حديث البورصة في السياسة
 
 

دفعت خسائر البورصة العنيفة هذا الأسبوع الكثير من المهتمين بسوق المال للحديث عن حالة البلاد السياسية وما تتسم به من غموض. تظاهرات الجمعة التي وصفتها وكالات الأنباء بأنها صغيرة ولكن فريدة من نوعها قادت السوق لخسائر تاريخية، وأعادت للأذهان الجلسات الدامية خلال فترة ثورة يناير.

وهوى المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية 5.3% أمس، اﻷحد، في أول جلسة بعد تظاهرات الجمعة، وبالرغم من أنه حد من خسائره في الجلسة التالية اليوم، الإثنين، لكنه أنهى تعاملاته على انخفاض أيضًا بنسبة 1.47%.

قالت صحيفة «البورصة»، أمس الأحد، إن المؤشر سجل الأحد الماضي أكبر تراجع في النقاط منذ مارس 2011. وقالت شعاع كابيتال لتداول الأوراق المالية، في تقرير أصدرته اليوم، اﻹثنين، وحصل «مدى مصر» على نسخة منه، إن تراجع أول جلسات هذا الأسبوع «يعد واحدًا من أسوأ عشر أداءات للبورصة منذ 27 يناير 2011، وأمس [الأحد] هو الأسوأ على الإطلاق بينهم. بينما وصفت نشرة «إنتربرايز» في عددها الصادر اليوم أن مؤشر «إي جي إكس 100»، الأوسع نطاقًا من المؤشر الرئيسي، سجل الأحد أعنف انخفاض له منذ 2012.

أغلب المحللين ربطوا بين ما يدور في الشوارع من مظاهرات وكر وفر مع رجال الشرطة مع ما يجري في أروقة سوق المال، ولكنهم اختلفوا حول تقدير حجم الأزمة.

ما يثير القلق بشأن أداء البورصة هو أنها تعيد إلى الأذهان خسائر سوق المال في فترة ثورة يناير، ويظهر ذلك بشكل واضح في بعض المقارنات التي قام بها المحللون بين أداء السوق الأحد الماضي وأدائه في فترات قريبة من الثورة.

وكانت السلطات المصرية أغلقت سوق المال في 30 يناير 2011 لعدة أسابيع بعد أن هوى المؤشر الرئيسي بنحو 16% في جلستي تداول.

لا يزال سوق المال بعيدًا عن هذا الأداء المأساوي، كما أن هذا التدهور لا يعني بالضرورة انعكاسًا حقيقيًا لما يحدث في الاقتصاد. بالنسبة للمواطن العادي، ربما لا يكون هناك داعٍ حقيقي للقلق.

اليوم ليس كالبارحة

إلى جانب انهيار البورصة، شهد العام المالي 2010-2011، الذي تخللته ثورة يناير، تخارجًا قويًا للمستثمرين من استثمارات المحفظة (وهي استثمارات موجهة للأسهم وأدوات العائد الثابت في مصر)، حيث انتهت تعاملات هذه الاستثمارات في ذلك العام على صافي بيع بـ 2.6 مليار دولار مقابل صافي شراء بـ 7.9 مليار دولار.

يختلف هذا عما حدث في اليومين الماضيين. على الرغم من التراجع الكبير الذي شهدته البورصة أمس، إلا أن التداولات على الدولار وعلى أدوات الدين لا تزال تعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد.

بحسب وصف «البورصة» في تقرير أمس، «تجاهلت الفائدة على أذون الخزانة الهزة التي تعرضت لها البورصة اليوم [الأحد]، وتراجعت في العطاءين اللذين طرحتهما وزارة المالية».

ويعنى تراجع الفائدة على الديون الحكومية إقبالًا قويًا من المستثمرين على إقراض الحكومة، وهو ما يعكس ثقة في مستقبل الأداء المالي للبلاد. 

كما تحدثت تقارير إخبارية عن أن الدولار مستمر في التراجع أمام الجنيه، حيث فقدت العملة الخضراء نحو 25 قرشًا خلال الشهر الجاري، بحسب نشرة «إيكونومي بلس».

تشير المؤشرات السابقة إلى أن قلق المستثمرين لم يصل إلى المدى الذي بلغه وقت ثورة يناير. وفي مقابل هبوط البورصة، لا يزال سوق العملة وسوق الديون يسجلان أداءً إيجابيًا.

بحسب عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، «لا يمكن أن يتغير منحنى صعود الجنيه لاضطرابات تحدث لليلة واحدة، إنما يترتب سعر الصرف على ما يمكن أن تؤول إليه الأمور خلال المدى المتوسط والطويل، وكيف يمكن أن تنعكس على القطاعات المولدة للعملة الأجنبية، مثل السياحة، لذا يبقى القول الفصل فيما تخبئه الأيام القادمة».

هل السياسة هي السبب؟

بعض المتابعين نفوا تمامًا وجود علاقة مباشرة بين التظاهرات والبورصة، وهو تحليل يتسق مع الموقف الرسمي للدولة المصرية الذي يرى أن الدعاوى التي صدرت للتظاهر لن تلقى استجابة من المواطنين.

وفي هذا السياق، قال شريف سامي، الرئيس السابق لهيئة الرقابة المالية، لجريدة «المال» أمس، إن «ما حدث في جلسة الأحد بالبورصة غير مُبرر لأنه لا يوجد أي مستجد بالنواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد».

هاني توفيق، الخبير الاقتصادي وأحد أقدم المستثمرين في السوق المصري، لم ينف في حواره مع «إيكونومي بلس» تأثير الشارع على السوق، لكنه رأى أن رد فعل القيادة السياسية على فيديوهات المقاول محمد علي كان له دورًا في الوصول إلى الوضع الحالي. 

وقال توفيق إن «ما حدث الفترة اللي فاتت ومع سطحيته التامة ولا علاقة له بالاقتصاد الفعلي، إلا أنه أثار زوبعة أنا رأيي إن مكنش لها أي داعي الحقيقة، ادينا الموضوع من أول السيد رئيس الجمهورية وانت نازل ادينا للموضوع أهمية أكتر من اللازم […] دايما أي واحد محترف يقولك بيع دلوقتي وابقى اسأل بعدين».

لكن، من جانبها، اعتبرت وكالة بلومبرج في تغطيتها لجلسة الأحد أن انخفاض السوق يرتبط بمظاهرات اﻷيام الماضية، ويعيد إلى اﻷذهان حالة عدم الاستقرار الذي تلت ثورة يناير والإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك.

ونقلت بلومبرج عن آلان سنديب، مدير البحوث في النعيم للسمسرة، قوله إن انخفاض الأحد فاجأ المحللين، معلقًا: «لم ينظر أحد لهذه التظاهرات بجدية».

لكن قلق المستثمرين لا ينبع من المظاهرات نفسها، وإنما على اﻷرجح من أنها تحمل معها حالة من عدم الوضوح للمستقبل السياسي للبلاد.

عادلي أشار لـ«مدى مصر» إلى أنه «من الصعب توقع مستقبل أداء البورصة لعدم وضوح الرؤية بشأن الوضع السياسي، هل القادم اضطرابات سياسية أم فقط موجة محدودة ثم يعود المشهد إلى الاستقرار».

نقلت بلومبرج عن أرون ليزلي جون، المحلل البحثي في شركة سنشري فاينانشال، قوله إن «المستثمرين يكرهون عدم اليقينية، وقد هرعوا للخروج، وهو ما نتج عنه انخفاض آي جي إكس 30 (المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية)».

اﻷمر ذاته اتفقت معه «كابيتال إيكنومكس»، المؤسسة البحثية الاقتصادية، والتي أشارت في تقرير صدر اليوم إلى أنه «من الصعب التنبؤ كيف ستتطور الأمور من هنا. الاضطرابات السابقة علمتنا أن الأمور تتطور بسرعة وبطريقة غير متوقعة. والقمع على يد الأمن لن يسهم بالضرورة في ردع المتظاهرين في الشارع – في الواقع قد يسهم في زيادة إشعالها».

لماذا يقلق المواطن من خسائر البورصة؟

يشعر الكثير من المواطنين بالقلق عند سماعهم أخبارًا عن خسائر بالمليارات في سوق المال، ويتوقع بعضهم أن يؤثر ذلك على الاقتصاد وأن ينعكس على حياتهم الشخصية في صورة ارتفاع الأسعار مثلًا، وهو قلق في غير محله.

الواقع أن الخسائر التي نسمعها في الأخبار، مثل الحديث عن انخفاض أمس في رأس المال السوقي للأسهم المقيدة بـ 35.7 مليار جنيه ليست خسائر فعلية كما نتصور، ولكن ما يحدث هو تراجع لقيمة الأسهم المتداولة في السوق، وهي الخسائر التي قد يعوضها المستثمرون في جلسة أو أكثر عند ارتفاع أسعار الأسهم من جديد.

لا يعني ذلك أن تراجع البورصة لا يؤثر تمامًا على الاقتصاد، حيث يعد سوق المال مؤشرًا على أحوال الاستثمار في البلاد، يؤثر تراجعه على جاذبية الاستثمار في أي بلد، ولكن علينا أن لا نبالغ في القلق بشأن تأثير البورصة لأنها في النهاية ترتبط بنسبة محدودة من اقتصاد البلاد ولا تعبر عن الاقتصاد في مجمله.

تقتصر الشركات المقيدة في البورصة المصرية على نحو 219 شركة، يتم التداول على 180 شركة منها فقط، مقابل نحو 155 ألف شركة إجمالي الشركات العاملة في الاقتصاد المصري، وهو ما يُظهر محدودية نطاق سوق المال وتأثيره على الاقتصاد الحقيقي.

كما أن رأس المال السوقي لشركات البورصة يقتصر على نحو 700 مليار جنيه، في الوقت الذي تصل فيه إجمالي استثمارات الشركات العاملة في الاقتصاد المصري لـ 1.2 تريليون جنيه.

ويرى خبراء أن حجم الدور الذي تلعبه البورصة المصرية في الاقتصاد تراجع خلال السنوات الأخيرة، حيث يقول صلاح حيدر، المحلل المالي بشركة بايونيرز القابضة، إن «البورصة كانت مرآة الاقتصاد زمان في الفترة من 2004- 2008 أما الآن فالبورصة مصابة بضعف السيولة وتراجع عدد الشركات المقيدة و بالتالي تراجع أحجام التداول».

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
سارة سيف الدين