عمالقةٌ بالون| 2- اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

مقدمة السلسلة والحلقة الأولى: «عمالقةٌ بالون: 1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني»

في منتصف التسعينيات، ظهرت خدمة جيوسيتيز، والتي وفّرت خدمة الاستضافة المجانية لصفحات الوِب. تعرفت على هذه الخدمة في السنوات الأخيرة من التسعينيات. تشبه -إلى حد ما- المدونات، لكن بإمكانيات أقل بكثير، وكان على المستخدم أن يكون على دراية بكتابة أكواد «إتش تي إم إل».

من خلال المنتديات، تعلّمت الكثير عن الوب، فقد عجّت بمشاركات تشرح بالعربية كيفية إنشاء منتدى واستخدام برمجيات إدارة المحتوى (Content management system) والتي كانت ما تزال جديدة في هذه الفترة. أذكر جيدًا سعادتي بنجاح أول تجربة في تنصيب برمجية PHP-Nuke على استضافة مجانية تدعم قواعد البيانات من نوع MySQL.

كانت جيوسيتيز بداية جيدة لتجربة إطلاق صفحة وِب لي. كتبت أكوادًا بسيطة لتكوين صفحة واحدة بها روابط لمواقع عربية. لاحقًا، أضفت بعض الصفحات التي تشرح بعض البرمجيات البسيطة التي كانت منتشرة في هذا الوقت، بالإضافة لشرح التسجيل في أحد المواقع التي قدمّت خدمة استضافة مجانية لمواقع الوِب.

كانت مجلة الشباب في هذه الفترة -على ما أذكر- تنشر صفحتين في كل عدد عن مواقع الوب العربية والأجنبية، وتطلب من القراء أن يرسلوا روابط المواقع التي يستخدمونها لعرضها في كل عدد. أرسلت موقعي إلى مجلة الشباب. كنت سعيدًا عندما رأيت موقعي واسمي في العدد التالي مع عبارة (الشاب الطموح من منيا القمح).

كان متصفح «إنترنت إكسبلورر» هو الأكثر شهرة بين المستخدمين وقتها. بالصدفة عرفت متصفحًا آخر اسمه «نت سكايب». المبرمج الذي أسس «نت سكايب»، مارك آندرسن (Marc Andreessen)، هو أيضًا أحد المشاركين في تطوير أول متصفح إنترنت «موزاييك». نت سكايب كان مختلفًا وأكثر تطورًا من إنترنت إكسبلورر بكثير، وأخذ حصة ضخمة من سوق المتصفحات قبل أن تهيمن ميكروسوفت عليه. وفي سنة 1998، توقف تطوير «نت سكايب» وأُطلق كمشروع جديد مفتوح المصدر تحت اسم «موزيلا».

استحوذت «ياهو» على خدمة جيوسيتيز في نهاية التسعينيات، وأغلقت الخدمة وحُذف محتوى الصفحات على جيوسيتيز. بعض المبادرات التي تولي أهمية لأرشفة محتوى الوِب أطلقت في 2009 مواقع أرشيفية لمحتوى صفحات جيوسيتيز، كما أُتيح الأرشيف عبر التورنت.

«أين» و«أرابيا» و«مكتوب»

حاولت بعض المواقع العربية في أواخر التسعينيات وأوائل اﻷلفية الجديدة أن تقدّم بديلًا عن خدمات المواقع الأجنبية، بعضها كانت تقدم خدمات جيدة بالفعل. موقع «أين» على سبيل المثال حاول أن يُقدّم بديلًا عربيًا لموقع «AOL»، فقدّم خدمات استضافة الصفحات الشخصية والبريد الإلكتروني والدردشة ومحتوى إخباري ودليل لمواقع الوِب ومحرك بحث. لاحقًا، قرأت أن موقع «أين» أطلقه مجموعة من الشباب العرب المقيمين بأمريكا. هناك أيضًا موقع «أرابيا» اﻷردني، والذي حظي بشعبية واسعة على الوِب العربي وقدّم خدمات متعددة لدرجة أن الملياردير السعودي الوليد بن طلال استثمر فيه على ما أذكر. وهناك موقع «نسيج»، والذي أُطلق من السعودية وقدّم خدمات ومحتوى ترفيهي وإخباري وبريد إلكتروني ودليل لمواقع الوِب وحلول تقنية لقطاع الأعمال. 

لقطة من الصفحة الرئيسية لموقع مكتوب تعود لسنة 1999

في نهاية التسعينيات -ربما سنة 1999- ظهر موقع «مكتوب» كواحد من المواقع العربية التي توسعت قاعدة شعبيتها سريعًا بين المستخدمين، خاصة أن الموقع قدّم عددًا ضخمًا من الخدمات من بينها البريد الإلكتروني والمنتديات والمحتوى الإخباري ومحرك بحث وتخزين سحابي (Cloud Storage). على الأغلب، كان مكتوب أول موقع عربي يقدم خدمة التخزين السحابي. نافس «مكتوب» جميع المواقع العربية ذات الشعبية بين المستخدمين في المنطقة العربية، وربما كان سببًا في إغلاق بعضها وتغيير نشاط الآخر، لدرجة أن شركة الاستثمارات المالية المصرية «هيرمس» استثمرت فيه في بداية الألفينات.

لاحقًا في 2009، اشترى موقع «ياهو» موقع «مكتوب» مع العديد من خدماته، منها المنتديات والبريد الإلكتروني والمدونات وغيرها من الخدمات التي قدمها الموقع على مدار عشرة سنوات. الصفقة كانت ربما الأولى في المنطقة العربية؛ موقع عالمي يشتري موقع إقليمي يمتلك قاعدة مستخدمين تتجاوز 16 مليون مستخدم ولا يوجد له منافس محلي في المنطقة العربية تقريبًا. قيمة الصفقة كانت 100 مليون دولار.

بعد إتمام الصفقة، أبقت «ياهو» على خدمات «مكتوب» ووعدت المستخدمين بتطوير الخدمات التي يُقدّمها. لاحقًا، أغلقت «ياهو» منتديات ومدونات «مكتوب»، وخسر الوِب العربي ملايين الصفحات. كانت صفقة الاستحواذ هذه الأكثر ضررًا على الوِب العربي على الإطلاق.

كان لـ «مكتوب» استثمارات عديدة، ولم تستحوذ «ياهو» على جميع هذه الاستثمارات. تبقت العديد من الخدمات التي ارتبطت بموقع «مكتوب»، وضُمّت هذه الخدمات لاحقًا في شركة مجموعة «جبار» للإنترنت. من ضمن هذه الخدمات موقع «سوق دوت كوم»، الذي استحوذت عليه أمازون في 2016 بمبلغ 600 مليون دولار. وشملت هذه الصفقة أيضًا موقع «باي فورت» للدفع الإلكتروني. ما تزال مجموعة «جبار» تمتلك خدمات عديدة، ربما أهمها خدمة «كاش يو»، التي توفّر بطاقات للدفع على الإنترنت.

«لينكس» أول مرة

في تلك الفترة -ربما سنة 2000- أصدرت مجلة الشباب في أحد أعدادها شرحًا على عدة صفحات لكيفية تنصيب نظام تشغيل لينكس «Mandriva Linux». ومع العدد، كانت هناك هدية عبارة عن قُرص مضغوط يحتوي على نظام التشغيل. لم أكن أعرف أي شيء عن توزيعات جنو/لينكس، لكنني قررت تجريب الشرح الموجود في مجلة الشباب بعد أن عرفت بعض المعلومات الجيدة التي صاحبت الشرح. بدأت في تنصيب النظام كما بالشرح، وأنهيت التنصيب. فجأة لم أعد قادرًا على الاتصال بالإنترنت من خلال كارت الفاكس، ولم أجد أي من الملفات التي كانت موجودة قبل ذلك. أخذت الحاسب وذهبت لأحد الأصدقاء ممن يمتلكون خبرة أكبر وبدأنا في حذف النظام. تخيّلت وقتها أن الموضوع بسيط وسنقوم بإعادة تهيئة القرص الصلب وتثبيت نسخة من ويندوز ليعمل الحاسب بشكل طبيعي. ما حدث أننا لم نستطع تهيئة القرص الصلب مرة أخرى. وبعد محاولات عديدة، توقف نظام تشغيل «لينكس» عن العمل، ولم أعد قادرًا على الإطلاق على التعامل مع القرص الصلب.

حاولت بمساعدة أصدقاء لعدة أيام أن أقوم بإعادة تهيئة القرص الصلب، لكن جميع المحاولات فشلت، حتى اقتنعنا جميعًا أن القرص قد تلف تمامًا. وقتها استبدلته بآخر جديد، ولم أجرؤ على تجربة «لينكس» مرة أخرى إلاّ بعدها بأكثر من سبع سنوات.

لم يكن القرص الذي استبدلته قد تلف. فقط كان جدول توزيع الملفات الذي اخترته وأنا أقوم بتنصيب لينكس غير مدعوم في برنامج إعادة تهيئة القرص الصلب الذي استخدمته، ولم أستطع الاتصال بالإنترنت عبر كارت الفاكس لأن التعريف الخاص به لم يكن متوفّرًا لتوزيعات جنو/لينكس، مثله مثل أغلب عتاد الحواسيب في هذه الفترة. لاحقًا، سنة 2007، أصبح أوبنتو (أحد توزيعات جنو/لينكس) هو نظام التشغيل الوحيد الذي استخدمه بعد أن حضرت ورشة من تنظيم مجموعة جنو لينكس مصر.

في 2007، أُتيحت لي فرصة أخرى للتعرف على توزيعات جنو/لينكس عبر تدوينة على مدونة «دلو منال وعلاء» بعنوان «حيث تأكل البطاريق الطعمية». حضرت لاحقًا المهرجان الرابع للبرمجيات الحرة من تنظيم مجموعة جنو/لينكس مصر في مسرح روابط، حيث قُسم المشاركون لمجموعات. من وقتها لا يزال جنو/لينكس هو نظام التشغيل الوحيد الذي استخدمه.

ويكيبيديا والموسوعات الحرة

في عام 1996، أسس جيمي ويلز (Jimmy Wales) شركة «بوميس» (Bomis) مع آخرين. أطلقت الشركة موقعها الإلكتروني، وهو عبارة عن بوابة تقدم محتوى متنوع موجّه للرجال بشكل أساسي. ومن ضمن المحتوى المُقدّم، كانت الشركة تقدم عبر موقعها صورًا إباحية. تعرّف جيمي ويلز على لاري سانجر (Larry Sanger) الحاصل على دكتوراة في الفلسفة عبر أحد القوائم البريدية. وعبر شركة «بوميس»، أسس جيمي ويلز موسوعة «نيوبيديا» (Nupedia) في نهاية سنة 1999، وعيّن لاري سانجر مديرًا لتحريرها. لاحقًا عمل لاري كأول مدير لتحرير موسوعة ويكيبيديا. كانت نيوبيديا عبارة عن موسوعة يحررها خبراء ثم تراجع من قبل متخصصين قبل نشر مقالاتها كمحتوى حر.

في نفس الفترة، كان ريتشارد ستولمان (Richard Stallman) قد اقترح إنشاء موسوعة حرة تحت اسم «جنوبيديا»، وهي الفكرة التي كانت قريبة جدًا من مشروع نيوبيديا. ولعدم حدوث التباس بين المشروعين، غيّر ستولمان اسم الموسوعة إلى GNE. ريتشارك ستولمان هو مؤسس مؤسسة البرمجيات الحرة (Free Software Foundation) وهي المؤسسة التي بدأت بتطوير نظام التشغيل جنو كبديل عن نظام التشغيل يونكس، والذي تطور لاحقًا من مجتمع المبرمجين ليصبح توزيعات جنو/لينكس. استمرت نيوبيديا في العمل حتى عام 2003، عندما قرر جيمي ويلز إطلاق ويكيبيديا، وتوقفت نيوبيديا وجنوبيديا عن العمل، ودعمت مؤسسة البرمجيات الحرة مشروع ويكيبيديا لتصبح الموسوعة الأكبر على الإنترنت، والتي يشارك ملايين المستخدمين المتطوعين في تحريرها رغم وجود بعض الانتقادات التي توجه إليها بخصوص الموثوقية والجودة والمصداقية.

في المقال القادم، يتساءل محمد الطاهر: «بلُج» أم «بلوغ»؟

اعلان
 
 
محمد الطاهر