مزيد من الحجب: نحو مصر بلا إنترنت؟
دليلك لفهم الحجب غير المفهوم
 
 
 

منذ ليلة الخميس 19 سبتمبر، الليلة السابقة ليوم التظاهرات التي دعا لها المقاول والفنان محمد علي، شهد مستخدمو الإنترنت في مصر اضطرابات في تصفحهم للمواقع المختلفة. بدأ الأمر بملاحظة أن عددًا من المواقع المحجوبة، مثل «مدى مصر»، و«الجزيرة»، و«رصيف22»، تعمل بشكل طبيعي على شبكات إنترنت مختلفة، وهو ما لم يدم إلا ساعات قليلة. 

في اليوم التالي، بدأت مظاهرات في عدة مدن مصرية، وانضمت مواقع جديدة لنادي المحجوبين/المخنوقين: «بي بي سي عربي»، «الحرة»، «فيسبوك»، «ماسنجر»، و«تويتر». بالإضافة إلى ذلك، حُجبت إحدى خدمات شركة Cloudflare التي تحمي عملائها من الهجمات الإلكترونية، ومن بينها الحجب.

ورصدت شبكة «نت بلوكس» لمراقبة أنشطة الإنترنت حجب بعض خوادم محتوى فيسبوك، كما رصدت أيضًا مواجهة ما يقرب من 40% من مستخدمي تويتر مشاكل اتصال بالموقع. يتفق ذلك مع شكاوى المستخدمين المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتركز حول فيسبوك ماسنجر. تواصل «مدى مصر» مع المكتب الإعلامي الخاص بكلا الموقعين، فرفض مكتب تويتر التعليق، ولم يرد مكتب فيسبوك حتى كتابة هذه السطور.

اﻷمر الواضح حتى اﻵن هو أن اﻹنترنت يشهد باقة متنوعة من المشاكل. إليكم الدليل لفهم ما يحدث.

كيف يحدث الحجب؟

الإجابة السريعة: لا أحد يعلم؛ الجهة المسؤولة عن الحجب مجهولة، وتتباين أساليب حجب المواقع – خاصةً في الأسبوع الماضي – بشكل لا يمكن من خلاله رصد أي نمط، باستثناء الدافع وراء الحجب. الإجابة الطويلة تحتاج إلى شرح تقني مبسط لكيفية عمل الإنترنت.

فكر في عملية الاتصال بموقع كأنها مكالمة تليفونية ترغب في إجرائها مع خط ساخن لمطعمٍ ما، يستطيع تلقي مكالمات أشخاص كثيرين ويتعامل معها جميعًا في وقتٍ واحد، بحد أقصى مساوٍ لعدد موظفي خدمة العملاء.

عند كل محاولة لفتح صفحة جديدة على الإنترنت، تبدأ سلسلة من العمليات الدقيقة لتوصيلك بهذا الموقع، تبدأ بترجمة اسم الموقع الذي كتبته (facebook.com) إلى عنوان الموقع (IP address) على شبكة الإنترنت الذي يكون على هذه الصورة (69.171.240.0). لكل موقع عنوانه الخاص به، تشبه هذه العملية استخدام دليل الهاتف للحصول على رقم المطعم، لكننا نسمي هذا الدليل نظام أسماء النطاقات DNS أو Domain Name System.

بعد الحصول على عنوان الموقع (معادل رقم الهاتف)، تبدأ عملية الاتصال به عبر إرسال حزم بيانات وفقًا لبروتكول يُدعى بروتوكول التحكم بالنقل TCP. في هذه الحزم، هنالك مساحة مخصصة لقيمة اسمها reset flag. هذه القيمة توضح ما إذا تم الاتصال بشكل سليم، أو حدوث مشكلة فيه.

عملية الحجب لا مركزية، ويختلف أداء الموقع المحجوب باختلاف مقدمي خدمة الإنترنت، لكن الأنماط الثلاثة التي رصدها أحد خبراء الأمان الرقمي الذي تواصل معه «مدى مصر» كانت كالآتي:

  1. هجمات Reset: وهو تدخل الجهة المسؤولة عن الحجب وعبثها في حزم بيانات الاتصال، لتغيير قيمة الـ Reset لتوحي بفشل الاتصال، وهي الطريقة التي حُجب بها موقع «الحرة».
  2. العبث في نظام أسماء النطاقات DNS Tampering: وهو العبث بدليل هاتف الإنترنت، ومنعه من إظهار عنوان المواقع التي ترغب في الاتصال بها، وهي الطريقة التي تُحجب بها بعض خوادم محتوى فيسبوك الآن. تقدم شركة Cloudflare للأمان الرقمي خدمة استخدام DNS آمن لتصفح الإنترنت، يُمكن اعتباره أحد وسائل تخطي الحجب، لكنه حُجب هو الآخر في الأيام الأخيرة.
  3. الخنق Bandwidth Throttling: خنق الاتصال بأحد المواقع، وإبطائها عمدًا، كأن يشغل أحدهم غالبية موظفي خدمة العملاء في مطعم، ويترك اثنان فقط للتعامل مع طلبات العملاء الحقيقيين، وهي الطريقة التي حُجب بها موقع «بي بي سي العربي».

من يقوم بالحجب؟

لم يكن رئيس المجلس الأعلى للإعلام، مكرم محمد أحمد، على دراية كاملة بأمر الحجب عندما تواصلت معه «بي بي سي» لتستفسر عما حدث. لم يكن أُخطر بعد بشكل رسمي بالمواقع التي حُجبت، إلا أنه كانت لديه معلومات أولية عن حجب عدة مواقع نشرت أخبارًا «غير دقيقة» عن المظاهرات. بي بي سي كانت أوفر حظًا من «الحرة» التي «لم يتسن [لها] الحصول على تعقيب من المسؤولين في مصر».

كان المجلس الأعلى للإعلام أصدر لائحة جزاءات في مارس الماضي، منحته سلطة حجب المواقع. وبعد اعتماد هذه اللائحة، نُسبت أخبار الحجب المختلفة بشكل مستمر إلى المجلس، مع توضيح أسباب الحجب، لكن «ترجيح» مكرم أن تكون السلطات المصرية حجبت بعض المواقع الإخبارية دون علمه، يعيدنا من جديد إلى أيام ما قبل هذه اللائحة. موقع «مدى مصر»، الذي كان من بين أوائل المواقع المحجوبة منذ مايو 2017، لم يتمكن إلى الآن من تحديد أساس قانوني للحجب يمكنه من الطعن عليه، أو الجهة التي تقف وراءه. ولم يكن لدى أي من الجهات التي اختصمها أمام مجلس الدولة -رئيس الجمهورية، وزير الدفاع، رئيس جهاز المخابرات العامة، وزير الداخلية رئيس المجلس اﻷعلى لتنظيم الإعلام- ما تقوله بشأن الحجب.

كانت السلطات المصرية قد بدأت ممارسة نشاط حجب المواقع منذ 24 مايو 2017، بدأت القائمة حينها بـ 21 موقعًا، وتزيد الآن عن 535 وفقًا لقائمة المواقع المحجوبة التي أعدتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، التي لا تشمل بعض المواقع المحجوبة مؤخرًا.

هل نشهد مزيدًا من الحجب؟ هل يُقطع الإنترنت؟

اختلفت مصادرنا في تقييم قدرات الجهات المسؤولة عن الحجب. يرى أحدهم أن حجب مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كامل يفوق قدراتهم نظرًا لامتلاك هذه المواقع نطاق واسع من عناوين IP، وتغيرها بشكل مستمر. بينما يرى آخر أنه من السهل عليهم أن يحجبوها، ففي نهاية الأمر هذه العناوين مُتاحة لمن يرغب في معرفتها، وبإمكانهم ببساطة تحديث نطاق العناوين المحجوبة كلما تغيرت عناوين IP الخاصة بهذه المواقع. وأضاف أن بمقدرتهم التحكم في نطاق الحجب الجغرافي، سواء كان ذلك على مستوى المحافظات أو حتى على مستوى الأحياء داخل المحافظات. يتماشى ذلك مع ما رصده أحد مصادرنا في سيناء، والذي أبلغنا بتوقف تويتر بشكل كامل يوم 23 سبتمبر الماضي لدى عددٍ من المستخدمين.

لا يمكننا تقدير الخسائر الناتجة عن حجب مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعتمد عليها الكثير من الشركات في الدعاية لمنتجاتها، لكن كلفة قطع الإنترنت في مصر عام 2011 قُدرت بـ 18 مليون دولار في اليوم الواحد وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أي أن الفاتورة الإجمالية وقتها قد بلغت 90 مليون دولار من الخسائر.

ما العمل؟

بخصوص تخطي الحجب أثناء تصفح الإنترنت، ننصحك باستخدام متصفح Opera على الكمبيوتر الخاص بك، فهو يحتوي على خاصية VPN التي تتيح لك تخطي الحجب، بإمكانك تفعيلها من الإعدادات بالضغط على علامة Opera أعلى يسار المتصفح، ثم اختر اﻹعدادات settings من القائمة. بعدها اكتب في خانة البحث أعلى يمين الصفحة VPN، وسيظهر لك خيار تفعيله، بإمكانك أيضًا استخدام متصفح Tor على هاتفك المحمول (متاح لهواتف الأندرويد فقط).

مع استمرار حجب تطبيقات الرسائل، وحجب البدائل الآمنة، وحجب بدائل البدائل، قد نضطر إلى اللجوء إلى بدائل لا تعتمد على الإنترنت بالأساس، خاصةً إذا وصلنا إلى نقطة قطعه سواء كان ذلك بشكل كلي أو جزئي. الباحث التقني أحمد غربية كتب دليلًا شرح فيه اعتماد بعض التطبيقات مثل FireChat على خلق شبكة بين هواتف مستخدميها باستخدام الـ Bluetooth والـ Wifi حتى في حالة عدم اتصال الأجهزة بإنترنت، مثله مثل تطبيق Briar. تذكر أن هذه التطبيقات تحتاج إلى إنترنت كي تحملها على هاتفك، فلا تتأخر عن فعل ذلك.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن