مدخل لفهم ما يحدث في السويس
 
 

يوم الجمعة الماضي، كانت بداية انطلاق سلسلة من الاحتجاجات القوية في شوارع السويس، والتي استمرت لأكثر من يوم مطالبة بتغييرات سياسية واسعة.

وذكرت وسائل إعلام أن بعضًا من هذه الاحتجاجات شارك فيها أعداد بالمئات من المتظاهرين، وتخللتها اشتباكات مع قوات الأمن ومطالبات برحيل رئيس الجمهورية.

وجاءت الاحتجاجات استجابة لدعوة الفنان والمقاول محمد علي للتظاهر للمطالبة برحيل الرئيس عقب انتهاء قمة كأس السوبر لكرة القدم، بعد سلسلة من الفيديوهات التي بثها من إسبانيا انتقد فيها طريقة إدارة عبد الفتاح السيسي للبلاد. وقد استجاب أهالي محافظات عدة لهذه الدعوة، وكانت السويس من أبرزها، من حيث أعداد المشاركين وقوة الاشتباكات. وفي 20 سبتمبر الجاري، شهدت عدة مدن مصرية احتجاجات شارك بها المئات، فيما استمرت في السويس لليوم التالي؛ السبت الماضي. أعقب ذلك حملة أمنية شملت القبض على ما يقارب الـ 2000 شخص من مدن مختلفة حتى الآن.

تثير حالة السويس الحيرة والتساؤل فيما يتعلق بنشاطها الاحتجاجي الكبير، خصوصًا إذا عرفنا أن السويس ليست محافظة فقيرة قياسًا بمحافظات مصر إجمالًا. بلغ مستوى الفقر في السويس 20% في 2017/2018 مقارنة بمتوسط الفقر في مصر والذي وصل إلى 32.5% خلال العام نفسه، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

هذه المفارقة ليست جديدة. كانت السويس واحدة من أكثر المدن المصرية اشتعالًا وقت ثورة 2011. وقتها، كانت نسبة الفقر في السويس 3% فقط مقابل 25.2% في مصر كلها. لماذا إذًا تكون السويس على وجه التحديد واحدة من أكثر المناطق اشتعالًا؟

ميزانية بيت «علي»

يبلغ إجمالي الدخل الشهري لعلي السيد* 4000 جنيه، يتقاضاه من عمله في شركة السويس للأسمدة، وهو دخل متواضع يتحمل بمقتضاه مسؤولية الإنفاق على أسرة كاملة مكونة من خمسة أفراد.

وقت قيام الثورة في يناير 2011، كان إجمالي دخل السيد 1100 جنيه. لكن المناخ الديمقراطي خلال العامين التاليين لثورة يناير في مساعدة العمال على الضغط لتحسين دخولهم، وكان الفضل في قدرة العمال على تنظيم أنفسهم للتفاوض على تحسين الأجور يعود إلى نجاحهم في تأسيس نقابات مستقلة، مثل تجربة على السيد في نقابة السويس للأسمدة.

تأسست أول نقابة مستقلة في مصر عام 2008 على يد موظفي الضرائب العقارية، في مسعى لتأسيس تنظيمات عمالية خارج الاتحاد الرسمي للعمال الذي تتحكم فيه الأجهزة الأمنية. تلى نقابة الضرائب تأسيس كيانات مستقلة في العديد من مواقع العمل، لكن الطفرة الكبرى في إنشاء هذا النوع من الكيانات العمالية كانت بعد 2011.

نتيجة لهذا، ارتفع دخل السيد ليصل إلى 3000 جنيه في مارس 2013، أي بنسبة تفوق 172% عبر زيادات متعددة خلال هذه الفترة، وذلك بفضل الضغوط التفاوضية التي مارستها النقابة المستقلة التي تمّ تأسيسها في الشركة في فترة الحراك الثوري، ومارس فيها السيد دورًا قياديًا.

لم تكن هذه حالة منفصلة. بحسب دراسة أجرتها الباحثة داليا موسى على عينة من العاملين في القطاعين العام والخاص والعمالة غير المنتظمة، منشورة في كتاب «متى ينتهي الغلاء في مصر» الصادر عن دار «المرايا» فإن «أجور معظم المشاركين [في المسح] زادت في 2011 و 2012 نتيجة لعدد من الإضرابات والاعتصامات».

لكن الأمر لم يستمر على هذا النحو، فمثلما ازدهر عمل النقابة المستقلة بعد الثورة، تدهورت أحوالها خلال سنوات تراجع الحراك الثوري منذ 2013، مثل حال العديد من النقابات التي نشأت بعد الثورة وتوسعت جغرافيًا.

تعرضت نقابة السويس للأسمدة لممارسات التضييق المنهجي عبر رفض اعتماد أوراقها من قِبل وزارة القوى العاملة، الأمر الذي انتهى بتجميد تعاملاتها المالية من قِبل البنوك. وتراجعت قدرة العمال على الضغط والتفاوض بعد حل نقابتهم، وبالتالي لم يرتفع راتب السيد منذ 2013 وإلى الآن إلا بنحو 33% تقريبًا فقط في ستة سنوات، وذلك على الرغم من الارتفاع الكبير في نسبة التضخم خلال السنوات الماضية، منذ بدء الحكومة في تبني خطة تقشف اقتصادي شملت تحرير سعر صرف الجنيه والتراجع عن الكثير من برامج الدعم التي اعتادت الحكومات الالتزام بها.

وإذا أخذنا بالبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن أجر السيد الشهري يعد أقل من متوسط أجور العاملين في مصر في القطاع العام والحكومي والخاص، حيث يذكر الجهاز أن متوسط الأجر اﻷسبوعي للعاملين يبلغ 1104 من الجنيهات.

وبهذا الدخل المنخفض، يتحمل السيد مسؤولية أسرة تتكون من زوجة لا تعمل وأبناء ثلاثة في مراحل مختلفة من التعليم أكبرهم لا يزيد عمره عن 14 سنة.

يفسر العامل الأربعيني عدم قدرة زوجته على مشاركته في المسؤولية المالية للأسرة قائلًا إن «عمل النساء يمثل معضلة خاصة في السويس لأن العمل هنا قائم في الأساس على الصناعة الثقيلة عمومًا من قبيل الأسمدة والصلب والبترول على سبيل المثال فضلًا عن أن معظم المنشآت الصناعية تقع في مناطق خارج زمام مدينة السويس والتي يصعب على النساء الانتقال إليها».

لكن ما حدث للسيد يمثل حكاية تكررت بأشكال مختلفة في العديد من البيوت المصرية في مختلف المحافظات. إذًا، لماذا السويس؟

لماذا تتظاهر السويس؟ 

على الرغم من أن نسبة الفقر في السويس تنخفض كثيرًا عن النسبة العامة في مصر، لكن معدل زيادة هذه النسبة يمثل مدخلًا هامًا.

يوضح الشكل التالي مستوى تطور معدل الفقر في السويس في الفترة بين 2010-2011 و2017-2018 مقابل تطور الفقر في مصر إجمالًا خلال نفس الفترة. نسبة الفقراء إلى إجمالي السكان ارتفعت في مصر بنسبة 29% لكنها تضاعفت في السويس خلال تلك الفترة بمعدل 567%.

المصدر: بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء   

لا يتابع السيد بيانات جهاز الإحصاء. عندما عرف أن الأرقام الرسمية تقول إن السويس سادس أقل محافظة من حيث معدلات الفقر، اعتبر أن بيانات الدخل الإجمالي للسوايسة لا تعكس أحوال سكان المدينة «الأصليين». بحسب السيد، تتكرر حالة تعيين «الأغراب» في قطاعات عدة بالسويس، وهو ما يفسر سبب ارتفاع البطالة في المحافظة بالرغم من ازدهار العديد من الأنشطة الاقتصادية بها.

هذه النقطة تمثل مفارقة أخرى. على الرغم من انخفاض نسبة الفقر بشكل كبير في السويس مقارنة بباقي المحافظات، إلا أن معدل البطالة في السويس هو اﻷعلى في مصر كلها. تبعًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد بلغ معدل البطالة في السويس 22.3% في عام 2017. أي أن معدل البطالة في السويس يكاد يصل إلى ضعف معدل البطالة في مصر إجمالًا.

لا تتوفر بيانات تفصيلية عن هيكل العمالة في السويس وجذور العاملين بها لمعرفة دقة هذا الادعاء حول تفضيل «اﻷغراب». لكن طريقة قياس مؤشرات البطالة والفقر لا تستبعد إمكانية هذا الاحتمال. تعتمد منهجية مؤشر البطالة على أساس سؤال الأسرة عن مدى توفر فرص العمل ﻷحد أفرادها بغض النظر عن الموقع الجغرافي الذي يعمل فيه. إذا كان مواطنًا قاهريًا يعمل في السويس وأسرته تعيش في القاهرة، فإن بيانات عمله ستؤثر على معدل البطالة في القاهرة وليس في السويس. يختلف هذا عن طريقة قياس نسبة الفقر، والتي تعتمد على توجيه أسئلة للأسرة بشأن مستوى إنفاقها في السويس حيث تعيش اﻵن، بغض النظر عن مكان إقامتهم الأصلي. يسمح هذا بتفسير كيفية انخفاض نسبة الفقر وارتفاع نسبة البطالة في الوقت نفسه.

تقول هويدا أحمد*، وهي شاهدة عيان على الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت في السويس الجمعة الماضية، إن أزمة البطالة كانت السبب الرئيسي في دفع من تعرفهم من شباب منطقة الأربعين للمشاركة في التظاهرات الجديدة.

بحسب يحيى نجم الدين*، والذي يعمل كمحصل لرسوم مرور سيارات النقل في مشروع استغلال المحاجر ومواد البناء التابع لمحافظة السويس، فإن أهل مدينته يميلون أكثر من غيرهم للانضمام للاحتجاجات عمومًا وتصدرها، «لأن البلد دي خيرها مش لأهلها».

تاريخ طويل من الاحتجاج

تسارع نمو الفقر في السويس مع معدلات البطالة المرتفعة قد تفسر لنا مظاهرات السويس هذا اﻷسبوع، لكن لم تكن هذه هي المرة اﻷولى التي تشتعل فيها المحافظة. ثورة يناير انطلقت من هناك، وفيها سقط القتيل ثورة اﻷول. قبلها بعقود، لعبت السويس دورًا بارزًا كذلك في انتفاضة الخبز عام 1977، عندما خرجت قطاعات واسعة من المواطنين احتجاجًا على قرارات السلطة بخفض الدعم.

يضيف أنور فتح الباب، أستاذ التاريخ والقيادي في اتحاد المعلمين المستقل الناشط سابقًا في السويس، بعدًا آخر: «أهل السويس لهم طبيعة خاصة، تسمح بمضاعفة الشعور بالظلم الناتج عما يشعرون به من إهمال. يطلق عليها «نعرة سويسية»، ويرى أنها ساهمت بشدة في تعبئة الناس في الاحتجاجات عمومًا ضد السلطة».

«أبناء السويس يشعرون بالتميز الذي يشبه شعور أهل مدينة بورسعيد وعدد من أهالي المحافظات الحضرية عمومًا.. يعرفون أنفسهم كأولاد البلد على الدوام، في مواجهة غيرهم ممَن يعتبرونهم أغرابًا، بالرغم من أن النواة الصلبة للمدينة تنحدر من أصول متعددة من ضمنها الصعيد»، يقول فتح الباب.

ويضيف فتح الباب أن الحياة الثقافية المزدهرة في السويس، والتي يعود تاريخها إلى «دور المدينة في مقاومة الاستعمار البريطاني ومبادراتها الشعبية المتعددة فيما يشبه الإدارة الذاتية للمدينة بعد تداعي جهاز الشرطة هناك بعد هزيمة يونيو عام 1967، ودورها في مقاومة غزوها من قبل القوات الإسرائيلية في معركة 24 أكتوبر 1973».

فضلًا عن ذلك، يشير فتح الباب إلى أن «النظام الناصري كان قد أسس مبكرًا في المدينة ما يسمى بالجامعة الشعبية وثاني معهد اشتراكي في مصر [مؤسسة تثقيفية تابعة للاتحاد الاشتراكي]، وهو ما ساهم في استمرار الحياة السياسية في المدينة التي عرفت السياسة قبل ذلك عبر التيارات السياسية التي نشطت قبل ذلك من قبيل الشيوعيين والإخوان و[حزب] مصر الفتاة، وهو أمر استمر حتى في عهد [الرئيس اﻷسبق حسني] مبارك، والذي شهد عهده حملة التضامن [في السويس] مع الشعب اللبناني والفلسطيني وقت الغزو الإسرائيلي عام 1982 على سبيل المثال»، بحسب فتح الباب الذي يرى أن السويس لديها ثقافة متميزة على مدار تاريخها أهلتها لأن تكون شرارة الاحتجاج في مصر على مدار عقود طويلة.

* هذه اﻷسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها خوفًا من تعرضهم ﻷي عواقب بسبب حديثهم.

اعلان
 
 
بيسان كساب