نكسة الإصلاح ووكسة الإعلام

في مصر، وباعتبارها دولة رائدة في الديكتاتورية، اعتادت الأنظمة المتعاقبة مغازلة الشعب أو تخديره بـ«كذبة الإصلاح» المنتظر، بهدف تنفيس حالة غضب متوقعة ضد قرارات أو استحقاقات تستفز الناس وتثير حفظيتهم، وما أن يتم تمرير تلك الإجراءات حتى ترجع «ريما لعادتها القديمة»، فيتحول خطاب السلطة من «لو ينفع أقلع هدومي وأديهالكم» إلى «أيوه بابني قصور وهابني».

خلال السنوات الثلاث الماضية، بشر كتبة النظام وأبواقه بخطة للإصلاح السياسي يُفتَح فيها المجال العام وتشمل «اتصال أعمق بين السلطة ووسائل الإعلام، فضلًا عن مزيد من النوافذ الإعلامية، وزيادة مساحة التسامح وتقبل الرأي الآخر، ومشاركة أوسع للأحزاب في صناعة القرار».
قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت مطلع 2018 ونافس فيها المرشح عبدالفتاح السيسي نفسه، أسر لي أحد الأصدقاء القريبين من دوائر اتخاذ القرار بأن مرحلة ما بعد الانتخابات ستشهد عملية إصلاح سياسي تعيد فيها السلطة ترتيب ما تبعثر بفعل أزمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وسيعاد فتح المجال العام، وستخفف الرقابة قبضتها على الإعلام، «الرئيس سيفتح صفحة جديدة مع كل شركاء 30 يونيو.. والتضييق الذي شهدته الفترة الرئاسية الأولى كان مبررًا، فالدولة لا تزال في مواجهة مع الإرهاب وجماعة الإخوان، وعندما تكون البلاد في حالة حرب لا صوت فيها يعلو على صوت المعركة»، قال صديقي، فقلت في نفسي: «أفلح إن صدق».

وما أن دارت عجلة الاستحقاق الانتخابي حتى بدأت عملية الإخلاء القسري للساحة الانتخابية، وقُطع الطريق على أي منافس محتمل قد يُفسد الطبخة التي تم الإعداد لها سلفًا في الغرف المظلمة، وجرت الانتخابات بين الرئيس وظله، «بلا ضمانات ولا مرشحين ولا حريات» على حد ما صرح به حينها المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، ما دعا أحزاب الحركة المدنية إلى مقاطعتها ورفعت شعار «خليك في البيت».

ورغم كل محاولات مغازلة الشعب لدفعه إلى الذهاب إلى الصناديق واستخدام كل وسائل الإغراء لصف الجماهير في طوابير الانتخابات، خلت اللجان في اليوم الأول من الناخبين، فنزلت الدولة بكل ثقلها لإتمام العملية كما يريد صاحبها، وحشدت الناخبين بكل الطرق، ما دعا جريدة «المصري اليوم» إلى التعبير عما جرى بمنشيت تصدر الصفحة الأولى في العدد الذي صدر في اليوم الثالث للانتخابات بـ«الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات».

وكترجمة طبيعية لما بشر به أصدقاؤنا من إصلاح وفتح للمجال العام بعد الانتهاء من العملية الانتخابية، تم تغريم «المصري اليوم» 150 ألف جنيه بقرار من المجلس الأعلى للإعلام، وإحالة رئيس تحريرها ونحو 10 من محرريها إلى النيابة بتهمة نشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والصالح العام. أُخلي سبيل محمد السيد صالح، رئيس تحرير «المصري اليوم» حينها بكفالة مالية، لكن زميله عادل صبري، رئيس تحرير موقع «مصر العربية» الذي نشر تقريرًا مترجمًا من «نيويورك تايمز» يحمل معنى قريبًا، قررت النيابة حبسه على ذمة التحقيق بنفس التهم ولا يزال قابعًا في السجن حتى كتابة هذه السطور.

الرسالة وصلت، وعلم الجميع أنه لا إصلاح ولا فتح ولا يحزنون، خاصة بعد أن شنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات طالت عددًا من النشطاء الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات، أو شككوا في نتائجها، واشتدت قبضة السلطة على الإعلام أكثر فأكثر، واختفت وجوه من الشاشات وأقلام من الصحف، وأصبح خبر وقف صحيفة في المطبعة من الأمور التي لا تثير التساؤل، وتوسعت السلطة في حجب المواقع الصحفية، وحتى لا يخرج أحد عن النص أو يرتجل باتت الأجندة التحريرية ترسل كل صباح عبر «جروب واتساب» لترسم ملامح خريطة التغطية «ما ينشر وما لا ينشر»، وتم تقنين كل ذلك بإصدار قوانين ولوائح جديدة لتنظيم الإعلام هي في حقيقتها لـ «تقييد الإعلام».

ومن قلب تلك المأساة، خرج مرة أخرى من يبشر بإصلاح سياسي، لكنه هذه المرة مقرون أو مرهون بإصلاح دستوري، وأشاروا إلى أن عام 2019 هو الأنسب للبدء في تلك الإصلاحات «بعد ما شهدته البلاد من إصلاحات في البنية الأساسية والاقتصاد، وذلك لن يأتي إلا بتعديلات دستورية».
دارت بعد تلك التوطئة ماكينة تعديل الدستور بهدف استمرار السيسي في السلطة بعد انتهاء فترته الحالية لمدة تتراوح بين ثماني إلى 12 سنة، وإحكام قبضته على باقي سلطات الدولة، فدستور 2014 الذي صاغت مواده لجنة الخمسين كُتب بنوايا حسنة و«الدول لا تبنى بالنوايا الحسنة».

انطلق قطار التعديلات مطلع العام الجاري، وأُخرج الإعلام من المعركة بتعليمات مباشرة فرضت عدم الاقتراب من «التعديلات المقترحة» لا بالمعارضة ولا حتى بالمناقشة الهادئة، ومن عَلاَ صوته من نواب البرلمان بالرفض تمّ التشهير به وفضحه بتسريبات طالت سُمعته، وهو ما فرض على نواب آخرين -كان لهم صوتًا في قضايا أخرى- «السكوت» أو الهروب من المواجهة.

تبنت أحزاب «الحركة المدنية» خيار التصويت بـ «لا» في الاستفتاء على التعديلات التي أقرها البرلمان، بديلًا عن المقاطعة التي كانت خيارًا لها في الاستحقاق الرئاسي الأخير، ورغم ترهيب المعارضين وغياب المعارضة عن وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، ورغم الحشد المصنوع بـ«كراتين الزيت والسكر» نجحت حملة «لا» في حشد نحو 11.5% من الناخبين وفقًا للأرقام الرسمية، ما اعتبره قادة تلك الأحزاب نقطة انطلاق قد تمكنهم من فك الحصار المفروض على السياسة، في بلد قرر حكامه إماتة كل ما هو سياسي.

بدأت المشاورات حول تدشين «تحالف الأمل» لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة بقائمة موسعة تضم أطراف المعارضة المدنية من أحزاب ونواب وشخصيات عامة، «المناقشات جرت على خلفية قناعة مشتركة بأن إغلاق المجال العام وإدارة المجتمع بطريقة الصوت الواحد سوف تفضي إلى انفجار»، صرح مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي حينها.

وقبل الإعلان الرسمي عن «تحالف الأمل» بأيام تم القبض على عدد من الشباب المشاركين في الاجتماعات التحضيرية، منهم النائب السابق زياد العليمي والصحفيين حسام مؤنس وهشام فؤاد وعدد من مساعدي النائب أحمد طنطاوي وآخرين، واعتبرت تلك الحملة رسالة إلى الأحزاب المشاركة بعدم الاقتراب من المنافسة في الاستحقاق البرلماني القادم إلا بالطريقة التي تقررها أجهزة السلطة، وتم وأد «الأمل» قبل أن يخرج إلى النور، وشُيع إلى مثواه الأخير في مدافن السلطة بمنطقة ليمان طرة.

التوسع في حصار المعارضة والحملات الأمنية التي طالت أعضائها، دفعت حزب الكرامة إلى التلويح بتجميد نشاطه «المشهد الحالي لا يسمح بأي مسار عاقل لإدارة الدولة في إطار من التعددية يحافظ على وحدة المصريين بتنوعهم، ولا يسمح للمجتمع بقواه الحية أن تتفاعل معًا في إطار قانوني ودستوري، بل إنه يهيئ البيئة الحاضنة لإعادة إنتاج الإرهاب والفوضى»، قال بيان صادر عن الحزب قبل أيام. وقبل أن يجف الحبر الذي كتب به هذا البيان أُلقي القبض على نائب رئيس الحزب عبد العزيز الحسيني في ما بدا عقابًا للحزب على تجرؤه بنشر هكذا بيان.

أخيرًا، وعلى خلفية ما أحدثته فيديوهات المقاول الممثل محمد علي، التي يبثها من إسبانيا، من ردود فعل غاضبة تجاه السلطة التي تطالب الشعب بالتقشف وتحمل الإجراءات الاقتصادية لأننا «فقرا قوي» في حين تتوسع تلك السلطة في بناء قصور رئاسية وتجديد مقرات حكم بالمليارات، خرجت مرة أخرى أصوات تبشر بخطة إصلاح سياسي وفتح قنوات اتصال بين السلطة والمعارضة والنوافذ الإعلامية وزيادة مساحة التسامح وتقبل الرأي الآخر.

وبعد تفاعل الجمهور مع ما جاء في تلك الفيديوهات ونزوله إلى الشارع للتعبير عن الغضب المكتوم، زاد بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام وأقروا بوجود أخطاء ودعوا إلى مراجعتها، لكنهم أنكروا في ذات الوقت وقائع ما جرى مساء الجمعة الماضي من احتجاجات عفوية شعبية، بعضهم أرجعها كالعادة إلى المؤامرة التي تحاك ضد مصر من الإخوان وقطر وإسرائيل وأمريكا، والبعض الآخر عاب على الشعب مجاهرته بوجعه وانجراره خلف «الولد الصايع»، دون النظر في أسباب الوجع، وبدلًا من أن يسألوا السلطة عن أسباب الاحتقان وطرق علاجه، لاموا الناس على صراخها من شدة الألم.  

نتيجة لهذا التجاهل أو الاستخفاف بمطالب الناس وهمومها، هجر الجمهور إعلام النظام وصنعوا إعلامهم، صوروا أنفسهم في الميادين والشوارع وتناقلوا ما صوروه على مواقع التواصل الاجتماعي، للتحول إلى منصات غضب.

لا يعلم أحد مدى تلك الاحتجاجات، ولا إلى أي حد قد تصل، لكن هناك شبه إقرار بأن جدار الخوف الذي فرض على المصريين قبل سنوات شرخ، وأنه لا مجال للعودة مرة أخرى إلى مربع ما قبل 20 سبتمبر، فلن يقبل المصريون خداعهم أو تخديرهم مرة أخرى بأكاذيب الإصلاح الاقتصادي والسياسي، فإما إجراء مراجعة حقيقية لكل ما جرى من تلاعب بالدستور وخنق للسياسة واعتقال للساسة وحصار الإعلام، وإعادة النظر في إجراءات ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي ومواجهة حقيقية للفساد، كما طرح بعض الناصحين من عقلاء هذا الوطن، أو اكتمال دائرة الغضب الشعبي لتبلغ منتهاها وتحقق مطالبها وأهدافها.

الخيارات باتت محدودة، ومن لم يستوعب الدرس مما جرى في مصر، أو يجري حولنا، سيكتب نهايته بيده.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ