خارجية أقنع خلالها عددًا من الدول الممولة للسد بالتريث في تقديم الدعم، حتى يتم التوصل لتوافق حول النقاط الخلافية بين أديس أبابا والقاهرة تحديدًا، لأن مصر تتضرر من السد بينما يستفيد منه السودان، إذ يساهم في تنظيم المياه التي تصله، بما يسهم في مشاريعه الزراعية الكبيرة والمتزايدة.

كان الحديث عن سد النهضة قد بدأ في الظهور في نهايات العقد اﻷخير من حكم حسني مبارك، كمشروع حتمي لإثيوبيا يهدف لتوليد الكهرباء، بهدف تحقيق تنمية معتمدة على إمكاناتها الطبيعية، حسبما قال اثنان من وزراء مبارك السابقين.

وبحسب الدبلوماسي السابق، فإن أول تقرير عُرض على الرئيس اﻷسبق في هذا الصدد كان في نهاية 2008، قبل أن يطلب مبارك في النصف الثاني من 2009 تشكيل لجنة لدراسة الملف، لتتشكل بالفعل لجنة من وزارات الدفاع والخارجية والداخلية والري والكهرباء، فيما كان الخط الأساسي للتحرك هو السعي لوقف بناء السد، وأيضًا لوقف تفاهمات دول حوض النيل التي كانت تدعو لإعادة توزيع حصص مياه نهر النيل على الدول المتشاطئة عليه، باعتبار أن تلك الحصص تم التوصل إليها بينما كانت هذه الدول واقعة تحت الاستعمار.

وفي 2010، قررت مصر الاستعانة برأي أحد الخبراء الدوليين في مياه الأنهار، والذي قدم نصائح محددة للتعامل مع هذا الأمر، مُفادها أنه يجب على مصر توضيح احتياجاتها السنوية من المياه، وصعوبة التعامل مع نقصانها، وعدم الاكتفاء بالإصرار على طلب حصتها المعتادة من مياه النيل؛ 55 مليار متر مكعب، والتي لا تكفي متطلباتها من اﻷساس.

الإطاحة بمبارك في 2011 لم تسمح له باﻷخذ بتلك النصائح أو إهمالها، فيما تجاهلها المجلس العسكري الذي تولى الحكم بعده، لتشرع إثيوبيا بالفعل في بناء السد خلال الفترة من 2011 حتى 2012، دون تطمينات بخصوص موقع البناء أو إجراءات السلامة أو حتى التبعات الناتجة عنه.

وأضاف المصدر الحكومي الثاني أن مطالبة الدول والجهات المانحة بعدم تقديم الدعم المالي والفني لإثيوبيا كانت الخط الرئيسي الذي عملت عليه الدبلوماسية المصرية منذ بداية تحرك إثيوبيا لبناء السد في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، وذلك اعتمادًا على ما يقره القانون الدولي من أن الدول المتشاطئة على مياه الأنهار لا يمكن لها أن تقوم بمشروعات مائية تؤثر على مجرى المياه وحصص الدول بدون التوافق المسبق.

غير أن المطالبة بعدم دعم إثيوبيا في بناء السد انتفت منطقيتها بالتوقيع على وثيقة الخرطوم، التي مثلت اعترافًا مصريًا رسميًا بحق إثيوبيا في بناء السد، بغض النظر عن عدم احتواء الوثيقة على نصوص واضحة تضمن عدم المضي قُدُمًا في البناء قبل التوافق بين الدولتين، ومعهما السودان، على جميع النقاط، وهو ما سبق وأن حذر معاونو السيسي من حدوثه. 

اليوم، بحسب المصادر الحكومية المطلعة على تطور المفاوضات تنتظر مصر نهاية الجولة المرتقبة في الخرطوم، في الخامس من أكتوبر المقبل، والتي ستضطر في حال فشلها إلى اللجوء لإجراءات دبلوماسية قد تصل إلى استدعاء سفيرها في أديس أبابا، أو تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي هناك، أو اللجوء لطلب تدخل دولي، سواء بتقديم شكوى لمجلس اﻷمن، أو طلب تدخل من دول بعينها لحسم الخلافات، التي رأت المصادر أنها في طريقها ﻷن تكون أزمة سياسية ثنائية، قد تتسع، وهو المعنى الذي أكدته كلمات السيسي في الأمم المتحدة. فيما لم يكن لدى المصادر ثقة بأن تلك الخطوات التصعيدية قد تجعل إثيوبيا أقل تعنتًا مما هي عليه اﻵن.

اعلان