الانتخابات التونسية: صعود الشعبوية والمحافظين عقابًا للأحزاب التقليدية

لا يزال الرأي العام التونسي بصدد دراسة نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، والتي تأهل فيها الأستاذ الجامعي المستقل قيس سعيد ورجل الإعلام نبيل القروي المسجون بتهم التهرب الضريبي وغسيل الأموال، لجولة اﻹعادة.

وأعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أمس، الثلاثاء، صعود قيس سعيد ونبيل القروي إلى الدور الثاني، في انتظار الإعلان النهائي بعد الطعون، مقابل سقوط شخصيات من الوزن الثقيل على غرار مرشح الإسلاميين عبدالفتاح مورو ورئيس الوزراء يوسف الشاهد ووزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي.

تكمن المفاجأة في أن كلا المرشحين الفائزين لا ينتميان إلى منظومة الأحزاب التقليدية ولا يمكن تصنيفهما بسهولة ضمن اليمين أو اليسار أو ما بينهما. على الرغم من أنه يمكن القول إن قيس سعيد ينتمي إلى التيار المحافظ نظرًا  لمواقفه المناهضة للمساواة في الميراث والمؤيدة لتضمين الشريعة الإسلامية في الدستور والمناهضة لحقوق المثليين جنسيًا، فيما يُعتبر نبيل القروي من التيار الشعبوي اللاعب على ورقة الفقر والحرمان لفئة كبيرة من التونسيين همشتها الحكومات المتعاقبة.

تميزت حملة قيس سعيد، الأستاذ الجامعي المتواضع، ببساطة غير مسبوقة. بدأت بتخليه عن التمويل العمومي الذي تمنحه الدولة لجميع المرشحين واعتماده مبدأ التبرع والتطوع من قبل أنصاره، ومعظمهم من الشباب، ووصلت لتخليه عن فكرة امتلاك مقر انتخابي أو حتى مدير للحملة أو ناطق باسمها.

اعتمد سعيد بشكل أساسي على لقاءات عقدها مع أنصاره في المقاهي الشعبية والفضاءات العاملة بدلًا عن القاعات الفخمة الكبيرة. كذلك لم يعتمد على شركات راعية أو رجال أعمال داعمين، مثلما فعل باقي المرشحين. وبشّر في خطابه بدولة عادلة ونظام سياسي جديد قائم على المشاركة المباشرة للمواطنين في الحكم بدلًا عن الديمقراطية التمثيلية. 

يقول إنه لن يطلب تأشيرة لتأسيس حزب لأن حزبه هو الشعب. 

عند دراسة الاحصائيات التي نشرتها شركة «سيغما كونساي» المختصة باستطلاع الآراء، نجد أن قيس سعيد نجح في استمالة جزء كبير من الناخبين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18-25 عامًا، أي أن كثير منهم يمارسون حقهم الانتخابي لأول مرة في حياتهم. كما أشارت نفس الإحصائيات إلى أن 32% من الذين صوتوا لقيس سعيد لم يصوتوا في انتخابات 2014، بالإضافة إلى أن 15% من ناخبيه صوتوا سابقًا لحزب النهضة الإسلامي (الإخوان المسلمين).

يفسر هذا الرقم أيضًا أسباب سقوط مرشح النهضة عبدالفتاح مورو الذي حل في الترتيب الثالث، حيث أثبتت الأرقام استفادة قيس سعيد من أصوات الناخبين الذين صوتوا للنهضة في الانتخابات السابقة.

تراجع نسبة التصويت للنهضة، بالإضافة إلى تراجع الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي، استفاد منه مباشرة قيس سعيد باعتبار أنه يحمل خطابًا متمسكًا بالهوية العربية الإسلامية، وفي نفس الوقت منحازًا للثورة ومكتسباتها ومناهضًا لمنظومة الحكم السابقة، وهو نفس الخطاب المستعمل من قبل النهضة والمرزوقي سابقًا، واللذين تمكنا بفضله من حكم تونس لثلاث سنوات.

وبرزت مؤشرات شديدة اﻷهمية منها أن حزب النهضة خسر أحد أبرز معاقله التاريخية في الجنوب التونسي -محافظة تطاوين- والتي تصدر فيها المرشح المحامي الشاب سيف الدين مخلوف، المعروف بمواقفه المساندة للسلفيين والمناهضة للعلمانيين والمعارضة للسياسات الحكومية فيما يخص الطاقة والثروات الطبيعية والفساد الذي يشوب هذه القطاعات، وهو ما جعل جزء من ناخبي النهضة يعتبرونه أقرب إليهم من عبدالفتاح مورو، ذلك «الشيخ القدير والهادئ والمهادن لمنظومة الحكم».

كما سبق ترشيح الشيخ عبدالفتاح مورو، نائب رئيس حزب النهضة ورئيس البرلمان بالنيابة، خلافًا كبيرًا داخل الحزب الإسلامي باعتبار أن قيادات نهضوية نادت بترشيح شخصية من خارج الحركة مقابل قيادات أخرى نادت بترشيح راشد الغنوشي زعيم الحركة. لكن مجلس الشورى -أعلى سلطة في الحركة- أقر ترشيح مورو لتنطلق حملته الانتخابات دون دعم قيادات بارزة في النهضة، أبرزها لطفي زيتون، المستشار السياسي لرئيس الحركة، ورفيق عبدالسلام صهر رئيسها.

من جهته، كان نبيل القروي استثناءً في هذه الانتخابات. لم تكن حملته عادية هو الآخر، فقد انطلقت منذ سنوات عن طريق توزيع الإعانات الغذائية والطبية في المناطق الفقيرة التي تجول فيها والتقى مواطنيها عدة المرات، وهو ما جعله قريبًا منهم ولقبوه بـ«أب الفقراء». وبث كل هذه الجولات والأعمال الخيرية على قناته التلفزيونية «نسمة» التي تحظى بنسبة مشاهدة عالية، وهو ما جعل شركات استطلاع الآراء تضعه في الصدارة منذ شهر مارس الماضي. 

استغل نبيل القروي غضب المواطنين من السياسات الحكومية التي لم تقدم شيئًا للمناطق الداخلية وما بها من نسب بطالة وفقر عالية، واستمال أصوات هؤلاء الناخبين الذي يشكلون نسبة لا بأس بها من التونسيين، علمًا بأن أرقام شركة استطلاع الآراء أظهرت أن القروي حظي بأصوات جزء كبير من الفئات العمرية المتقدمة، وخاصة ذات المستوى التعليمي المتدني.

كل ذلك مكّن القروي من الفوز بالمركز الثاني رغم أنه يقبع في السجن منذ شهر بتهمة التهرب الضريبي وغسيل الأموال. كما كانت قناته الفضائية «نسمة» من أبرز نقاط قوته حيث استعملها سابقًا كأحد أهم الأدوات الدعائية لحملة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس في انتخابات 2014.

من جهة أخرى، كان لفوز سعيد والقروي عوامل أخرى خارجة عن نطاقهما، وتتمثل أساسًا في كثرة المرشحين عن التيار الليبرالي المدعوم من مراكز النفوذ ورجال الأعمال. فبعد أن اكتسح هذا التيار بقيادة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحزبه «نداء تونس» انتخابات 2014، عرف هذا التيار انقسامات عديدة تسببت في تقدم عدة مرشحين عنه أبرزهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي. وبحسب أرقام الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فإن النسب التي يحصل عليها الشاهد والزبيدي، إذا ما جُمعت لصالح مرشح واحد، كان سيضمن العبور إلى جولة الإعادة بسهولة.

وتكمن أسباب فشل يوسف الشاهد، إلى جانب تشتت التيار الليبرالي وكثرة مرشحيه، في كونه دخل السباق الرئاسي وهو يحمل حصيلة حكومته السلبية وفي رصيده إخفاقات، وأحيانًا كوارث، حدثت في عهده. كما أن استعماله لمقدرات الدولة لتصفية حساباته السياسية وتوزيع المناصب الرسمية على عدد من المقربين منه قلص من حظوظه في الفوز.

من جهته، لم يحظ وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي بالوقت الكافي لترويج نفسه، فقد كان طيلة مسيرته محسوبًا على المستقلين، وهو ما أهله لأن يكون وزيرًا في حكومات ما بعد الثورة وقبلها، لكن الموت المفاجئ للباجي قائد السبسي دفعه إلى الترشح للرئاسة وفي رصيده دعم عدد من رجال الأعمال النافذين والسياسيين والشخصيات الوطنية والمثقفين المحسوبين على المنظومة الحاكمة. لكن ذلك لم يمكنه من المرور إلى الدور الثاني نظرًا للمنافسة الشديدة بينه وبين يوسف الشاهد للظفر بأصوات الناخبين الحداثيين، والتي أدت في النهاية إلى خروجهما كليهما من السباق الرئاسي.

إخفاق اليسار في هذه الانتخابات كان متوقعًا، لكن المفاجئ أن النسب التي حصلّوها مجتمعين تعد متدنية جدًا إذا ما قورنت بانتخابات 2014 التي حل فيها مرشح الجبهة الشعبية -تحالف اليسار والقوميين- ثالثًا خلف السبسي والمرزوقي، وذلك بسبب انقسام حاد تعاني منه الجبهة الشعبية انتهى إلى تقديم مرشحين اثنين هما حمة الهمامي ومنجي الرحوي، ولم تتجاوز نسبة التصويت لهما مجتمعين 2%. 

كما سجلت هذه الانتخابات تراجع مرشح حزب التيار الديمقراطي -وسط اليسار- إلى المرتبة العاشرة بعد أن كان الحزب ثالثًَا في الانتخابات البلدية للعام الماضي، وذلك بسبب صعود مرشحين آخرين تنافسوا معه على نفس القاعدة الانتخابية، أبرزهم الصافي سعيد ولطفي المرايحي.

قد تتعدد عوامل فوز المرشحين قيس سعيد ونبيل القروي في هذا السباق الرئاسي وخسارة المرشحين الآخرين، لكن منذ الانتخابات البلدية في 2018 شهدنا تقدمًا للمستقلين أمام الأحزاب التقليدية، فيما اعتبر آنذاك عقابًا للمنظومة الحاكمة. لكن عدم تدارك نتائج الانتخابات البلدية أنتج عقابًا أقسى لهذه المنظومة بأن أخرج مرشحيها من السباق، ومنح الصدارة للأستاذ الجامعي قيس سعيد، صاحب مشروع إعادة بناء منظومة الحكم في تونس، من الديمقراطية التمثيلية الى الديمقراطية الشعبية المباشرة.

اعلان
 
 
مهدي الجلاصي