«تمرد» في «النقض»
 
 

في الثاني من سبتمبر الجاري*، قبلت إحدى دوائر محكمة النقض طعن متهم في قضية اتجار بالمخدرات، وألغت حكم محكمة الجنايات الصادر ضده، وقررت إعادة قضيته مرة أخرى للجنايات لإعادة التحقيق، بالمخالفة للمادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، التي تنص، بحسب التعديلات التي أصدرها رئيس الجمهورية في 28 أبريل 2017، على أنه في حال قبول الطعن في أحكام الجنايات، تباشر النقض بنفسها التحقيق والفصل في القضية وألا تعيدها إلى محكمة الجنايات مرة ثانية.

تلك المخالفة، التي اعترفت بها الدائرة في حكمها، كانت في نظر قضاة ومراقبين بمثابة «التمرد على تنفيذ القانون» لإجبار السلطتين التنفيذية والتشريعية على تعديل القانون المنظم لعمل المحكمة بما يتوافق مع رؤية قضاتها، المخالفة لمفهوم «العدالة الناجزة» كما يراها رئيس الجمهورية، والتي تُرجمت في تعديلات قانوني الإجراءات الجنائية وحالات الطعن أمام النقض.

كان الرئيس السيسي قد عبر أكثر من مرة عقب اغتيال النائب العام السابق هشام بركات عن عدم رضاه عن مسار العدالة الناجزة، معتبرًا أن القضاء لن يستطيع التعامل بالحسم اللازم في ظل القوانين الحالية، وقال إن «يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين»، قبل أن يجدد طلبه بتعديل تلك القوانين وعلى رأسها الإجراءات الجنائية خلال مشاركته في تشييع جنازة ضحايا تفجير الكنيسة البطرسية في 12 ديسمبر 2016، وشاركه الرأي حينها مجلس النواب، بإمهال الحكومة شهرًا لإعداد قانون جديد للإجراءات الجنائية، قبل أن يوافق في أبريل 2017 على مقترح للنائب صلاح حسب الله عضو ائتلاف «دعم مصر» الموالي للدولة، بتعديل أربعة قوانين، من بينها حالات الطعن أمام النقض.

«جريمة موثقة في حكم قضائي»، كان هذا رأي مصدر قضائي بوزارة العدل في الحكم، موضحًا لـ«مدى مصر» أنه لا يجوز لأي مسؤول أن يمتنع عن تنفيذ أيٍ من القوانين المعمول بها في البلاد، «فما بالنا بالقاضي الذي يعمل على تنفيذ القانون».

وأشار المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، إلى أن الحكم يعبر عن رؤية كثير من قضاة محكمة النقض الرافضين للتعديلات الأخيرة لقانونها، غير أن دائرة المستشار عاطف عبد السميع كانت الأجرأ على إصداره، وهو ما برره بغضب عبد السميع، النائب الثاني لرئيس محكمة النقض مجدي أبو العلا المحال للتقاعد في 30 يونيو الماضي، من عدم اختيار الرئيس السيسي له لرئاسة المحكمة، واختيار المستشار عبد الله عصر -الخامس في ترتيب الأقدمية- لرئاسة المحكمة بدلًا منه.

كان المجلس الأعلى للقضاء قد أرسل في شهر مايو الماضي قائمة بأقدم سبعة مستشارين بمحكمة النقض لرئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، لاختيار رئيس المحكمة من بينهم، ضمت المستشارين: «طه سيد علي قاسم، عاطف عبد السميع علي فرج، حسن محمد حسين الصعيدي، عمر محمد بريك، عبد الله أمين محمود عصر، فتحي المصري بكر العربي، أحمد عبد القوي حسن أيوب»، ليعلن السيسي في 6 يوليو الماضي اختيار عصر لرئاسة المحكمة.

«قضاة النقض مش عايزين يشتغلوا»، يحدد المصدر سبب اعتراض قضاة النقض على التعديلات التي أصدرها السيسي في أبريل 2017، على قانون حالات الطعن أمام النقض، مفسرًا بأن تطبيق التعديلات يلزم المحكمة إذا انتهت إلى توافر أسباب موضوعية أو شكلية لإلغاء حكم الجنايات الصادر ضد أي متهم، بأن تقوم هي بنفسها بنظر القضية من جديد، وتصدر فيها حكمًا نهائيًا اختصارًا للوقت، غير أن هذا الأمر، بحسب المصدر، يتطلب بذل قضاة النقض جهد عقد جلسات لنظر القضايا وكتابة أسباب موضوعية لكل حكم يصدرونه، وهو ما يتعارض مع طبيعة عملهم الحالي، والذي يقتصر على ثلاثة أيام عمل فقط كل شهر.

اتهامات التقصير قابلها تحديد حيثيات الحكم الصادر عن دائرة الخميس بمحكمة النقض برئاسة المستشار عاطف عبد السميع لأسباب رفضها لتطبيق التعديل الأخير للقانون، في سببين؛ الأول أنها محكمة قانون (تراقب مدى التزام المحكمة  مصدرة الحكم بالإجراءات المنصوص عليها في القوانين خلال التحقيق مع المتهم) وليست محكمة موضوع (تستمع للشهود وتفض الأحراز وتصدر أحكام بناءً على ما تتوصل له من أدلة). وأن التزامها بالتعديلات الأخيرة للقانون يجردها من وظيفتها الأساسية في مراقبة تطبيق القوانين فضلًا عن أنها غير قادرة على نظر كل القضايا التي تلغي فيها أحكام محكمة الجنايات.

أما السبب الثاني بحسب الحيثيات، فهو أنها، على غرار المحكمة الدستورية العليا، تختص بتفسير القوانين، وفي ضوء تلك السلطة قررت المحكمة أن تتغاضى عن الإلزام الوارد بالمادة 39 من القانون وتجعل سلطة النقض في التصدي للقضايا بعد قبول الطعن في حكم الجنايات جوازية ومشروطة بتقدير النقض نفسها لمدى جاهزية القضية للفصل فيها من قبلها من عدمه.

مبررات المحكمة لمخالفة قانونها وصفها المصدر القضائي بوزارة العدل بـ«إقرار من تشكيل الدائرة (الرئيس و4 مستشارين) بالتمرد على تنفيذ القانون»، موضحًا أن المحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا، وهما محكمتا قانون، تستمعان لدفاع المتهمين وتطلعان على المستندات وتصدران أحكامًا في الموضوع والقانون معًا.

وتوقع المصدر أن يفتح الحكم الباب أمام دوائر أخرى بالنقض لتجاهل تنفيذ القانون لإقناع الحكومة والبرلمان بضرورة تعديل القانون والعودة إلى حالته قبل أبريل 2017 من حيث سلطة المحكمة في تحديد القضايا التي تنظرها بنفسها إذا ألغت حكم الجنايات فيها، والقضايا التي تحيلها إلى محكمة الجنايات مرة أخرى.

النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض، المستشار أحمد عبد الرحمن، من جانبه اتفق مع المصدر القضائي القريب من وزير العدل في انتقاده للحكم، غير أنه اختلف معه في إمكانية تعامل قضاة محكمة النقض مع الحكم بوصفه مبدأً قضائيًا، وتكرار صدوره من أيٍ من دوائر المحكمة.

وأوضح عبدالرحمن لـ«مدى مصر» أن حكم المستشار عاطف عبدالسميع سيُعرض على رئيس محكمة النقض المستشار عبد الله عصر، وسيقوم الأخير بتكليف المكتب الفني للمحكمة بإعداد تقرير عن الحكم، وبناءً على هذا التقرير يقرر عصر ما إذا كان الحكم سينشر ضمن مجموعة الأحكام والمبادئ الصادرة عن محكمة النقض خلال العام الحالي من عدمه.

ورجح نائب رئيس محكمة النقض السابق عدم نشر الحكم، ومن ثم عدم تكرار صدوره عن أيٍ من دوائر المحكمة. ولكنه أوضح في الوقت نفسه أن عدم نشر الحكم ضمن مبادئ المحكمة لا يعني عدم تنفيذه، موضحًا أن حكم المستشار عاطف عبد السميع سيتم تنفيذه بإحالة القضية إلى محكمة الجنايات، ولكن من المتوقع أن تقضي الجنايات بعدم اختصاصها بإعادة التحقيق في القضية؛ تنفيذًا لقانون حالات الطعن أمام النقض، وهو ما يعد تفريغًا لحكم النقض من مضمونه واعتباره كأن لم يكن حيث سيتم إحالة القضية من جديد لدائرة أخرى بمحكمة النقض تفصل فيها تنفيذًا للقانون.

على عكس القاضيين، أكد ناصر أمين، رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، على صحة وقانونية الحكم، موضحًا لـ«مدى مصر» أن الحكم هو أول إعمال صحيح لتمسك محكمة النقض بقواعد عملها منذ تاريخ إنشائها، ورفضها لتطبيق تعديلات القانون التي أقرها البرلمان رغمًا عن قضاة المحكمة، مشيرًا إلى أن الحكم يوجب على البرلمان أن ينتبه ويقوم بإلغاء التعديلات الأخيرة للقانون لكونها تعديلات غير دستورية تدمر الفكرة التي أنشئت من أجلها النقض كمحكمة قانون مهمتها تقتصر على مراقبة التزام المحاكم بالقانون في كل مرحلة من مراحل التحقيق، وتحولها إلى محكمة عادية «جنايات» عند نظر الطعون في قضايا الجنايات، و«جنح» فيما يتعلق بالجنح،  بحسب أمين.

وبخلاف عدم اختصاص النقض بنظر موضوع القضايا، رأى رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة أن التشكيل الحالي للمحكمة لا يؤهلها للتحقيق في موضوع عشرات الآلاف من القضايا الصادر فيها أحكام خاطئة من الجنايات.

والنقض هي محكمة واحدة على مستوى البلاد، ومقرها دار القضاء العالي وتضم 72 دائرة.

أشار أمين إلى أن البعض قد يرى في الحكم تمردًا على تنفيذ القانون، ولكنه في حقيقته تعبير صحيح عن قيام النقض بدورها وبفهمها لحدود اختصاصاتها، مشيرًا إلى أن كثيرًا من قضاة محكمة النقض يرون أن المحكمة الدستورية ليست صاحبة الاختصاص وحدها في النظر في مدى دستورية القوانين، خصوصًا أن تفسير القوانين وتحديد مطابقتها للدستور من عدمه كان أحد اختصاصات النقض منذ إنشائها عام 1931، قبل إسناد الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا بعد إنشائها عام 1979، وهناك رؤية داخل المحكمة، يعبر عنها الحكم الأخير، بضرورة العودة إلى ما كان عليه الأمر قبل إنشاء المحكمة الدستورية، من حيث إذا رأت أثناء تصديها للدعوى أن هناك نصًا يخالف الدستور أو القواعد العامة تتصدى له وتقضي بعدم دستوريته أو على الأقل ترفض تطبيقه وهذا ما حدث.

سلطة محكمة النقض في تفسير القوانين أكد عليها النائب الأول الأسبق لرئيس المحكمة أحمد عبد الرحمن، قائلًا: «أحيانًا خلال تطبيق القانون نتطرق إلى تفسير القانون بمعنى أن نتطرق في الحيثيات إلى مقصد المشرع من عبارة ما في القانون»، غير أنه أكد أن هذا التفسير لا يعني وقف تنفيذ قانون صادر عن رئيس الجمهورية بأي حال من الأحوال.

وهو نفس ما أكد عليه المتحدث السابق للمحكمة الدستورية العليا المستشار محمد الشناوي الذي وصف الحكم لـ«مدي مصر» بـ«الكارثة الكبيرة»، مضيفًا: «ما يقدرش قاضي يقول القانون ده عاجبني هانفذه وده مش عاجبني مش هانفذه دي مخالفة كبيرة جدا ولو كان الحكم ابتدائي فالمفروض أن الاستئناف تقومه ولو استئناف النقض تصححه لكن إذا كان صادرًا عن النقض فهذه كارثة كبيرة».

واختتم الشناوي بالتأكيد على أن الحكم يفتح الباب لتدخل أهواء القضاة في تطبيق القوانين التي تروق لهم وعدم تطبيق القوانين الأخرى.

تصحيح: تاريخ صدور حكم النقض، في الثاني من سبتمبر وليس 9 سبتمر [تم في الأحد 15 سبتمبر 2019]

اعلان