في الانتخابات الإسرائيلية الجديدة.. تتكرر المشاهد
 
 

للمرة الثانية خلال عام واحد، تعقد إسرائيل، اليوم، الثلاثاء، انتخابات عامة، سعيًا لتشكيل حكومة ائتلافية. يواجه فيها اليمين الإسرائيلي نفسه، ما قد يهدد عرش رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي تربع عليه لعشر سنوات.

وقبيل عقد الانتخابات، حاول نتنياهو -الذي يواجه تهمًا بالرشوة، والاحتيال، وخيانة اﻷمانة، ما قد يضع مستقبله السياسي على المحك حال خسارته الانتخابات- تهدئة الأوضاع مع اليمين المتطرف والجماعات الدينية اليهودية، بتعهده بضم غور الأردن ومستوطنات الضفة الغربية لإسرائيل، ومطالبته بتأجيل الانتخابات ليستطيع شن حملة عسكرية على غزة، بعد إطلاق حركة الجهاد الإسلامي صواريخ تجاه إسرائيل، أثناء حديث نتنياهو لمؤيديه، ما استدعى مغادرته المنصة أمام أعين الكاميرات.

لكن المشكلة الأساسية في حكم اليمين الإسرائيلي هي ظهور التشققات داخل دائرة معاوني ووزراء نتنياهو السابقين، والذين أصبحوا منافسين مباشرين له.

اللاعبون الأساسيون في هذا السباق الانتخابي ليسوا سوى وجوه قابلة للتغيير، جميعها يهدف لحماية الاحتلال. الفائز في انتخابات اليوم، والمكلف بتشكيل الحكومة الائتلافية، سيكون على عاتقه تحديات في ميادين عدّة، ليس أقلها علاقة إسرائيل بمصر. ولكن لا تزال العديد من الأمور غامضة؛ حتى إذا تم اختيار نتنياهو لتشكيل حكومة ائتلافية، فقد لا ينجح في تشكيل حكومة ائتلافية أو النجاة من تهم الفساد، حتى إذا حاول اتخاذ خطوة غير مسبوقة بدفع الكنيست إلى منحه الحصانة.

ومن أجل فهم أفضل لتداعيات نتيجة الانتخابات على مختلف الجبهات التي تلعب فيها إسرائيل دورًا، توضح «مدى مصر» بعض ديناميكيات اﻷدوار اﻹسرائيلية في المنطقة، من خلال التواصل مع عدة مصادر في الحكومة المصرية، إضافة لعدد من المحللين، لرسم صورة أفضل حول الدور المصري في هذه الانتخابات.

لماذا انتخابات ثانية؟

لتشكيل حكومة ائتلافية، يجب على المرشح أن يحصل على الأغلبية في الكنيست الإسرائيلي، بحصوله على 61 صوتًا فأكثر، أي أكثر من نصف عدد نواب الكنيست الذي يبلغ عددهم 120 عضوًا.

وبحسب استطلاعات متعددة، يتوقع أن يحصل حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو على 32 مقعدًا، وهو نفس عدد المقاعد التي يُتوقع أن يحصل عليها حزب «أزرق-أبيض» بزعامة بيني غانتس، رئيس هيئة الأركان العسكرية السابق بين 2011-2015، إذ يطمح حزب غانتس إلى الإطاحة بنتنياهو.

في انتخابات أبريل الماضي، حصد الحزبان نفس عدد المقاعد. لكن نتنياهو استطاع بدون حزب «أزرق-أبيض» تشكيل تحالف يقوده اليمين المتطرف بـ65 مقعدًا، ما مهد الطريق لنتنياهو ببدء تشكيل حكومة ائتلافية جديدة.

لكن أفيجدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» ووزير الدفاع السابق في حكومة نتنياهو، والذي تسببت استقالته في أعقاب اتفاق نتنياهو على وقف إطلاق النار في نوفمبر 2018 مع غزة في حل الحكومة، وعقد انتخابات في أبريل الماضي، رفض حينها منح مقاعد حزبه الخمسة للحكومة الجديدة ما لم يُسن قانون يجعل التجنيد في جيش الدفاع الإسرائيلي لليهود الأرثوذكس المتطرفين إلزاميًا، كما هو الحال على جميع المواطنين الإسرائيليين.

تمرير هذا القانون، كان سيجرّد نتنياهو من حلفاء مهمين، وهم اليهود الأرثوذكس، الذين تم استثنائهم من الخدمة العسكرية منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، ولا يزالون يمتلكون نفوذًا كبيرًا في البلاد.

ورغم أن ليبرمان لم يتوقف عن إطلاق التصريحات العنصرية ضد الفلسطينيين والعرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، ومنها تصريحه بأن جميع العرب في الكنيست متخابرون ويجب إعدامهم، إلا أنه يحاول أن يظهر كحامل شعلة صهيونية علمانية مغوارة.

وفي مواجهة عناد ليبرمان، تقدم نتنياهو بقانون لحل الكنيست وعقدت اليوم جولة انتخابات جديدة بدلًا من التنازل عن موقفه بخصوص قانون التجنيد الإلزامي أو التنازل عن تشكيل الحكومة لصالح زعماء آخرين بالكنيست بعد انتهاء مهلة الـ 42 يومًا المحددة بالقانون دون تشكيل الحكومة.

ولكن خلال الشهور التي سبقت انتخابات اليوم، استطاع ليبرمان زيادة مكاسبه، وتتوقع الاستطلاعات حصده عشرة مقاعد في الجولة الجديدة من الانتخابات.

غزة وصداقة نتنياهو-السيسي

صعد نتنياهو للمنصة الخاصة بحزبه، في مدينة إسدود في 10 سبتمبر الجاري، قبل أسبوع من الانتخابات، أمام حشدٍ من مئات الإسرائيليين ساعيًا لحشد الدعم.

لكن صافرات الإنذار دوّت منذرة بوجود خطر صواريخ قادمة من قطاع غزة تجاه المدينة التي حشد فيها نتنياهو مناصريه ليجد نفسه هاربًا من المنصة وأمام الكاميرات تحت حماية الأمن الخاص.

استطاع نظام «القبة الحديدية» الدفاعي –الذي مولته الولايات المتحدة الأمريكية- إسقاط الصاورخين الذين أُطلقا من قطاع غزة المحاصر، وردّت إسرائيل بتنفيذ عدة غارات على القطاع. فكّر نتنياهو حينها في تنفيذ حملة عسكرية واسعة النطاق ضد قطاع غزة، وتأجيل الانتخابات لحين تنفيذها. ولكن لا أحد يعرف على التحديد ما إذا كانت هذه مناورة إعلامية.

ومع ميل حماس إلى المسالمة بشكل كبير بسبب الوساطة المصرية، تناقلت وسائل الإعلام تكهنات تلت إطلاق الصواريخ تدّعي وجود انشقاق داخل حماس بين جناحيها السياسي والعسكري. كتائب القسام الجامحة تخالف القيادة السياسية المستسلمة.

مصدرٌ عسكري في حركة حماس أكد أن عددًا من مقاتلي الحركة غير راضين عن الطريقة التي تتعامل بها القيادة السياسية مع الصراع الإسرائيلي. ويؤكد هذا الاعتقاد عددٌ من العمليات الفردية التي نفذها مقاتلون من القسام وسرايا القدس، لشعورهم بأن القيادة السياسية تتعامل بشكل خاطئٍ ومسالم مع إسرائيل. لكن المصدر ذاته أكد أن إطلاق الصواريخ نادرًا ما يحدث دون موافقة القيادة السياسية.

من جانبه، أكد مصدر مقرّب من قيادة حماس السياسية، أن الحركة لا تزال تصرّ على المحافظة على مسارٍ سلمي في مباحثات التهدئة مع إسرائيل، في ذات الوقت الذي تترك فيه الردود العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري.

وفي الفترة الأخيرة، أكد المصدر أن حركة حماس خفّفت من قبضتها حول الجهاد الإسلامي وعملياته العسكرية -رغم وجود عددٍ من عناصر الأخيرة في زنازين الأجهزة الأمنية بغزة، لإطلاقهم صواريخ تجاه إسرائيل دون موافقة سياسية- لإفساح المجال لفرض مزيد من الضغط على نتنياهو قبيل الانتخابات.

ونتيجة للاحتواء المصري اﻹسرائيلي تقلص دور حماس إلى مناورات سياسية صغيرة، حيث اعتبر عدد من أعضاء الحركة صفقة القرن المقترحة فرصة لاكتساب المزيد من الاستقلال عن السلطة الفلسطينية.

لكن ذلك لا يعني أن حماس بنفس براعة الثنائي الإسرائيلي المصري. كل تهديد عسكري قادم من قطاع غزة، سيؤثر سلبًا على صورة نتنياهو في الانتخابات الذي يصف كل من ليبرمان وغانتس اعتزامه عقده مباحثات تهدئة مع حماس بالخطأ الكبير.

حاولت مصر إقناع قيادة حماس بتجنب إطلاق أي صواريخ تجاه إسرائيل، خلال زيارة الوفد المصري الأخيرة إلى قطاع غزة. لكن حماس شعرت بوجود منفذٍ صغير تستطيع من خلالها إجبار إسرائيل على تقديم تنازلات، فرفضت المطالب المصرية.

هذه الزيارة أوضحت موقف القاهرة من الانتخابات: اهتمام راسخ بمستقبل نتنياهو كرئيس للحكومة الإسرائيلية يتجاوز علاقات المصالح بين البلدين.

فبحسب مصدر رسمي مصري، تحدث لـ «مدى مصر» وطلب عدم الكشف عن هويته، يتواصل نتنياهو والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي هاتفيًا بشكل منتظم. كما أن نتنياهو وجه المدح للسيسي مرارًا على دوره في «مواجهة الإرهاب، وتقديم قراءة جديدة عن الإسلام».

وبدوره، قال مصدر رسمي مصري شارك في لقاءات سرية بين نتنياهو والسيسي قبل ثلاث سنوات، «إدراك كل منهما أن لديهما مصلحة مباشرة في العمل معًا مباشرة، وأيضًا إدراكهما  أن العلاقات الثنائية بين البلدين هي ما يهم اﻵن، وما يجب تعزيزه بالنظر إلى التعقيدات المحيطة بالملف الفلسطيني»، وذلك إلى جانب «كيمياء ما شاهدناها في أول لقاء لهما».

ووفقًا للمصدر الأخير، وصلت العلاقة بين نتنياهو والسيسي إلى درجة متقاربة تمامًا، إلى الحد الذي لا يستطيع سفراء البلدين ملاحقته فالتواصل بين الرجلين يحدث باستمرار عبر الهاتف، إلى جانب لقائهما مرتين على الأقل كل عام.

واعتبر ذات المصدر، أن بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، يصب بشكل مباشر في مصلحة مصر.

بالنسبة لمحلل الشؤون الفلسطينية-الإسرائيلية لدى «مجموعة اﻷزمات الدولية» طارق بقعوني، فإن اهتمام القاهرة باستمرار نتنياهو في الحكم ينبع من استفادة واقعية يحققها لها. «نتنياهو لا يزال معتدلًا ومحافظًا بشكل كبير فيما يتعلق بقرارات الحرب على غزة، وقد أصبح قوة موازنة بشكل ما، على الأقل منذ عام 2014، ما سمح للعلاقة الأمنية مع مصر بالتطور»، يقول بقعوني. «[لكن] غانتس، وعلى العكس تمامًا، يفضل خوض الحروب مع غزة أكثر من السلام معها، فهو من قاد العملية العسكرية على قطاع غزة عام 2014».

وأكد بقعوني، أنه في حال شن إسرائيل أية حروب على قطاع غزة، فإن مصر لن تكون سعيدة بهذا، لأن الحرب على غزة تضر بعلاقة مصر مع حماس، وهي علاقة ضرورية فيما يتعلق بتبادل الأسرى إلى جانب المصالح اﻷمنية المصرية اﻷخرى.

قبل عقد الانتخابات بنحو أسبوع، انتقد السفير القطري في غزة، محمد العمادي، مصر لفرضها ضرائب زائدة على البضائع التي تدخل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، متهمًا إياها بأنها تنتفع من الحصار المفروض على القطاع.

كما اعتمدت مصر على إسرائيل عسكريًا، ولم تخذلها الأخيرة. ففي فبراير 2018، قالت صحيفة «نيويورك تايمز»، إن طائرات إسرائيلية دون طيار، ومروحيات، وطائرات عسكرية، نفذت منذ عام 2016، أكثر من 100 ضربة عسكرية داخل مصر، أي بمعدل أكثر من ضربة عسكرية كل أسبوع، بموافقة من الرئيس السيسي.

وفي حالة فوز نتنياهو في الانتخابات، فمن المتوقع أن يجتمع مع السيسي في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في نهاية سبتمبر، بحسب مصدرٍ رسميٍ مصري.

ولكن، خسارة نتنياهو، يعني غياب الطرف الآخر من الشراكة الديناميكية الشخصية بين مصر وإسرائيل، ما سيؤثر بشكل لا تُتوقع نتائجه على التعاون الأمني بين البلدين، إضافة لتأثير ذلك على «صفقة القرن» التي ستستفيد منها مصر، إذ إن كل ذلك سيُهدم في حال تم تنفيذ هجوم عسكري مباشر على قطاع غزة.

حزب الله وإيران

على خلفية تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في أعقاب انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، والذي وقعته أمريكا في عهد رئيسها السابق باراك أوباما، شنّت إسرائيل عدة ضربات ضد حلفاء إيران في المنطقة خلال 24 ساعة فقط نهاية أغسطس الماضي.

ومن ضمن هذه الضربات قصف إسرائيلي أدى لمقتل عنصرين في سوريا، تلقيا تدريبهما في إيران، إضافة لعملية نفذتها طائرة دون طيار ضد هدفٍ قرب مكتب لحزب الله في جنوب بيروت، وضربةٍ جوية أخرى في مدينة القائم بالعراق، والتي قتل على إثرها قائدٌ لميليشيا عراقية تدعمها إيران.

هذه الضربات المباشرة في لبنان والعراق تحمل في طياتها تغيرًا في الطريقة التي تنخرط خلالها إسرائيل في الدول المجاورة لها، إذ لم تنفذ قبل ذلك ضربات عسكرية مباشرة سوى في سوريا مؤخرًا، في ذات الوقت الذي تتوقف فيه عند شجب واستنكار السياسات الإيرانية في المنطقة.

وفي رده على العملية التي نفذتها إسرائيل في بيروت –وهي أول ضربة عسكرية إسرائيلية على العاصمة اللبنانية منذ حرب 2006- استهدف حزب الله مدرعة عسكرية إسرائيلية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

نتنياهو بات متخوفًا من امتلاك حزب الله لمصانع صواريخ باليستية دقيقة في لبنان، الأمر الذي نفاه قائد حزب الله حسن نصر الله، لكنه لم ينفِ امتلاك حزبه لصواريخ.

وبينما وصف حزب الله العملية الإسرائيلية في بيروت بـ «حيلة انتخابية»، أعلن قواعد اشتباكٍ جديدة: «حزب الله سيسقط أي طائرة دون طيار تدخل المجال الجوي اللبناني، وقد يرد بقصف الأراضي المحتلة بعد ذلك».

محاولة نتنياهو العزف على أوتار اليمين المتشدد بإعلانه عن «التفكير» في القيام بحملة عسكرية ضد قطاع غزة لم تكن أكثر من «حيلة انتخابية». لكن مثل هذا قد يكون له عواقب حقيقية على جبهة إسرائيل الشمالية المدعومة من إيران (سوريا ولبنان)، خاصة بعد هجوم الطائرات دون طيار تابعة للحوثيين على آبار النفط التابعة لشركة «أرامكو» السعودية. فهل ستهدأ هذه الجبهة، أم ستعود الجبهة الشمالية للاشتعال من جديد بعد الانتخابات؟

اعلان