تشيرنوبل.. تاريخ الإنسان الممتد ككارثة
 
 
لوحة جدارية للفنان الأسباني بابلو بيكاسو، عام ،1937 مستلهمة من واقعة قصف طائرات تابعة للنازية الألمانية والفاشية الإيطالية لمدينة جرنيكا في إقليم الباسك، بناء على طلب القوميين الأسبان. 
 

 لدينا عشرات المقالات والكتب، وربما المئات، مما كُتب عن كارثة تشيرنوبل، أكثرها شهرة ما كتبته الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، «صلاة تشيرنوبل.. دفتر المستقبل»، وصدر مترجمًا إلى اللغة العربية بعد عام من حصولها على نوبل للأدب سنة 2015. ثم أتى المسلسل الأمريكي «تشيرنوبل» الذي عُرض العام الحالي، ليشاهد الملايين كيف وقعت الكارثة؟ ورغم أن العملين يتناولان نفس الحدث، فلكل منهما روح مختلفة. 

يمكن لأي شخص قرأ الكتاب وشاهد المسلسل أن يعرف بسهولة أن الأخير استخدم الكتاب كأحد المصادر لالتقاط روح تلك الأيام. غير أن المسلسل ركّز بالأساس على كيفية حدوث الكارثة، لتصبح العبارة الافتتاحية والختامية هنا «ما هي كُلفة الأكاذيب؟»، مقدمًا إجابته: عندما سيطرت الأكاذيب. أليكسييفيتش لم تكن معنية بذلك، لم تكن مهتمة بالحديث عن الكارثة وأسبابها. اختارت أليكسييفيتش الكتابة عن عالم الكارثة ذاته، ما هو أبعد مِن سؤال مَن نُحاكم؟ أو لماذا وقعت الكارثة؟

يحاول المسلسل تقديم رواية متماسكة ومُحكمة ومُسَلسَلة عما حدث، يبدأ بمشهد انتحار فاليري ليجاسوف، عالم الكيمياء وعضو اللجنة المسؤولة عن التعامل مع كارثة تشيرنوبل، في الذكرى الثانية لوقوعها. ثم يعود المسلسل لعرض تتابع الأحداث، في خمس حلقات، من وقت وقوع الانفجار إلى مشهد محاكمة مدير المحطة وكبير المهندسين ومساعده، وهي لحظة الكشف التي نفهم فيها كل تفاصيل الكارثة وكيفية وقوعها. وفيما بين البداية والنهاية، نرى مراحل التعامل مع أسوأ كارثة نووية في تاريخ البشرية. 

على العكس من المسلسل، تتمسك أليكسييفيتش بالروح المتشظية للعالم. لسنوات، تجمع عشرات الشهادات لكل من كان تشيرنوبل حدثًا محوريًا في حياتهم: زوجة رجل الإطفاء، عمال الإنقاذ، سكان المدن والقرى، من خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا، من رفضوا الخروج وبقوا من عمال الإسعاف، والعسكريين، والفنيين، والأكاديميين.. إلخ. لتعرض كل هذا كما هو، شهادات منفصلة مُذيّلة بأسماء أصحابها، حقائق متشظية عن العالم. 

الملصق الدعائي للمسلسل على اليمين والنسخة المترجمة من كتاب أليكسيفيتش للعربية على اليسار

هناك ما هو أكثر من مجرد التفضيلات الفنية المختلفة لتقنيات السرد وراء هذين الاختيارين. هناك رؤيتان مختلفتان للعالم: الأولى تطمح إلى تطبيق القاعدة العلمية للأسباب والنتائج، رغبة في الوصول إلى حقيقة متماسكة ومُحكَمة تصلح للإدانة (المستحقة بلا جدال) أو لاستخراج دروس واضحة (ضرورية بلا شك) لما يجب أو لا يجب فعله، والثانية تحاول الإمساك بروح ذلك العالم الذي أنتجته الكارثة، الروح الممزوجة بإشارات الكارثة المقبلة. هناك حقيقة أهم من حقيقة من المسؤول؟ وكيف لم ير أحد الكارثة قادمة؟ لكنها حقيقة لا تظهر جلّية، قوية، مكتملة النمو. هي روح مبثوثة في عالم الكارثة التي حدثت، والكارثة الوشيكة التي لم تحدث بعد. روح مرتبطة بتاريخ الإنسان نفسه الممتد ككارثة طويلة الأمد. هذا ما أرادت أليكسييفيتش الإمساك به. 

يجيب المسلسل على سؤال لماذا وقعت كارثة تشرنوبل؟، بأن المفاعل كان في الاتحاد السوفيتي، حيث كانت قناعة النظام قائمة على أن «كارثة نووية عالمية لا يمكنها أن تحدث في الاتحاد السوفيتي». بينما ترفض أليكسييفيتش أن يتحول كتابها إلى مجرد شهادة على عدم كفاءة الاتحاد السوفيتي فتقول في مقدمة قصيرة للترجمة العربية للكتاب، التي قام بها المترجم أحمد صلاح الدين، «سمعت وقت أن كانت الكارثة لا تزال في أيامها الأولى أن الناس يقولون، في كل أنحاء العالم: إن هذا لا يمكن أن يحدث إلا عندكم أيها الروس المستهترون، في حين ما كان ليخطر على بال أحد أن يطلق مثل هذا الوصف على اليابانيين عندما وقعت كارثة مفاعل فوكوشيما الياباني».

بينما تقرأ «صلاة تشيرنوبل» لا تتوقف عن التفكير في كل كارثة وقعت في تاريخ البشرية، ولا تتوقف عن استشعار الكارثة التي لم تحدث بعد. تقول أليكسييفيتش: 

«منطقة تشيرنوبل.. عالم في عزلة.. بداية، تناولوها من خلال الفانتازيا لكن سرعان ما وقف الأدب عاجزًا أمام الحقيقة. لقد ولى زمن بطل تشيخوف، لم يعد في استطاعتنا الإيمان بأن: سيغدو الإنسان رائعًا بعد مرور مائة عام! ستصبح الحياة بديعة! ضاع منا هذا المستقبل. بعد مائة عام، كانت معسكرات الستالينية (الجولاج)، وأوشفيتز.. تشيرنوبل.. و11 سبتمبر في نيويورك… إنه أمر غامض وعصي على الفهم، كيف صارت كل هذه الأحداث جزءً من حياة أحد الأجيال […] أتصور أحيانًا أنني أسجل المستقبل». 

مشهد من المسلسل

بينما يقف العالم ليجاسوف، في أحد مشاهد المسلسل، صارخًا في عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي شيربينا «نحن أمام كارثة لم تحدث من قبل في تاريخ البشرية» مشيرًا إلى عجزه عن معرفة ما ينبغي فعله في ذلك الموقف، تأخذ أليكسييفيتش ذلك الخيط وتمده على استقامته: يتجاوز الأمر معرفة الوسائل العلمية لاحتواء الإشعاع النووي الذي يتجاوز إشعاع قنبلة هيروشيما بمئات المرات. تشيرنوبل هي لحظة تحديق الإنسان في وجه الكارثة عاريًا من الوعي اللازم لاستيعابها. في الشهادات التي جمعتها أليكسييفيتش انهار الوعي بمعاني الزمن والمكان والحياة والموت. 

تقول أليكسييفيتش نقلًا عن أحد شهودها «لا زالنا نستخدم في أحاديثنا كلمات قديمة مثل بعيدًا، قريبًا، القريبون، الغرباء – لكن ماذا تعني كلمة قريبًا أو كلمة بعيدًا بعد الكارثة، عندما سارت سحب تشرنوبل الغائمة على مدار أربعة أيام فوق إفريقيا والصين؟ بدت الأرض صغيرة فجأة، إنها ليست تلك الأرض التي عُرفت أيام كريستوفر كولومبس». راجع/ي أسماء الكوارث التي ذكرتها أليكسييفيتش قبل فقرتين: «أوشفيتز.. تشرنوبل.. 11 سبتمبر، وهناك ما لم تذكره أيضًا: أيهم كان كارثة محلية؟ هل هناك مجال لكارثة محلية في عالمنا؟ هل يجوز في ذلك العالم أن نفكر أننا بعيدون كفاية عن الخطر؟ وهل يجوز أن ندعي أن هناك من هم قريبون كفاية ليتحملوا المسؤولية وحدهم؟» 

من المسلسل لأحد العاملين في المفاعل لحظة الخروج منه

بَنى الاتحاد السوفيتي على عجل غطاء خرساني فوق المفاعل رقم أربعة في محطة تشيرنوبل لاحتواء الإشعاع النووي داخل جسم المفاعل المنهار. سرعان ما ظهرت الشقوق في الغطاء الخرساني، فبُنيت قُبة أخرى معدنية قادرة على تحمل الإشعاع والحرارة والأعاصير لمدة 100 عام، بينما يستمر الإشعاع النووي آلاف السنين. يرتبك الوعي بالزمن أمام عمر الإشعاع: ماذا سيحدث بعد 100 عام، عندما ينتهي عمر القبة المعدنية؟ كم كارثة جرى الإعداد لها لأن هناك من ظن أن 100 أو 200 عام ستمر قبل أن تتفاقم آثارها ونحتاج لمواجهتها؟

في عالم الكارثة، يستعير الناس من ذاكراتهم صورًا لخبرات سابقة أملًا في أن تعينهم على إدراك ما يحدث، ليكتشفوا بعد ذلك أنها غير صالحة. يقول شهود أليكسييفيتش إن مشاهد الأيام الأولى لكارثة تشيرنوبل كانت أقرب إلى مشاهد الحرب. انتشرت الآليات العسكرية والجنود وأتوبيسات الإخلاء في شوارع مدينة بريبيات القريبة من المفاعل النووي والقرى الواقعة ضمن الـ30 كيلومتر المحيطة بمركز الإشعاع. لكن سرعان ما انهارت خبرة الحرب أمام الكارثة. حتى الجنود الذين كانوا يحملون السلاح دائمًا في الأيام الأولى، بدأوا في تركها جانبًا، فلا حاجة لها. البنادق لا يمكنها مواجهة الإشعاع، ولا يوجد سوى الفراغ الذي خلّفه نحو 350 ألف شخص أُجبروا على الرحيل من المنطقة المنكوبة. لم يبق إلا من نجحوا في العودة أو رفضوا الرحيل من البداية. هم أيضًا أدركوا أن لا حرب هنا، لا يوجد غير الحديث عن الإشعاع الذي لا يراه أو يشمه أحد، فلما نرحل؟ وماذا يبقى من العالم بعد الرحيل؟ هذا ما تتحدث عنه أليكسييفيتش، لم يعد أحد قادر على تجنب الموت الإشعاعي. وعندما قرر بعض الأهالي العودة، كانت حجتهم أنهم بالرحيل يتجنبون الحياة كما يعرفونها فحسب. غير أن العودة لم تكفل لهم الحياة التي اعتادوها. عادوا لمراقبة العالم المهجور، المتغير بفعل الإشعاع، في انتظار من لا يأتون أبدًا. أما من رحلوا، فعاشوا غرباء في أماكنهم الجديدة، وأصبحوا «شعب تشيرنوبل» الذي تعرّض للإشعاع، بينما يتجنبهم الجميع.

من المسلسل للمدينة لحظة محاولة إخلائها بعد انفجار المفاعل

انهار وعي لودميلا، زوجة رجل الإطفاء فاسيلي، بمعنى الموت والحب عندما امتصت طفلتها، التي لم تكن ولدت بعد، كل الإشعاع وماتت هي بدلًا من الأم. كان فاسيلي أحد الإطفائيين الأوائل الذين وصلوا إلى موقع المفاعل النووي بعد انفجاره. استمر طوال الليل مع زملائه في جهود الإطفاء، مُعرَّضين لقدر من الإشعاع يتجاوز كل الحدود الممكن احتمالها. مات فاسيلي في مستشفى في موسكو بعد 14 يومًا، لم تتركه خلالهما لودميلا، التي ظهرت شخصيتها في المسلسل أيضًا. كانت تعرف أنها تتعرض للإشعاع الكامن في جسد زوجها، لكنها كانت تقول «أنا مثل الكلبة، أتبعه حيث يكون». أخفت حقيقة حملها على أطباء المستشفى كي لا يمنعونها عنه. وعندما ماتت طفلتها بعد ولادتها بأربع ساعات لم تفهم «هل يمكن القتل بالحب؟ بحب كهذا! لماذا هذا القرب بين الحب والموت؟ دائمًا معًا. من يخبرني؟». ولدت الطفلة وهي تحمل قدرًا من الإشعاع أضعاف ما يمكن للبالغ احتماله. امتصت الطفلة كل الإشعاع وماتت لأن أمها أحبت رجل الإطفاء الذي واجه قلب المفاعل المفتوح.

من المسلسل لرجل الإطفاء فاسيلي

كان الجميع عاريًا أمام الكارثة، فكل ما عرفوه قبل تلك اللحظة لم يكن ملائمًا للتعامل مع ما حدث. تنقل أليكسييفيتش عن أركادي فيلين، أحد أعضاء فرقة مكافحة آثار الكارثة، قوله «لم يكن الإنسان قط على مستوى حادث مهيب، إنما أقل منه». يحكي إن بعض من تطوعوا ضمن 700 ألف شخص كانوا مسؤولين عن إزالة آثار الكارثة حلموا بالحصول على المقابل: الترقي المهني، الحصول على شقة دون طوابير انتظار، إلحاق طفل بالحضانة وشراء سيارة. «قدم أحد مديري المزارع صندوقًا من الفودكا هدية لمعسكر المتخصصين في قياس الإشعاع حتى لا يتم تسجيل قريته ضمن قائمة الإخلاء، في حين يقدم آخر صندوقًا ولكن هذه المرة كي يقوموا بإخلاء مزرعته، بعدما وعدوه بالحصول على شقة مكونة من ثلاث غرف في مدينة مينسك». «فر أحد المساجين. هرب وتوارى في منطقة الثلاثين كيلومتر. ألقوا القبض عليه. قادوه إلى أحد المختصين بقياس الإشعاع. حسنًا (إنه يبرق)، لا مكان له، لا في السجن، أو في المستشفى، أو بين الناس. أسعدتنا النكات هناك. يا لها من كوميديا سوداء». بينما يقول أوليكسي أنانينكو، أحد العمال الثلاثة الذين غاصوا في المياه أسفل قلب المفاعل لفتح طلمبة تصريف المياه، إنهم تلقوا أمرًا بتنفيذ المهمة ولم يكن هناك اختيار، كما أنهم لم يُكافئوا أو يُستقبلوا بالتحية بعد نجاحهم كما ظهر في المسلسل، «هذا عملنا.. من يتلق تحية على القيام بعمله؟»، بحسب أنانينكو الذي قال إنه قام بالعمل خوفًا من الفصل «أين يمكن أن أحصل على عمل آخر شبيه؟».

بينما جاء المسلسل محكمًا جيدًا في صنعه وقويًا في دفاعه عن وجهة نظره أن الأكاذيب تكلفتها باهظة، يعرض الكتاب صورة أكثر تشظيّا، لكنها تليق بوعي الإنسان المتفكك أمام الكارثة، لتبرز أسئلة أكثر صعوبة عن قدرة ذلك الوعي على تجنب الكارثة المقبلة. شاهد معظمنا المسلسل بينما تنسحب الولايات المتحدة الأمريكية (تمتلك 60 محطة نووية) من الاتفاق النووي مع إيران، فترد الأخيرة (تمتلك مفاعل ذري واحد و11 منشأة نووية أخرى) برفع معدلات تخصيب اليورانيوم، ثم تبدأ حرب ناقلات البترول والطائرات بدون طيار في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد ثلاثة حروب إقليمية في اليمن وسوريا وليبيا، تزدهر من خلالها مبيعات السلاح التقليدي، فيما يملك العالم في المجمل 450 مفاعلًا وأكثر من 14 ألف رأس نووي، وذخيرة معقولة من اليمين الصاعد بعنف في معظم قارات العالم. تحترق غابات الأمازون بينما يبدو رئيس البرازيل جايير بولسونارو غير مهتم بما فيه الكفاية، وتلغي الهند الحكم الذاتي لإقليم كشمير، بينما يقود رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتي حربًا على المخدرات في بلاده أسفرت عن مقتل 12 ألف شخصًا بدون محاكمة. وسط كل هذا تأتي كتابة أليكسييفيتش لتذكّرنا أنه «لم يكن الإنسان قط على مستوى حادث مهيب»، ولا يزال. ربما تكون تلك هي إشارة التحذير من الكارثة المقبلة، أو الكارثة التي نعيشها دائمًا.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن