ما كشفه محمد علي دون قصد

القوات المسلحة لا تخشى حديث شريكها السابق محمد علي عن دورها في إدارة الاقتصاد وتأسيس البنى التحتية. الجميع يعيش مع هذا الدور يوميًا، خاصة بعد أن تخطى البنية التحتية ووصل إلى الصناعات الثقيلة والأدوات الطبية السلع الغذائية.

رؤية الدولة للمواطن المصري محددة بدقة. مع قراءة خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسي نرى المواطن المثالي: يعمل كثيرًا، يأكل قليلًا، ليس بدينًا، ولا يتدخل في أمور الكبار. حتى لو تضمنت هذه الأمور تنازل عن جزر هامة وإعادة ترسيم حدود مع دولة أخرى. في النهاية الرئيس «مش عايز حد يتكلم في الموضوع ده تاني». 

المواطن دوره أن يعمل لبناء الوطن، وأن يخاف.

الجميع يعرف ما قاله محمد علي، هو فقط أعطاه بعدًا ميدانيًا وفسّره بشكل عملي. إلا أن حديثه شكك في اثنتين من أهم أفكار ودعاية الدولة. الأولى أن الدولة وإن كانت لا تقدر قيمة حقوق الإنسان الأساسية، وإن كانت تزدري مسائل الحريات العامة والتعبير، فإنها تتمسك بالنهضة الاقتصادية وتأسيس المشروعات الكبرى، بالطبع تحت إشراف القوات المسلحة. الثانية: اختصار الإجراءات البيروقراطية من أجل تحقيق أكبر كم من الإنجازات في أقل وقت من الممكن، وإنقاذ البلد من الانهيار.

ما يقوله علي أن لا هذا صحيح ولا ذاك حقيقي. اختصار الإجراءات البيروقراطية هي ليست عملية وتحررًا من قيود بالية، لكنه فساد ينال من مليارات الجنيهات وينتهك بيئة الاستثمار ويضرها في مقتل. الدولة لا تعوّض سجلها المريع في انتهاكات الحريات العامة والخاصة بنهضة اقتصادية. 

تجديد مقابر والدة الرئيس، وإعادة بناء استراحة الأعياد في الإسكندرية، وبناء فندق فخم في التجمع الخامس، هي أمور، عادةً لا تحقق لا تنمية ولا نهضة، ولا تعوض عن شيء.

عندما يُفاصل الرئيس مع قيادة عسكرية في مدة تنفيذ مشروع ضخم، ويقلصها من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة، فهو يقر بأن الكثير من تفاصيل المشروعات الكبرى ليست مهمة ومن الممكن تفاديها. 

الدولة، تحت إدارة السيسي، ترى أن مسألة تلقي عروض المقاولات والمناقصات هي مجرد مضيعة للوقت، كما أنها تشكّل معبرًا لـ«رجال الأعمال الفاسدين» لتحقيق الأرباح. وعليه، فإن طريقة التعامل المثلى هي أن تنفذ القوات المسلحة المشروع، بوصفها جهة الضبط والربط. وإن حالت قدرتها على ذلك، فالحل في الإسناد المباشر لأهل الثقة، أو لنقل ممن تتبناهم القوات المسلحة نفسها وتساهم في تأسيس إمبراطورياتهم الاقتصادية فأصبحوا أبناء للجيش بالتبني.

ترقى السيسي إلى الرئاسة، وبات يُشار له همسًا باسم «الراجل». «الراجل هايزعل». «الراجل لازم يشوف الأوتيل على أحسن طراز». «الراجل لازم يشوف المدافن تفتح نفس الميتين وترد روح القلب الحزين».

عندما يترقى الضابط ويصبح رئيسًا، فإن زملائه، الذين جاوروه في المكتب والمعسكر، يسعوا للسيطرة على القطاعات الاقتصادية وتكليف الشركات بمشروعات غير مدروسة ليس بغية العملياتية والابتعاد عن الإجراءات البيروقراطية المكلفة، وإنما فقط لإرضاء «الراجل»، على الأقل، هذا ما تقوله إدعاءات محمد.

محمد علي الخائن

هل محمد علي خائن؟ ببساطة نعم. خان دولاب العمل وآليات الاتفاق مع الضباط. خان اللواءات ومشاريعهم، وخان قواعد اللعبة. 

لكن… لنتخيل مثلًا اتصال الموظف في وكالة اﻷمن القومي إدوارد سنودن بصحفي «جارديان» جلين جرينوالد ليكشف له عن تفاصيل برامج التجسس الأمريكية. لنتخيل أن الأخير رفض الاتصال به، وحاضره في دور الوكالة في تخريب المجتمعات وتعزيز جماعات العنف، وأن عمله فيها يعني أنه شريك لهم.

جيد أن ذلك لم يحدث. بفضل سنودن عرفنا أننا تحت المراقبة، وكيفية حدوث ذلك. معظم تقنيات حفظ الخصوصية وتجاوز الحجب والإفلات من المراقبة مبنية تأسيسًا على ما كشفه سنودن. الموظف السابق في الوكالة نفسها. الشريك الخائن.

أمثال علي يُعرفون باسم «نافخو الصفارات Whistle blowers». هؤلاء هم الأكثر اطلاعًا ومعرفةً. وهؤلاء أكثر القادرين على تحطيم الترتيبات النظامية، وكشف عمليات تجميل الفساد والنهب.

هناك مثلا دانيال إلسبرج، والذي عمل كمحلل عسكري، وقدم النصائح والاستشارات للإدارة الأمريكية، وكان له اطلاع منتظم على ملفات الجيش. أثناء حرب فيتنام، سرّب إلسبرج إلى صحيفة «نيويورك تايمز» دراسة فائقة السرية أجراها الجيش الأمريكي عن الحرب في فيتنام، وكان لها فضل في تأجيج الحراك الداخلي المناهض للحرب.

أما بيري فيلووك، وكان باحثًا في وكالة الأمن الوطني الأمريكية، فقد كشف في عام 1971 في حواره مع مجلة أمريكية عن وجود الوكالة واستخدامها لتقنيات مراقبة وتجسس على الشعب الأمريكي بصورة غير شرعية. أدى ذلك في ما بعد للإعلان عن أنشطة الوكالة بشكل رسمي لأول مرة، بعد سنوات من العمل السري غير المعترف به.

في السبعينيات كذلك، سرّبت الضابطة كاثي ماسيتير في جهاز «MI5» البريطاني وثائق تكشف أن الجهاز بالغ في تقدير خطورة بعض الجماعات ليبرر التجسس عليهم، ومن بينها النقابات العمالية وحركات مناهضة الحرب وحركة مناهضة السلاح النووي.

الكثير من الأمثلة. موظفو شركات كبرى يكشفون عن فساد أو احتيال على الزبائن، ضباط في أجهزة مخابرات، أطباء يعملون في برامج سرية، علماء ومتخصصون… والآن، بات لدينا مقاولون.

أين الصحافة؟

أصبح لدينا نافخ صافرة لكن ليس لدينا صحافة. ليس خافيًا على أحد ما فرضه النظام الحالي على العمل الصحفي، سواء بالقانون أو بقوة الواقع. كان طبيعيًا أن تتفاعل المؤسسات الصحفية والإعلامية مع ما قاله الرجل بالتدقيق والمراجعة والتوثيق، غير أن ذلك، تحت الشروط المتاحة، ليس منتظرًا.

ما تكشفه القصة الحالية أن الجمهور لم يعد مكتفيًا بمقعد المشاهد. ولن ينتظر انفراجة ما أو وعد من المجلس الأعلى للإعلام بالانفتاح وإطلاق حق تداول المعلومات. ما أن ينتهي بث الفيديو الجديد حتى يغرق الفضاء الإلكتروني بمنشورات لهذا الجمهور، يتدخل ويلجأ لأدوات التدقيق والتحقق، التي كان من المفترض أن تكون من اختصاص الصحفيين.

تطرح هذه القصة مفارقة ثابتة لدى عقل الدولة. ذلك الذي تفاجئ بمسألة الإنترنت منذ انتشار حركة التدوين في 2005، وتخيّل أن حذف مقاطع مصورة من موقع أو اثنين ربما ينهي المسألة.

بالطبع كان هذا تصورًا كارتونيًا. لم تنته المسألة، بل رافقت انفتاحًا على استخدام وسائل التدقيق والتحقق المتاحة على الإنترنت.

أحد المستخدمين أكمل ما بدأه محمد عند حديثه عن مكتب «ضياء» الاستشاري. كتب منشورًا عن مشروعات الشركة مع القوات المسلحة، تحديدًا في معبر السلوم البري، والمنطقة العسكرية الشمالية وجزيرة الشاي. كما أرفق المستخدم مع منشوره صورًا ومقتبسات من موقع الشركة نفسها.

مستخدم آخر سمع تفاصيل تجديد مقابر القوات المسلحة على طريق N/A، قارن التفاصيل بخرائط جوجل، عاد بالتاريخ لما قبل الوفاة، قارنها بما بعد، ونشر صورة لمدخل المقابر. كلام علي صحيح إذن.

مستخدم ثالث قارن خرائط حديقة المنتزة. هناك تجديدات وتفاصيل بناء جديدة. كلام علي صحيح مرة أخرى.

علي كشف أن محاولات قتل الصحافة لا طائل منها، ما تخشاه الدولة من الصحافة والإعلام لن يتبخر. وسائل التدقيق والكشف والتوثيق باتت أمورًا متداولة، أدواتها مجانية، وموجودة على هواتف كل عابر طريق في مصر، وهي أدوات بعيدة عن قدرة الدولة في الحجب والمنع الإلكتروني.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن