أدب القرين| 3- «الفسكونت المشطور» لإيتالو كالفينو
 
 

يقترح عالم النفس السويسري كارل يونج أننا منذ سن مبكرة نبدأ في تطوير «أنا» واعية وشعورًا بالذات، يتشكل معها نظامان نفسيان مستقلان: قناع الشخصية وظلها. يعرف العرب هذه الظاهرة باسم القرين، وفي هذا البرنامج نقرأ ثلاث روايات ونكتب عن أدب القرين. يذكرنا هذا اﻷدب بما يفعله الناس عندما يكفون عن قمع ظلالهم في الزوايا المظلمة من النفس، وتفتح تلك القراءات صندوق باندورا وتستخرج كل ما فيه: فوضى الميول الخطيرة التي تكمن في ظلنا الذكوري (نادي القتال لتشاك بولانيك)، كما الوعي بالظل اﻷنثوي بصفته قوة كامنة ومصدرًا من مصادر تجدد الذات (أطياف لرضوى عاشور)، ونختتم باللقاء بين اﻹنسان وقرينه أو الشخصية وظلها، ليس باعتباره لقاء ضروريًا فقط بل لكونه حدثًا مرغوبًا فيه (الفسكونت المشطور ﻹيتالو كالفينو). 

***

الفسكونت

صدرت رواية «الفسكونت المشطور» عام 1952، وهي رواية ضمن ثلاثية روائية حملت اسم «أسلافنا» للكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. تضم ثلاثية أسلافنا: «البارون طالع الشجرة» و«فارس بلا وجود»، وخلال طابع الثلاثية الخرافي سوف نلحظ أفكارًا سياسية واجتماعية وعقائد أخلاقية، يحاول إيتالو كالفينو فيها أن يعبر عن واقع المجتمع الذي تحكمه النظم الكبرى من رأسمالية وغيرها في عصر الحرب الباردة، وأثر كل هذا على جسد الكائن العاقل ونفسه، فكل منهما يتأثر بدرجة ما مع تغيرات المجتمع الحديث المضطردة والفجة.

ربما على عكس ما كان سابقًا في عصر أسلافنا القدامى والأساطير التي وصلت إلينا عنهم، كنا نرى انسجاما تامًا بين الإنسان والطبيعة من حوله، مثلما في الميثولوجيا الإغريقية التي أتت في البداية كتفسير للطبيعة وحوادثها، بينما في ثلاثية كالفينو سنرى انقسام الإنسان على نفسه وانسلاخه عن طبيعته وكأنه غريب فيها وعنها، استدعى إليها من عصر قادم أو ماض، فتجد البارون يترك القصر ليعتزل العالم ويظل ماكثًا فوق شجرة، والفارس الذي لا وجود له يبحث عن شيء يثبت به وجوده، وترى الفسكونت مداردو ينقسم لشطرين بقذيفة شقته أثناء الحرب ضد الأتراك، فيواصل كل جزء منهما حياته بنصف جسد ونصف نفس، أحدهما يمثل النصف الشرير والآخر يمثل الطيب. تدور أحداث الرواية لتظهر أفعال كل منهما ورؤيته للحياة من خلال نصفه هذا.

 فطرة اﻹنسان بين الخير والشر

عبر كالفينو عن عقائد أخلاقية مختلفة وجعلها عمودًا فقريًا للرواية، اختار لها الراوي وخلق لها جسدًا كان بمثابة الإطار الذي يسمح لنا بفهمها وقبولها وبأن نستشف من خلالها الرؤية المكونة لها. ذهب كالفينو خلال هذا السياق في روايته «الفسكونت المشطور» إلى تضاد الخير والشر ليوضح لنا شيئًا بعينه وهو الانقسام. تبدأ أحداث الرواية بانشطار الفسكونت مدرادو إلى نصفين، يذهب كل منهما إلى حال سبيله، فيعود أحدهما إلى القصر مرة أخرى، نكتشف بعدها أنه نصفه الشرير، أما الآخر فيجده ناسكان ويداويانه ليعود بعدها ونعرف أنه نصف الفسكونت الطيب.

أداة القرين التي لطالما استخدمها الشعراء والكتاب بشكل مجازي تام في أعمالهم، وضعها كالفينو أمام أعيننا مجسدة في واقع اﻷحداث، فلا نجد شخصين أحدهما ظلا للآخر هنا، بل نجد الشخص نفسه ينقسم لنصفين، وفي هذه الحالة من منهما الشخصية ومن ظلها؟ وإذا ما تصادف وتمايز أحدهما عن الآخر بصفتي الخير أو الشر، فما هي الفطرة التي فُطر عليها؟ 

استخدم الكاتب أمثولة الحرب ومظاهرها التي حولت طيور اللقلق لحيوانات تقتات على لحم الجثث التي تملأ ساحة الحرب كي يظهر من خلالها فكرته الأصيلة خلف الرواية، وهي عصر الحرب الباردة التي تقسم العالم إلى معسكرين وتشطر الإنسان إلى نصفين وتحيرنا بالتساؤل: هل قوى الشر فينا تنتظر فرصة ما للخروج، أم أننا مزيج من الخير والشر لا يمكن فصله وليست لنا فطرة أصيلة؟ مزيج إذا حدث وانفصل فسيظل يبحث عن كمال من نوع آخر يفهم سعيه وأمله.

شر الكمال وخيره

ها نحن هنا بين نصفي الفسكونت نشاهد كل منهما وأفعالهما وفلسفتهما عن الحياة مصورة على لسان الطفل الراوي ابن أخت الفسكونت، فنرى نصف ميداردو الشرير يشق كل شيء في الطبيعة إلى نصفين ويفصح عن فلسفته ويقول: «هكذا إذا ما رغبت بشطر شيء كامل إلي نصفين ربما استطاع أي شيء أن يخرج خارج كماله الساذج والبليد، عندما كنت كاملًا كانت تبدو لي الأشياء بأسرها طبيعية ومختلطة، بلهاء كالهواء، كنت أعتقد بأني أرى كل شيء، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى مظهر خارجي للأشياء»، بينما يعطي ميداردو الطيب عصاه التي يتوكأ عليها لأحد الشيوخ بالقرية فيضرب بها الأخير امرأته ويقول: «هذا هو فضل أن يكون الإنسان مشطورًا، إنه يعني القدرة على فهم أي شخص.. أنا كنت كاملًا، ومع ذلك لم أكن أفهم جيدًا.. ها أنا ذا الآن أملك شعورًا بالأخوة أكثر مما كنت أعتقد عندما كنت إنسانًا كاملًا». وأهل المدينة بين شر سادي وخير ساذج لا يعجبهم أيا من النصفين.

هل الكمال فكرة لا يمكن بلوغها إلا في كمال الشر وحده؟ ستجد في الرواية نصف الفسكونت الشرير يتطرف في كل مظاهر الشر فيحرق مربيته ويدعي أنها مريضة جزام كي يعزلها في المستعمرة، ويشنق الناس ويصنع آلات التعذيب ولا تظهر عليه أيًا من مظاهر الطيبة، حتى عندما أحب باميللا فقد أظهر حبها رغبة في تملكها، بينما تتحول أفعال ميداردو الطيب لأفعال شريرة بسبب سذاجتها وخلوها من التحليل والمنطق والحيلة والحق والعدل، فهو لا يريد إلا تحقيق السلام وإزالة آلام الناس فإذا به يضيف لآلامهم آلامًا أخرى، أراد كالفينو أن نرى كيف أن كلا منهما بعيدًا عن الآخر، وكيف أن كليهما يحقق نتيجة واحدة في الوقت نفسه.

حين يكتمل نصفي الفسكونت مرة أخرى في نهاية الرواية بعد أن ذاق كل منهما كمال أنصافه، يعيد المعادلة إلى كمال مختلف، كمال يتحقق من مزج الشر بالخير، فيصبح مزيج تستطيع النفس البشرية العارفة والمجربة وحدها صنعه.

 اﻷنوثة التي تعي كل ذلك الجنون

خلال رحلة شطري الفسكونت، ومنذ ظهورهما في القرية وحتى اكتمال كل منهما باﻵخر في المعركة الأخيرة، كانت الشخصيات الأنثوية دليل القارئ في الرواية حتى لا تأخذه السردية ذات الطابع الأسطوري وتزويه بعيدًا عن هيكل الرواية وفكرتها الفلسفية المحورية، فتجد كلا من باميللا التي أحبها شطرا الفسكونت والمربية العجوز سيباستيانا تفهما كلا جانبيه على حدة، وتتصرفان معهما بطريقة تختلف تمامًا عن طريقة أهل القرية، فنجد باميللا تهجر نصف ميداردو الشرير عندما ينوي الزواج منها وترحل إلى الغابة مبتعدة عنه تاركة أمها وأبيها وخوفهما منه، لتقابل الطيب في الغابة فتعلم أنه رقيق أكثر من اللازم. تذهب باميللا إلي القصر مع نصف الفسكونت الشرير ولا تذهب لفعل الخير وخدمة الناس مع نصف ميداردو الطيب، بل تفضل البقاء في الغابة تصنع الحيل الإنسانية لفهم الوضع ومسايرته.

ننتقل من باميللا إلى المربية سيباستيانا التي ربما لا نلاحظها كثيرًا إذا ما قرأنا الرواية بعين الطفل الذي يحكيها. سنلاحظها فقط في إطار الظلم الذي وقع عليها من نصف الفسكونت الشرير والذي سبق اﻹشارة إليه. نرى فيها بأس مثير للانتباه، بينما إذا ما تذكرنا كلمات كالفينو عن شخصيات روايته فسنجد المربية تمثل الأنثى، الأنثى التي تدرك اﻹنسان ومشاعره ودواخله في أقصى حالات تمردها، وهي الانقسام لشقين، فنجدها توبخ النصف الطيب بسبب أعمال النصف الشرير وتوجه النصح لكليهما علي أنهما شخص واحد، ففي الوقت الذي يتبرأ فيه الطيب من الشرير تتهكم هي على طيبته التي لم تحرك فيها ساكنا. لم تفصل المربية بين النصفين، هذا لأنها تراهما شخصًا واحدًا، وتدين كل منهما علي أفعال اﻵخر، حتى أنها كانت تسرد للنصف الطيب تبعات أفعاله الطيبة وتسأله ألا يتباهى بها، فكل ما يحدث ليس إلا من صنع يده. فهل إذن باميللا وسيباستيانا هما من حددتا مسار أحداث الرواية؟

في النهاية سيظل التعبير عن القرين في رواية «الفسكونت المشطور» أمرًا يستحق التمعن فيه، ورغم أن كالفينو أجابنا عن بعض الأسئلة حول فطرة اﻹنسان وكماله من خلاله، فقد ترك لنا من اﻷسئلة أكثر مما أجاب عليه، لكنه قدم لنا لمحة الأمل الأخيرة في اندماج شطري الفسكونت كمحاولة لكتابة نهاية بديلة لما يفعله بنا عصرنا الذي يمزق ذواتنا.

اعلان
 
 
سهير رجب الشرقاوي