دفاعًا عن الصورة الفقيرة
 
 
لقطات من فيديو صوره واحد من أهالي مدينة السويس، من شرفة منزله، لعملية الكر والفر بين الشرطة ومتظاهرين مساء الجمعة 20 سبتمبر 2019، قبل أن يُلقى القبض عليه أثناء التصوير.
 

من فيديوهات منخفضة الجودة تابعنا هذا الأسبوع مستجدات الشأن العام في مصر، أبرزها كانت فيديوهات المظاهرات المناهضة للنظام، والتي اندلعت بدءًا من الجمعة الماضية. ليست هناك صورة واحدة ملتقطة بكاميرات محترفة توثّق الحدث، بل فيديوهات بكاميرات موبايلات، تنتج صورة مهزوزة، لكن تجري مشاركتها بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، كبديل عن التقرير التلفزيوني الصحفي المعتاد، والذي يصعب صناعته في ظل التضييقات الأمنية. هنا نقدّم ترجمة لنص هيتو شتايرل المؤسس في التعاطي مع مفهوم وجماليات الصورة الفقيرة. نُشر الأصل الإنجليزي في مجلة  e-flux، في نوفمبر 2009.

يُنشر النص بالتعاون مع مشروع مُدام؛ محاولات في التّرجمة الجماعيّة لنصوص منتقاة حول الحدث التّصويريّ، الصّورة وعمليّة مشاهدتها أو قراءتها. الترجمة منشورة بإذن من المؤلفة.

***

الصّورة الفقيرة نسخةٌ متناقلة، جودتها سيّئة ودرجة دقّتها دون المستوى المطلوب، وكلّما زادت سرعة تناقلها ازداد تدهورها. إنّها شبح صورة، عرضٌ مُسبق عنها، مصغّرُ صورة، فكرةٌ ضالّة، صورة جوّالة مجّانيّة التّوزيع، تشقّ طريقها عبر اتّصالات رقميّة بطيئة، مضغوطة، مُسْتَنْسَخَة، ممزّقة، معدّلة، كما أنّها متعرِّضة لسلسلة من عمليّات النّسخ واللّصق في قنوات توزيع مختلفة.

إنّها خرقة أو مَزق، تحمل صيغة AVI أو JPEG، بروليتاريا رثّة في مجتمع المظاهر الطّبقيّ، يجري تقييمها تبعًا لدرجة دقّتها. لطالما خضعت الصّورة الفقيرة إلى عمليّات رفع وتنزيل ومشاركة وتغيير صيغة وتعديل. إنّها تستبدل ميّزة الجودة بإتاحة الوصول [إليها]، والقيمة الاستعراضيّة بالقيمة الطقوسيّة[1]، والأفلام بمقاطع الفيديو، والانطباع التّأمّليّ بالانطباع المُربِك. الصّورة الفقيرة متحرّرة من أقبية السّينما والأرشيفات ومدفوعة في لا يقين رقميّ على حساب جوهرها، وتميل نحو التّجريد، فهي منذ البداية فكرةٌ بصريّة.

الصّورة الفقيرة هي نتاج [أنظمة حواسيب] الجيل الخامس لإصدار رديء عن صور أصليّة، سلالتها غير معروفة، وأسماء الملفّات [الرّقميّة] التي تُصنَّف ضمنها مُحرّفة قصدًا، وغالبًا ما تتحدّى الإرث الأبويّ والثّقافة الوطنيّة، وبالأخصّ حقوق النّشر. إنّها تمضي على هيئة إغراء، خديعة، مؤشّر أو تذكار لما كانت عليه هيئتها البصريّة السّابقة؛ إنّها تهزأ بوعود التّقنية الرّقميّة. لا ينتقِص من قدرها مجرّد اعتبارها صورة ضبابيّة أُخذت على عجل فقط، بل لربّما يتساءل المرء ما إذا كان من الممكن تسميتها صورة من الأساس. وحدها التّقنية الرّقميّة، في المقام الأوّل، قادرة على خلق صورة بهذا التّهلهل.

الصّور الفقيرة هي معذّبة الشّاشة المعاصرة، حطام الإنتاج المرئيّ-المسموع، القمامة التي تنتهي إلى شواطئ الأنظمة الاقتصاديّة الرّقميّة، إنّها تشهدُ على التّشرّد والانتزاع المكانيّ العنيف الذي تتعرّض له الصّور من خلال تسارعها وتداولها ضمن دائرة رأسمال المرئيّ-المسموع المفرغة. تجوب الصّور الفقيرة أنحاء العالم باعتبارها أغراضًا أو تمثيلات هجائيّة لها أو باعتبارها مكافآت؛ إنّها تنشر اللّذّة أو ذُعْر التّهديدات، نظريّات المؤامرة أو التّداول غير الشّرعيّ للبضائع، المقاومة أو فقدان الحماس. تُظهر الصّور الفقيرة النّادر والواضح واللّا معقول، هذا إذا كان ما يزال بإمكاننا فكّ شِيفرتها.

  1. دقّة منخفضة

تظهر الشّخصيّة الرّئيسة في أحد أفلام وودي آلن بصورة مشوّشة[2]، دون أن يكون ذلك ناتجًا عن مشكلة تقنيّة، بل عن مرضٍ نزل بها وأدّى إلى تشوّش صورتها بشكلٍ ثابت. تسبّب هذا المرض بمشكلة أساسيّة للشّخصيّة التي يمثلّها آلن، فقد أصبح في ضوئه غير قادر على إيجاد عمل. يتحوّل ضياع التّعريف هذا إلى مشكلة مادّيّة. يدلّ وضوح صورة الشّخص على مكانته، وهي مكانة راحة وامتياز، في حين أنّ الصّورة المشوّشة تقلّل من قيمة الشّخص الصّوريّة.

التّراتيبّة المعاصرة للصّور لا تعتمد بأيّ حال من الأحوال فقط على درجة الحدّة (sharpness)، إنّما تعتمد أيضًا وبشكلٍ أساسيّ على درجة الدّقّة (resolution). بإمكاننا فقط النّظر إلى أيّ متجر إلكترونيّات ليصبح هذا النّظام التّراتبيّ، كما يصفه هارون فاروقي في مقابلة أجراها عام 2007، واضحًا دون عناء[3]. في مجتمع الصّور الطّبقيّ، تأخذ السّينما دور المتجر الرّئيس. في المتاجر الرّئيسة، تُسوَّق المنتجات فائقة الجودة في بيئة باهظة الثّمن، أمّا بعض النُّسخ الأرخص ثمنًا للصّور ذاتها فيمكن تداولها ضمن أقراص DVD، ومن خلال البثّ التّلفازيّ، أو الإنترنت باعتبارها صورًا فقيرة.

دون أدنى شكّ، تبدو الصّور ذات الدّقّة العاليّة أكثر نضارة وإثارة للإعجاب، أقرب لهيئة الغرض الذي تصوّره، وأشدّ سحرًا، وأكثر إغراءً وترويعًا من الصّور الفقيرة، بإمكاننا القول إنّها أغنى. رغم أنّ أذواق المستهلكين تقترب تدريجيًّا من أذواق السّينمائيّين ومهووسي الجمال الذين يصرّون على الحصول على فيلم 35 ملم لضمان أصالة الصّورة. تكرّس الخطاباتُ المتعدّدة المتعّلقة بالسّينما الإصرارَ على الفيلم التّناظريّ (analog film) باعتباره الوسيط الوحيد للتّعبير عن أهميّة المرئيّ، وغالبًا ما يأتي هذا الإصرار دون اعتبار لتبعات هذه النّزعة الإيديولوجيّة. لم تُؤخذ قطّ على محمل الأهمّيّة حقيقةُ رسوخ اقتصاديّات إنتاج الأفلام فائقة الجودة وباهظة الثّمن هذه في كلّ من أنظمة الثّقافة الوطنيّة، وإنتاج الاستوديوهات الرّأسماليّة، وتقديس العبقريّة كصفة تُنسب للمذكّر، والنّسخة الأصليّة، ممّا يعني صرامتها غالبًا في التّمسّك ببنيتها. وَصَلَ الوَلَع بالدّقّة إلى درجة اعتبار مقدار نقصها يعادل ضَعف رجولة المؤلّف، لقد سيطرت عبادة معايير الفيلم حتّى على صناعة الأفلام المستقلّة. أنشأت الصّورة الغنيّة نظامها التّراتبيّ الخاصّ، وذلك في حضرة التّقنيّات [الرّقميّة] التي تتيح المزيد من احتماليّات التّقليل من قدرها بطرق إبداعيّة.

مراسم إبادة مجموعة أقراص DVD غير شرعيّة متداولة، نظّمها رئيس بلديّة بويبلا في ​المكسيك

  1. الانبعاث (على هيئة صورٍ فقيرة)

ولكن، نجم عن التّمسّك بالصّور الغنيّة عواقب أكثر جدّيّة: رفض أحد المتحدّثين أن يعرض مقاطعَ من أحد أعمال هامفري جِنينغز في أحد المؤتمرات التي نُظّمت في الآونة الأخيرة حول الفيلم البحثيّ (film essay)، وذلك بسبب عدم توفّر وسيلة مُرضية لعرض الفيلم. على الرّغم من توفّر قارئ DVD وجهاز عرض فيديو تحت تصرّف المتحدّث، فقد أُلقيت على الجمهور مهمّة تخيّل الصّور وتخمين فحواها.

بإمكاننا القول إنّ الصّور في هذه الحالة حُجبت بخيارٍ طوعيّ وبناءً على أسس جماليّة، ولكنّها جاءت ضمن معادلة أكثر شمولًا قائمة على عواقب السّياسات النّيوليبراليّة. قبل عشرين أو ربّما ثلاثين عامًا، بدأت إعادة هيكلة الإعلام النّيوليبراليّة بإقصاء التّصاوير غير التّجاريّة ممّا أدّى إلى تغشية الأنظار عن السّينما التجّريبيّة والبحثيّة لتصبح بالكاد مرئيّة. أصبح من المستحيل تكبّد تكاليف عرضها الباهظة وتناقلها في السّينمات، واعتُبرت منزلتها هامشيّة فلم تُعرض على شاشات التّلفاز. لذلك، شَهِدناها تنحدر ببطء لا من السّينمات فحسب، إنّما من الحيّز العامّ أيضًا. ظلّت الأفلام التّجريبيّة ومقاطع الفيديو البحثيّة بعيدة عن الأنظار معظم الوقت ما عدا عرضها نادرًا في متاحف الأفلام المتروبوليّة أو نوادي الأفلام: تُعرض بجودتها الأصليّة ومضةً قبل أن تختفي مجدّدًا في غياهب الأرشيف.

ارتبط هذا التّطور بالتّطرّف النّيوليبراليّ في تناوله للثّقافة كبضاعة وتسليعه للسّينما وتشتيتها في مجمّعات متعدّدة الصّالات [والشّاشات]، وفي تهميشه لصناعة الأفلام ككلّ. كما أنّه ارتبط بإعادة هيكلة صناعة الإعلام العالميّة ونشوء احتكارات حول الإنتاج المرئيّ-المسموع في بلاد أو مناطق معيّنة. وبهذه الطّريقة، اختفت المواد البصريّة المقاومِة أو المنشقّة عن التّيار السّائد من السّطح واتّجهت نحو دهاليز أرض الأرشيفات والمجموعات البديلة، التي بقيت حيّة بفضل شبكة من المؤسّسات الملتزمة والأفراد الذين اهتمّوا بتعميم نسخ أشرطة VHS بين بعضهم. كانت مصادر هذه الأشرطة شحيحة. تنقّلت من يدٍ إلى يد تبعًا لما تناقلته الألسن في دوائر الأصحاب والزّملاء. ومع إتاحة بثّ الفيديوهات عبر الإنترنت، تبدّل هذا الوضع بشكلٍ ملحوظ. تزايد عدد المواد النّادرة التي عادت إلى الشّاشات من جديد عبر منصّات متاحة للجمهور؛ بعضها ينتقي هذه الموادّ بعناية مثل موقع Ubuweb، والبعض الآخر عبارة عن كومة عشوائيّة من الأشياء مثل يوتيوب.

بيوت افتراضيّة كما تخيّلها كريس ماركر في الحياة الثّانية، 29 أيّار، 2009

في الوقت الرّاهن، يتوفّر في الإنترنت عشرون ملفّ تُورنت -على الأقلّ- لأفلام كريس ماركر البحثيّة. وإذا رغبت بتنسيق عرض استعاديّ متسلسل، سيكون بوسعك تنفيذ هذه الفكرة. ولكن، ينطوي اقتصاد الصّورة الفقيرة على ما يتجاوز إمكانيّة تنزيلها الرّقميّ: بإمكانك الاحتفاظ بالملفّات، مشاهدتها مرّة أخرى، بإمكانك حتّى إعادة تحريرها أو تحسينها لو ألحّت الحاجة. وهكذا تتعمّم النّتائج. يتبادل مستخدمو شبكات النّدّ للنّدّ (P2P) شبه السّرّيّة ملفّات AVI سيّئة الجودة لأعمال عظيمة شبه منسيّة، وتُسَرِّب الهواتف المحمولة مقاطع فيديو من المتاحف وتبثّها عبر يوتيوب، كما تتمّ مقايضة نسخ من أقراص DVD لأعمال يقتصر تداولها بين الفنّانين والفنّانات فقط.[4] لقد بُعثت العديد من الأعمال السّينمائيّة الطّليعيّة (الأڤانغارد) والبحثيّة وغير التّجاريّة إلى الحياة على هيئة صور فقيرة، سواء طابَ لها ذلك أم لا.

  1. الخصخصة والقرصنة

تتجلّى أهميّة عودة ظهور هذه البصمات النّادرة للأعمال السّينمائيّة الكلاسيكيّة والتّجريبيّة والمناضلة وكذلك لفنّ الفيديو على هيئة صور فقيرة في مَكْمَنٍ آخر. تكشف حالة هذه المواد ما يتعدّى مضمون الصّور ذاتها أو هيئتها، لتُفصح أيضًا عن الظّروف التي أدّت إلى تهميشها وكوكبة القوى الاجتماعيّة التي ساهمت في تعميمها عبر الإنترنت على هيئة صور فقيرة.[5] إنّها صورٌ فقيرة لأنّ مجتمع الصّور الطّبقيّ لم يمنحها أيّ قيمة: مكانتها كصور غير مشروعة أو فاسدة هي ما يمنحها إعفاءً من معاييرها. ما تفتقره هذه الصّور من درجة وضوح يشهد على أوضاع حيازتها وتناقلها.[6]

من الواضح أنّ هذا الظّرف لا يتعلّق بإعادة هيكلة النّيوليبراليّة للإنتاج الإعلاميّ والتّكنولوجيا الرّقميّة فقط، إنّما يمتدّ إلى إعادة هيكلة أنظمة ما بعد الكولونياليّة وما بعد الاشتراكيّة للدّول القوميّة وثقافتها وأرشيفاتها. فيما تتفكّك بعض دول القوميّة أو تتهاوى، تنبلج ثقافات وعادات جديدة ويُسَجَّلُ تاريخ جديد. وبطبيعة الحال، يخلّف هذا التّحوّل أثرًا على أرشيفات الأفلام: ميراث شامل من أشرطة الأفلام، في حالات كثيرة، يظلّ خارج أيّ إطار ثقافيّ وطنيّ ممنهج وداعم. يستطيع الأرشيف القوميّ أن يستنسخ حياته لتكون عودته في محلّات تأجير الأفلام، وهذا ما توصلّتُ إليه من خلال تجربتي في متابعة ما أضحى عليه متحف الفيلم في ساراييفو.[7] تدلف النّسخ المقرصنة من هذه الأرشيفات من خلال الخصخصة غير المنظمّة، حتّى المكتبة البريطانيّة، بالمقابل، تبيع محتوياتها عبر الإنترنت بأسعار ضخمة.

كما أشار كودوا إيشون، تتجوّل الصّور الفقيرة جزئيًّا في الفراغ الذي تركته منظّمات السّينما الحكوميّة، تلك التي تتعسّر عليها مهمّة إدارة أرشيف أفلام يحتوي على نسخ بصيغة 16 أو 35 ملم، أو الحفاظ على أيّ بنية تحتيّة للتّوزيع في العصر الرّاهن.[8] وكما يبدو من هذا المنظور، تكشف الصّورة الفقيرة عن تراجع وتدهور في الفيلم البحثيّ، أو في الحقيقة كلّ ما يقع في خانة السّينما التّجريبيّة وغير التّجاريّة؛ وكان تفويض مهمّة إنتاج الثّقافة للدّولة هو ما سمح لهذا التّدهور بالحدوث في معظم الحالات. تنامت أهميّة خصخصة الإنتاج الإعلاميّ تدريجيِّا لتتفوّق على الإنتاج الذي تهيمن عليه الدّولة ويُبثّ برعايتها. ومن ناحية أخرى، إنّ خصخصة المحتوى الفكريّ المتفشيّة إلى جانب التّسويق عبر الإنترنت والتّسليع تتيح القرصنة والاستيلاء، ويتمخّض عن ذلك تداول الصّور الفقيرة.

  1. سينما غير مثاليّة

يذكّر ظهور الصّور الفقيرة بأحد البيانات الكلاسيكيّة بعنوان من أجل سينما غير مثاليّة الصّادر عن حركة السّينما الثّالثة[9]، الذي كتبه السّينمائيّ خوان غارسيّا إسبينوزا في أواخر السّتينات في كوبا[10]. يدافع إسبينوزا عن السّينما غير المثاليّة بقوله «أنّ السّينما المثاليّة، المُتقنة فنيًّا وتقنيًّا، هي غالبًا سينما رجعيّة.» بينما تسعى السّينما غير المثاليّة لمحو تقسيمات العمل في المجتمع الطبقيّ، ودمج الفنّ في الحياة والعِلم، مقلّصةً التّفاوت بين المُستهلك [المُشاهد] والمُنتج [صانع الأفلام]، وبين الجمهور والمؤلّف، متشبّثةً بعيبِها ونقصِها؛ هي سينما شعبيّة لكنّها غير استهلاكيّة، وملتزمة دون أن تصبح بيروقراطيّة.

يتفحّص إسبينوزا في بيانه أيضًا وعود الميديا الجديدة، إذ يتكهّن أنّ تطوّر تقنيّة الفيديو سيهدّد مكانة صُنّاع الأفلام النّخبويّين والتّقليديّين، ويتيح المجال لإنتاج أفلام جماهيريّ: فنّ للشّعب. تسير السّينما غير المثاليّة على خطى اقتصاد الصّورة الفقيرة، فتُضعف من التّفاوت بين المؤلّف والجمهور، وتدمج الفنّ بالحياة. تساوم السّينما غير المثاليّة على جانبها المرئيّ، فتطرَحه في الغباش لا متقنًا، خادعًا.

يتجاوب اقتصاد الصّور الفقيرة إلى حدٍّ ما مع مواصفات السّينما غير المثاليّة، بينما يمثّل وصف السّينما المثاليّة فكرة السّينما كمتجر رئيس. لكنّ السّينما غير المثاليّة الحقيقيّة والمعاصرة تفوق بتأثيرها وبتناقُضها تكهّن إسبينوزا، إذ يُتيح اقتصاد الصّور الفقيرة من جهة انخراط عدد أكبر من المُنتجين عن ذي قبل، وذلك بسبب قدرتها السّريعة على الانتشار حول العالم بالإضافة إلى ممارسات الرّيمكس (المزج) والحيازة المتعلّقة بها. من جهة أخرى، هذا لا يعني أنّ هذه الإمكانيّات تقتصر على تحقيق غايات تقدميّة فقط! يشقّ كلّ من خطاب الكراهيّة والبريد الإلكترونيّ غير المرغوب به (spam) وغيره من المُهملات طريقها عبر الاتّصال الرّقميّ، وقد صار التّواصل الرّقميّ أيضًا أحد الأسواق المتنازع عليها؛ منطقة لطالما تعرّضت لتراكم متواصل ومبتكر وكثيف ـ وإلى حدٍّ ما ناجح ـ من محاولات الخصخصة.

بالتّالي تُشكّل الشّبكات التي يتمّ فيها تداول الصّور الفقيرة منبرًا لمصالح عامّة جديدة هشّة، ومُعتركًا لأجندة قوميّة وتجاريّة، وتضمّ موادّ فنيّة وتجريبيّة، وكمًّا هائلًا من البورنو والبرانويا (الإباحيّة والارتياب). من جهةٍ، يُتيح حيّز الصّور الفقيرة إمكانيّة الوصول إلى تصاوير مُستثناة والحصول عليها، لكنّها أيضًا مُخترقةٌ بواسطة أحدث تقنيات التّعديل المُتطوّرة. فهي تخوّل المُستخدمين الاشتراك في خلق المحتوى وتوزيعه وتجرّهم نحو الإنتاج، ليلعبوا دور محرّر الصّورة، وناقدها، ومترجمها، والمتورّط في صناعتها.

إنّ الصّور الفقيرة صورٌ شعبيّة. صورٌ يمكن للغالبيّة صناعتها ومشاهدتها؛ صورٌ تعكس كافّة تناقضات الجمهور المعاصر: انتهازيّته، ونرجسيّته، ورغبته في الإنتاج والحكم الذّاتي، وعدم قدرته على التّركيز أو الإصرار، واستعداده الدّائم لانتهاكٍ ولإذعانٍ متزامنين.[11] تعبّر الصّور الفقيرة جملةً عن حالة الجمهور الوجدانيّة، وعن اضطرابه وارتباكه وذعره، وعن تعطّشه للحماسة واللّهو والتشتّت. تشير حالة هذه الصّور لا فقط إلى عمليّات النّقل والتّعديلات التي لا تُحصى، بل إلى الأشخاص الكثيرين الذين أبدوا حرصًا تجاهها فحوّلوها من صيغة إلى أخرى وأضافوا لها ترجمات وأعادوا تحريرها، لرفعها من جديد.

في ضوء هذه الحالة، ربّما ينبغي على المرء أن يعيد تعريف قيمة الصّورة، أو بالأحرى، أن يختلق منظورًا جديدًا يعاينها من خلاله. بعيدًا عن أهميّة الدّقّة والمقايضة، يمكننا تخيّل شكلًا آخر للقيمة تحدّده السّرعة، والكثافة، والانتشار. تُعتبر الصّور الفقيرة فقيرةً بسبب حجمها المضغوط بقوّة ولأنّها تنتقل بسرعةٍ، فتخسرُ من مادّتها وتكسب سرعة؛ لكنّها أيضًا تعكسُ حالة من تقويض المادّيّة، مُتشاركة لا فقط في إرث الفنّ المفاهيميّ، بل، وقبل كلّ شيء، في أحوال الإنتاج السيميائيّ المُعاصرة[12]. يعمل تحوّل سيميائيّات رأس المال، كما يصفه فيليكس غوتاري[13]، لصالح خلق وبثّ حُزم معلوماتيّة مضغوطة وسهلة الحركة، ويمكن دمجها في مقاطع وتوليفات دائمة التّجدّد.[14]

إنّ حصر المضمون البصريّ هذا – مفهوم تحوّل الصّور الدّائم غير المُدرِك لذاته – يموضع الصّور الفقيرة داخل تحوّلات معلوماتيّة عامّة، وضمن اقتصاديّات معرفة تجتثّ كلّ من الصّور والنّصوص المُرافقة لها من سياقها، وترمي بها في دوّامة التّغريب والإقصاء الدّائمين في حلقة الرّأسماليّة.[15] يصف تاريخ الفنّ المفاهيميّ تقويض ماديّة الغرض الفنّيّ أوّلاً كحركة مقاومة ضدّ قيمة الوَلَع الكامنة في قابليّة الرّؤية، لينتهي هذا الغرض الفنّي المقوّضة مادّيّته متكيّفًا مع سيميائيّات رأس المال وتحوّلاته المفاهيميّة[16]. قد تُعتبر الصّورة الفقيرة أيضًا رهينة توتّرٍ شبيه. من جهةٍ، تتمرّد هذه الصّورة على قيمة الوَلَع الكامنة في الدّقة العالية، ومن جهةٍ أخرى، يفسّر هذا الأمر بالتّحديد لماذا تؤول للاندماج في رأسماليّة معلوماتيّة تزدهر على فترات موجزة من الانتباه، وعلى مجرّد تظاهر بدلًا من عزم، وعلى انفعال عوضًا عن تأمّل، وعلى معاينة [الملفّ] بدلًا من عرض [سينمائيّ].

  1. يا رفيق، إلى أيّ رابطة بصريّة تنتمي اليوم؟

لكن في الوقت ذاته، يحدث انعكاس مُفارق: يولّد تداول الصّور الفقيرة دائرة تلبّي الطّموحات الأولى في سينما مقاومة (وبعض نماذج) السّينما البحثيّة والتّجريبيّة من أجل إيجاد منظومة بديلة لاقتصاد الصّور، هي سينما غير متكاملة متواجدة داخل ووراء وتحت جميع تيّارات الميديا التسويقيّة. في زمن مشاركة الملفّات، تُتَداول حتّى المضامين المهمّشة وتُعيد تواصل الجماهير المشتّتة في جميع أنحاء العالم.

بالتّالي تُنشئُ الصّورة الفقيرة شبكات دوليّة مجهولة المصدر كما أنّها تخلق تاريخًا مُشتركًا، وتبني خلال رحلتها حُلفاءً، وتستحثّ التّرجمة أو إساءة التّرجمة، وتخلق جماهيرَ ونقاشات جديدة. وبخسارتها لجوهرها المرئيّّ، تستردّ الصّورة الفقيرة جُزءًا من قوّتها السّياسيّة وتحيطها بهالةٍ جديدة. لا تعود هذه الهالة منوطة بداوم “الأصليّ”، بل تستمدّ وهجها من تنقّل [صورة] النّسخة وسرعة زوالها، ولا تعود راسخةً في نطاق حيّز عامّ كلاسيكيّ يخضع لوساطة ودعم إطار الدّولة القوميّة أو أي إحدى هيئاتها، بل تطفو على سطح بِرك البيانات المؤقّتة والإشكاليّة. وبانجرافها بعيدًا عن سراديب السينما، تندفع نحو شاشات جديدة وسريعة الزّوال تربطها ببعضها البعض رغبات مُشاهدين متفرّقين.

ينشىء تداول الصّور الفقيرة بالتّالي “روابط بصريّة” كما سمّاها ذات مرّة دزيغا فيرتوف[17]، والتي كان من المفترض، وفق منظوره، أن تربط عمّال العالم ببعضهم[18]؛ لقد تخيّل لغة ذات طابع اشتراكيّ ومرئيّ وآدميّ نوعًا ما، لا يقتصر استخدامها على نقل الأخبار والتّرفيه فحسب، بل تعمل أيضًا على تنظيم مشاهديها. تحقّقت رؤيا فيرتوف بطريقةٍ ما حتّى في ظلّ هيمنة الرّأسماليّة المعلوماتيّة العالميّة، التي تتشابك جماهيرها على نحو حسيّ يقيمه الحماس المشترك والانسجام الوجداني والقلق.

في المقابل، هناك أيضًا تداول وإنتاج آخران للصّور الفقيرة يجري بواسطة كاميرات الهواتف النّقّالة والحواسيب المنزليّة، وطرق أخرى غير مألوفة للتّوزيع. وتكشف اتصالاتها البصريّة ـ التّحرير الجماعيّ ومشاركة الملفّات، أو دوائر التّوزيع الشّعبيّة ـ عن روابط عَرَضِيَّة غير منتظمة بين المنتجين في كلّ مكان؛ وتنشئ في الوقت ذاته جماهير متفرّقة.

يعزّز تداول الصّور الفقيرة خطوط تجميع ميديا رأسماليّة واقتصاديّات مرئيّ-مسموع بديلة. بالإضافة إلى خلق كميّة كبيرة من الإرتباك والذّهول، ربّما تنجم عنه أيضًا توجّهات أفكار وعواطف تخريبيّة. يفتتح هذا التّداول بالتّالي فصلًا إضافيًّا في الجينيالوجيا التّاريخيّة لدوائر المعلومات المنشقّة عن التيّار السّائد والمتعلّقة في بلورة سينما وفكر محايدين: روابط فيرتوف البصريّة، ومنهجيّات العمّال الأمميّين التي وصفها بيتر فايس في روايته جماليّات المقاومة، وكلّّ من دوائر حركة السّينما الثّالثة والقارّات الثّلاث (Tricontinentalism). تأخذ الصّورة الفقيرة في حالتها المتضاربة مكانًا في جينيالوجيا المنشورات المنسوخة كربونيًّا، وسينما القِطار[19] وأفلام البروباغندا، ومجلّات الفيديو البديلة وغيرها من المواد المنشقّة عن التّيار السّائد، والتي غالبًا ما استخدمت على الصّعيد الجماليّ مواد فقيرة. بالإضافة إلى ذلك، تعيد الصّورة الفقيرة تحقيق العديد من الأفكار التّاريخيّة المُرتبطة بهذه الدّوائر، ومن ضمنها فكرة فيرتوف عن الرّابطة البصريّة.

تخيّل أن يسألك شخصًا من الماضي معتمرًا القُلنسوة[20]: “يا رفيق، إلى أيّ رابطة بصريّة تنتمي اليوم؟”

قد تُجيب: إلى هذا الرّابط مع الحاضر.

  1. الآن!

تجسّد الصّورة الفقيرة الحياة الآخرة للعديد من الأعمال السّينمائيّة السّابقة وفنّ الفيديو. أُبعدت هذه الصّورة عن فردوسٍ محميّ كانت السّينما على ما يبدو تنعم به في الماضي[21]؛ وبعد أن طُردت هذه الأعمال من حلبة الثّقافة الوطنيّة التي لطالما كانت تحميها، ونُبذت من التّداولات التّجاريّة، أصبحت رحّالة في مشاعٍ من الحقول الرّقميّة، تُغيّر في شكلها وجودتها وسرعتها ووسائطها على الدّوام، حتّى أنّها في بعض الأحيان تُضيع أسماءً وإشادات في رحلتها هذه.

عليّ أنّ أعترف أنّ العديد من هذه الأعمال ترجع من رحلتها الآن على هيئة صور فقيرة؛ وقد يدّعي امرؤ أنّها ليست الشّيء الحقيقيّ، لكن إذا كان الأمر كذلك، فهل بإمكان أيّ كان، أن يريني هذا الشّيء الحقيقيّ؟

لا تعدّ الصّورة الفقيرة منوطة بالشّيء الحقيقيّ: أيْ أصل الأصليّ، ولكنّها بدلًا من ذلك تصبح متعلّقة بأوضاع وجودها الحقيقيّة: بتداول اندفاعيّ، وانتشار رقميّ، وانتقالات زمنيّة مقطّعة الأوصال ومِطواعة. تصبح متعلّقة بالتّحدّي والحيازة، كما هي متعلّقة بالإذعان والاستغلال.

إنّها باختصار تعبير عن الواقع.

***

[1] تعود قيمة العمل الفنّيّ الطّقوسيّة إلى وظيفته التّاريخيّة عند نشأته لخدمة الطّقوس السّحريّة ثمّ التّعبّديّة بعد ذلك؛ أمّا القيمة الاستعراضيّة فتتعلّق بوظيفته التّعبيريّة وبالمحتوى والمعلومات التي يقدّمها وهي الوظيفة التي بإمكان نُسَخ هذا العمل وصوره وتمثيلاته أن تؤدّيها دون أهمّيّة بالغة لحضور العمل الفنّيّ الأصليّ بحدّ ذاته. (ملاحظة توضيحيّة من المترجمين مُقتبسة من مقال والتر بنيامين العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكيّ).

[2]  تفكيك هاري، فيلم من إخراج وودي آلن، 1997.

[3] «من يريد حقًّا مشاهدة اللّوحات الفنّيّة، فإنّه، في نهاية المطاف، يذهب إلى المتحف»، حوار بين هارون فاروقي وألكسندر هورواث، صحيفة فرانكفورت العامّة، 14 حزيران، 2007.

[4] لفت انتباهي إلى هذا الجانب في الصّور الرّديئة نصّ سْڤِن لوتيكين بعنوان النّسخ الخاصّة: عن تجوال الصّور المتحرّكة، نُشر في العدد الثّامن من مجلّة e-flux (مايو 2009).

[5] أشكر كودوا إيشون على الإشارة إلى المسألة.

[6]  في بعض الحالات، بالطّبع، تظهر الصّور ذات الجودة المنخفضة في وسائل الإعلام الرّئيسيّة (نشرات الأخبار بالأساس) بحيث ترتبط الصّور بإلحاح الاستعجال وفوريّة الحدث والكوارث – وتكون قيّمة للغاية. أنظر/ي هيتو شتايرل Documentary Uncertainty, A Prior 15, 2007

[7] هيتو شتايرل، سياسات الأرشيف: التّرجمة في الأفلام، ترانسڤيرسال (مارس، 2008).

[8] مأخوذة من مراسلات مع الكاتب عبر الإيميل.

[9] السّينما الثّالثة أو Third Cinema هي حركة سينمائيّة نشطَت في أمريكا اللاتينيّة في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي، واعتمدت أفكارها ونتاجها السينمائي على شجب مفاهيم الاستعمار والرّأسماليّة، خصوصًا في أفلام هوليوود الرّبحيّة.

[10] خوان غارسيّا إسبينوزا، من أجل سينما غير مثاليّة، ترجمة جوليانا بورتوز جامب كات (Jump Cut)، عدد 20 (1979) ص 24-26.

[11] يمكن الرّجوع إلى باولو فيرنو، قواعد التعدّد: من أجل تحليل أنماط حياةٍ معاصرة (Paolo Virno, A Grammar of the Multitude: For an Analysis of Contemporary Forms of Life, 2004).

[12] يمكن الرّجوع إلى أليكس ألبيرو، فنون فكريّة وسياسات التّرويج (Alex Alberro, Conceptual Art and the Politics of Publicity, 2003).

[13] يمكن الرّجوع إلى فيليكس غوتاري، رأس المال كمتمّم لقوّة الإنشاءات، في كتاب تدمير سهل (Félix Guattari, Capital as the Integral of power Formations, in Soft Subversions 1996).

[14] يناقش سيمون الشّيخ جميع هذه التّطوّرات في نصّه أغراض للدّراسة أم تسليع المعرفة؟ ملحوظات حول بحث فنّي (Objects of Study or Commodification of Knowledge? Remarks on Artistic Research 2009).

http://www.artandresearch.org.uk/v2n2/sheikh.html

[15] يمكن الرّجوع إلى ألان سيكولا، قراءة إرشيف: التصوير الفوتوغرافي ما بين العمل ورأس المال (Alan Sekula, Reading an Archive: Photography between Labour and Capital 1999).

[16] يمكن الرّجوع إلى ألبيرو، المصدر السّابق.

[17] دزيغا فيرتوف، الحقيقة السّينمائيّة والعين السّينمائيّة (Dziga Vetrov, “Kinopravda and Radiopravda”, in Kino-Eye: The Writings of Dziga Vertov, ed. Annette Michelson, trans. Kevin O’Brien, Berkeley: University of California Press, 1995, 52.)

[18] المصدر السّابق.

[19] Cinetrain: حركة، فيما بعد جائزة سينمائيّة في روسيا.

[20] Beret: قبّعة مسطّحة فرنسيّة الأصل.

[21] على الأقلّ من منظور الوهم النّوستالجيّ.

اعلان
 
 
هيتو شتايرل