ابحث مع جوجل
 
 

في سنة الدراسة الجامعية الأولى، كان لدينا مادة اسمها البحث العلمي، دراسة في أصول عملية البحث ومنهجيتها. سنة 2001 كانت من السنوات الأولى التي أصبح فيها الإنترنت في متناول الجميع، وفرض نفسه كمصدر أساسي للبحث، مما غير كل حيثيات المادة التي كنا ندرسها. ولم يكن دكتور المادة على دراية أكثر من طلابه بكيفية تغيير منهجه تباعًا لهذه الطفرة التكنولوجية.

 وفي آخر العام كان على كل طالب تحضير بحث في أي موضوع يعجبه، والغرض الأساسي منه ليس محتوى الموضوع نفسه ولكن تقييم منهجية البحث وشكله وبناءه ومصداقيته وصحة مراجعه. وعند «مراجعه» هذه كانت أكبر علامة استفهام. كل الدفعة تقريبًا عملت البحث على الإنترنت، مُجمعًا من عشرات الصفحات التي لم نكن نشغل بالنا بمعرفة صاحبها أو مصداقيتها. كانت لدينا نفس فكرة جيل آبائنا وأمهاتنا عن التلفزيون؛ أن أي ما يقال في هذا الجهاز العجيب فهو حقيقة مطلقة، كل ما تجده على جوجل صحيح. وفي الوقت الذي لم يكن دكتور المادة يعي أيًا من هذه المشاكل المستحدثة، قررت كل الدفعة استشارة بعضهم البعض والاتفاق على صيغة واحدة لكتابة صفحة المراجع، حتى لو كانت خطأ، الدكتور مش هيسقطنا كلنا.

كان السؤال الأساسي هل نضع في بند المراجع اسم الموقع الإلكتروني فقط أو هايبر لينك للصفحة المعنية؟ واختصارا لهذا اللغط، قررت الدفعة بأكملها أن تضع في صفحة المصادر مرجعًا واحدًا: موقع جوجل!

الطريف في هذه القصة، أن كل الدفعة نجحت، بلا سؤال ولا تعليق على هذه المأساة التعليمية، أما الأكثر طرافة أن بعد 20 عامًا تقريبًا من هذا الحدث، لا يزال البعض يفكر بنفس المنطق، وحين تسألهم عن مصدر معلومة قالوها وتشك في صحتها، فيردون بثقة: وجدتها على جوجل.

***

 لسنوات طويلة، كان جوجل أفضل محركات البحث، ربما يظل هو الأفضل حتى الآن ضمن البدائل المتاحة، ولكن بالتأكيد معدل تطوره ليس إيجابيًا، وهو بالفعل أسوأ مما كان منذ ثلاث أو أربع سنوات، وسوف نورد في هذا المقال الأسباب التي تدفعنا لهذا الاعتقاد. نعم هو لا يزال المحرك الأسرع، ويجلب لكل مستخدم المحتوى الأنسب والأقرب لرغبته، ولكن لدينا سؤالين:

هل تتلخّص جودة محرك البحث في تقديم المحتوى الأقرب لرغبة  للباحث؟

وهل نستطيع الاعتماد على جوجل في أي بحث أكاديمي، أو أي بحث جاد، من أي نوع؟

بداية الأزمة

قبل جوجل كانت محركات البحث تقدم النتائج للباحث تباعًا لاعتبار رئيسي وهو  الكلمات التي وضعها الباحث في محركات البحث. أي تبحث مثلًا عن معلومة عن كوكب زحل، فيجلب لك محرك البحث كل ما كُتب عن كوكب زحل. كل ورقة بحثية أو مقال رأي، كل جريدة أو مدونة أو منتدى، جنبًا إلى جنب، متساوين كمصادر للمعلومات. فقط يرتبها محرك البحث من الأحدث إلى الأقدم. كان الإنترنت عبارة عن أكوام من المعلومات غير المرتبة، وكلما كثرت المعلومات أو زادت الصفحات زادت الصعوبة على محركات البحث في تقديم نتائج بحث قيمة أو مناسبة للباحث.

ثم جاء لاري بيدج عام 1995 بفكرتين ثوريتين لترتيب هذا المحتوى المستمر في التضخم، وتعاوَن مع زميله من جامعة ستانفورد، سيرجي برين، لتطوير أفضل محرك بحث نعرفه اليوم. الفكرتان ببساطة كانتا:

1 – بما أن في كل ورقة بحث أكاديمية، يوجد قائمة بالمراجع، والمرجع هو مصدر لكل معلومة ذُكرت، بالتالي إذا تكرر ذكر مرجع واحد كمصدر للمعلومات في عدة أبحاث، دل ذلك على أهمية المصدر وأخذ تقييمًا أعلى. على نفس النهج رتب محرك جوجل المواقع، كلما أشارت صفحات كثيرة إلى موقع ما (عبر هايبر لينك)، دل ذلك على أهمية هذا الموقع كمصدر للمعلومة، فيصبح بذلك هذا الموقع مصدرًا قيمًا، يقدمه محرك البحث ويعطيه أولوية للظهور قبل أي مصدر نقل عنه، و يبديه عن باقي المصادر التي لم يشار إليها بنفس الكم.

2 – منهج البحث الثاني: ليست كل الصفحات متساوية. يوجد صفحات لها مصداقية أكثر من غيرها، وبهذا فما تشير إليه من معلومات هو الأصدق، وما تستخدمه من مراجع، تعتبر مراجعًا يعتد بها وتكسب مصداقية هي الأخرى. وكيف نعرف ما هي الصفحات الأكثر مصداقية؟ نعود إلى النقطة الأولى، كلما أشارت المواقع لمصدر أصبح بذلك أكثر مصداقية. وحينما يشير هذا المصدر لمصدر آخر، فالإشارة لها أهمية في التقييم أكثر من إشارة أي موقع آخر بلا هوية، وتزيد أهمية الموقع الثاني بالتبعية.

فالقاعدتان بهذا متكاملتان و يغذيان بعضهما بالمعلومات، وكلما زادت المدخلات وصفحات الإنترنت لا يعطل نظام البحث أو يلوص بين كل المدخلات، بل تجعله كثرة المدخلات أفضل في التنظيم والتقييم والفلترة والقدرة على ترتيب المصادر حسب أهميتها، بل أن ذلك النظام يفلتر بنفسه أي مواقع مخادعة، لأنها تلقائيًا لن يشير إليها أحد كمصدر معلومات، وبالتالي فلن تظهر ضمن نتائج البحث. بالطبع نظام تقييم الصفحات الذي يرتب الأولوية لديه اليوم مئات من القواعد، وليس القاعدتين المذكورتين أعلاه فقط، ولكن هما ما حققا لمحرك البحث جوجل في بدايته طفرة من حيث ملاءمتها للباحث. هنا سوف نستعرض كيف شوهت هذه المعايير نتائج البحث وما آلت إليه حاليًا.

أكل عيشهم منين؟ follow the money

هل تقوم جوجل بكل هذا لوجه الله وإيمانًا بدمقرطة المعلومات وحق الإنسانية في المعرفة المجانية؟ أو ماذا تجني جوجل في مقابل هذه الخدمات؟ طبعًا الإجابة المختصرة عن هذا السؤال هو الإعلانات، معروفة.  من حق أي شركة أن تتقاضى أجرًا عن عملها، ولكن هل تؤثر مجانية الخدمة واستخدام الإعلانات كمصدر الدخل الأساسي على جودة نتائج محرك البحث؟ للإجابة عن ذلك لا بد من البحث عن الإجابة المطولة.

حينما طور بيدج وبرين أفضل محرك بحث، وطرحاه للاستخدام، وبالرغم من جودته إلا أنه لم يجنِ أي أرباح. وكان الحل الطبيعي أن يطرح محرك البحث الإعلانات من ضمن النتائج، ولكن بيدج وسيرجي لم يريدا التقليل من مصداقية محركهما، فقاما بعمل نظام «adwords»، للإعلانات النصية مدفوعة الأجر، وهو نظام آخر قدمت فيه شركة جوجل عدة أفكار ثورية.

لاري بيدج، الشريك المؤسس في محرك البحث جوجل

كانت محركات البحث تخصص مكانًا خاصًا بالإعلانات وتقدمه بسعر معين للمعلنين، لكن شركة جوجل جعلت هذه المساحة مفتوحة للمزايدة، من يدفع أكثر يحظى بها. هذه العملية وحدها لم تكن جديدة حينها، ولكنها تعمل بتناغم تام مع القاعدتين التاليتين، الأولى: تظل الإعلانات النصية في مكانها طالما تفاعل معها المستخدمين ونقروا رابطها لمعرفة المزيد عن المعلن، مما يجعل المستخدمين في حالة تقييم دائم للمعلنين، ومدى ملاءمة محتواهم مع مادة البحث، وإذا لم يتفاعل المستخدمون مع الإعلان يدل ذلك أنه غير مفيد أو غير موجه للجمهور في المكان الصحيح.

والقاعدة الثانية أن جوجل أصبحت تحاسب المعلنين على عدد النقرات التي يقوم بها مستخدمو جوجل على رابط الإعلان، وهي عملية مربحة جدًا لجوجل وللمعلن، فهو يضمن أن المال الذي يدفعه في الإعلان لا يذهب هباءًا، لأنه لن يدفع عن الإعلان إلا إذا تفاعل المستخدمون مع رابطه. وكانت هذه الآلية مثالية في جعل المستخدمين هم من يقومون بوظيفة الفلترة وتقييم الإعلانات. كان ذلك عام 2002،  أي منذ 17 عامًا وشركة جوجل لديها بالفعل ميكنة تعمل بفاعلية كاملة وتحقق الربح وكل أطرافها سعداء؛ المعلنون والمستخدمون ومقدمو الخدمة من شركة جوجل.

بعد هذه المرحلة، سيكون كل ما يلي من خدمات جوجل التي تقدمها منذ ذلك الحين هي مساعٍ مختلفة لحصد أكبر قدر من المعلومات عن المستخدمين واستخلاص معلومات مفيدة منها للمعلنين، عن طريق: مراقبة كل تفاعلات المستخدمين، موقعهم الجغرافي، تاريخ بحثهم، أي من الصفحات تثير اهتمامهم، على أي من الروابط ينقرون، أي ألوان تثير انتباههم أكثر، أين ينقرون بمؤشر الماوس، إلى ماذا  تلتفت أعينهم في الصفحة الواحدة، أين يتوقفون أو يترددون أو يملّون أو يتحمسون أو يتأملون، باختصار تقوم كل الآليات بتحليل وفهم المستخدم أكثر مما يفهم المستخدم نفسه.

هل يؤثر ذلك على جودة محرك البحث؟

في الاقتصاد يوجد مصطلح «السلعة التكميلية»، ما يصفه الأمريكيون بنظرية الهوت دوج والمستردة. والمنتج التكميلي وهو المستردة، يتأثر بسعر المنتج الرئيسي وهو الهوت دوج، فإذا قل سعر الهوت دوج، يعني ذلك أن فئة أكبر سوف تسهلكه بكمية أكبر مما سوف يزيد الطلب على السلعة التكميلية التي لا يصح أكل الهوت دوج بدونها، ويزيد من سعرها. وهذا التشبيه في حالة جوجل هي المعلومات والإعلانات، جوجل تريد أن تخفض من سعر  المعلومات (الهوت دوج) ومن مصلحتها جعل كل شيء متاح ومجاني، لأن استهلاك معلومات أكثر يعني المكوث أطول إلى جانب محرك البحث ومشاهدة إعلانات (مستردة) أكثر. وهنا تكمن خطورتان:

أولًا: أن جوجل تريد من المستخدم قراءة سطحية سريعة لمصادر كثيرة، كليك كليك كليك كليك، معلومات هزيلة، صيغ مختصرة، مواقع خفيفة، استخلاص عبارات واختصارات من مقالات طويلة على الصفحة الرئيسية، ولا تريد قارئ متعمق يتوه في صفحة واحدة ساعات للقراءة، لذا فهي ترمي بكل القشور التي يريدها هذا القاريء على سطح محرك البحث. تحتاج محول للعملة، خذ.  تريد كلمات أغنية ها هي، كله في الصفحة الأولى ولا تحتاج للتنقيب والتوغل.

ثانيا: فرض منهج شركة جوجل وشعاراتها وتوجهها في جعل المعرفة مجانية ومتاحة للجميع نفسه، مما أثر على ترسيخ ثقافة القرصنة وجعلها ثقافة عامة وتصرف مقبول، يقوم به المستخدم البسيط طالما قامت به الشركات العملاقة وأفلتت من تبعاته. عينة من هذه السياسة نجدها مثلًا حينما طرحت جوجل كل المراجع الأكاديمية للاستخدام المجاني عام 2004، بدون وجه حق وبدون الرجوع لأصحابها، وبالرغم من ملاحقة الكتاب والمؤلفين ومطالبتهم بمردود حقوق ملكية أعمالهم، استمرت جوجل في نسخ وطرح الكتب بالمجان، ثم أخيرًا وبعد سنوات من الملاحقة، دفعت جوجل غرامة 125 مليون دولار للكتّاب (وهو مبلغ هزيل مقارنة بميزانية الشركة وقيمة هذه الحقوق المستباحة) واتفقوا في النهاية على إعطاء نسبة من عائد الإعلانات لأصحاب المحتوى، وانتهى هذا الخلاف القانوني بسياسة الأمر الواقع الذي فرضته جوجل.

انتهاك آخر في الصلح المنعقد بين جوجل وهيئة الكتاب والمؤلفين الأمريكية: كل الكتب التي نسختها جوجل وتنسخها وانقضى مدة حقوق ملكيتها، وهي المفترض أن تكون إرثًا إنسانيًا وملكية عامة، أصبحت الآن ملكية جوجل بشكل حصري. في نفس الوقت، تعرض الكتب التي قرصنتها بأضعاف سعرها، بعدما امتلكت حق عرضها حصريًا.

ما تقدمه جوجل تحت شعار أن المعرفة مجانية وحق كل مواطن وكل الشعارات الجميلة هو فقط بمنطق الهوت دوج والمستردة. خدوا معلومات كتير وخليكم قاعدين. وما يعنينا هنا في نتائج البحث ومدى جودتها، أن كثرة مصادر المعرفة ومجانيتها لا يزيد من قيمتها ولا يجعلنا نقرأ أكثر أو نعرف أكثر، هو فقط إيحاء مطمئن بقدرتنا الوصول لكل المعلومات حتى لو كانت الحقيقة أننا لا نستطيع الوصول إليها وسط كل تلال المخلفات، والكم اللانهائي من المحتوى، ويصبح حينها الوسيط ومحرك البحث هو أكثر المتحكمين  في عملية البحث.

كيف يتحكم جوجل في محتوى البحث؟  تغييرات عامة

تتغير نتائج البحث حسب تاريخه وموضوع الساعة والترند. ويقوم محرك بحث جوجل بتقديم النتائج من الأحدث إلى الأقدم. وفي كثير من الأحيان، بالطبع، لا يحتاج الباحث للمستجدات ولا موضوع الساعة ولا الترند.

قمت مثلًا بعمل بحث على قوانين الإنترنت في مصر. وهي القوانين الجديدة التي سنها البرلمان سنة 2017، وعوضًا عن أن أعثر عليها بسهولة، وجدتُ نفسي أغوص في تلال من القمامة والتريندات ورأي فلان ورأي علان، وما قالته الفنانة ريهام عبدالغفور عن الموضوع على تويتر وما نشرته غادة عبدالرازق على انستجرام، وبرنامج تلفزيوني يعرض وجهات نظر مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عن تغيير قانون الإنترنت. والجزيرة تولول على وأد الإنترنت وطنط جملات تصوت لأن مستخدمي الإنترنت بيشتموا ولازم يكون فيه قانون إنترنت يخلي الناس تبطل شتيمة. أكوام من الهراء يجعل مهمة البحث عن نص القانون نفسه أو مصدره الرئيسي عملية مستحيلة. جرب بنفسك

يوجد ما يعرف أيضا بـ «السيمانتك سيرش» semantic search، وهو يعني بأن جوجل سوف يبرز دائمًا المقالات الأبسط، وذات الكلمات الأسهل والتركيبات اللغوية القصيرة، على حساب أي محتوى معقد أو ذي جمل طويلة. وحين أقول إن جوجل يبرز، لا أشيطن جوجل وأجعل منه شخصًا يطمس العلم بقصد، ولكن هي تبعات استخدام لوغاريتمات البحث التي أنتجها. هي ما تقوم بالفلترة، وإبراز ما اتفق عليه المستخدمون سلفًا أنه الإجابة الأبسط والأكثر اختصارًا، وبالتالي الأكثر تداولًا لسؤال معين، وتباعًا يبدأ اللوغاريتم في دفعها في مقدمة اختيارات البحث حينما يبحث مستخدم آخر عن نفس الموضوع.

وكيف يعرف اللوغاريتم تقييم المستخدمين للصفحات؟ من قواعد البحث التي ذكرناها في أول المقال وبالطبع من الـ «bounce rate»، أي ما يقضيه كل مستخدم على صفحة واحدة قبل أن يغيرها أو يغلقها. بالتالي فالباحث عن تقييم ألبوم موسيقي أو فيلم مثلًا لن يجد في أول نتائج البحث أي صفحات تقييم جادة تتحدث بموضوعية عن الأعمال الفنية. ولكن فقط الـ «listicles» (مقالات من نوعية: عشرة معلومات عن كذا السادسة ستبهرك) السريعة والتي أصبحت أهم مصدر للتقييم وتسويق الأعمال الفنية. جرب بنفسك

كيف يتحكم جوجل في محتوى البحث؟  تغييرات خاصة بكل مستخدم

ما سبق هو نظام تقييم عام للمصادر والمواقع ويؤثر تأثيرات عامة على جودة البحث، ولكن هناك بعد آخر، وهو تقييم الباحث أو المستخدم نفسه، أي أن جوجل يحاول قراءة المستخدم لفهم ما يريده وتقديم البيانات التي يرغبها بسهولة وفي أول نتائج البحث، وهو ما يسمى بـ «personalized search results»، والتي أول ما نسمعها تنسج نظريات المؤامرة وتعمل الفوبيا على رسم تصور كامل لتطوير هذه الخاصية، والتي سوف تجعل من جوجل ليس محرك بحث عن الحقائق ولكن محرك بحث ليثبت لكل شخص وجهة نظره.

الموضوع ليس بهذا السوء أو على الأقل لم يبدأ بهذا المخطط. تعديل نتائج البحث بما يناسب المستخدم لها عدة أسس، منها مثلًا الموقع الجغرافي للباحث ولغته، فحينما تبحث في جوجل عن مطاعم مثلًا، فتجد أن جوجل يقترح عليك المطاعم المحيطة بك وليس مطاعم في سان فرانسيسكو مثلًا، وعندما تكتب شيئًا عامًا بدون أي تفصيل مثل (مصر والجزائر)، سوف يستشف نظام البحث من خلال بحثك و تفضيلاتك السابقة أنك تقصد معرفة نتيجة ماتش مصر والجزائر الأخير. وكل هذا يعد تطويرًا لنظام البحث وزيادة الفعالية. زيادة عن ذلك لا يوجد مصادر أو تصريحات عن مدى تدخل جوجل في تخصيص المحتوى. فدعنا نبحث في ذلك، لكي نعرف إلى أي مدى تتغير نتائج البحث حسب الموقع الجغرافي أو تاريخ الباحث.

التجربة

من أجل قياس التغيرات في نتائج محتوى البحث حسب الموقع الجغرافي للباحث أو تأثرًا بتاريخ بحثه «browsing history» قمت أولًا بتحديد مواضيع محل خلاف لتقصي أي اختلافات في نتائج البحث بشكل واضح.

لقياس تأثير الـ «browsing history» علينا توحيد عناصر البحث الباقية كافة لمقارنة اختلاف النتائج حسب تاريخ الاستخدام الشخصي فقط، أي سوف أبحث عن موضوع واحد أولًا من حسابي الخاص، ثم أبحث عنه من متصفح «incognito»، ثم أطلب من شخص ذو توجهات سياسية وعلمية مختلفة أن يبحث عن الأشياء عينها، على أن يكون البحث بنفس اللغة وبنفس التاريخ. وسوف أدرج الملاحظات في الجدول التالي لمقارنة الاختلافات.

 

الموضوع

Flat earth theory

نظرية الأرض المسطحة

Moon landing Hoax

إشاعة الهبوط على القمر

حسابي الخاص

من حسابي الخاص وجدت أول النتائج، من موقعي Skeptic.com ثم Discourse.biologos.orgوهي مواقع تم ترويجها بأجر، يليها رابط من موقع livescience.com، ثم رابطين من ويكيبيديا كلاهما يعرف النظرية أنها نظرية عتيقة ومغلوطة. وفي الترتيب السادس يظهر أول موقع يروج النظرية https://www.tfes.org

النتيجة الأولى جاءت من موقع oxy.com وبها مقال لشخص يدعي أن الهبوط على سطح القمر كان خدعة وكاتب المقال هو من قام بتصويرها بنفسه.

النتيجة الثانية جاءت من موقع space.com تثبت بالأدلة العلمية أن الحدث كان حقيقيًا.

النتيجة الثالثة من موقع ويكيبيديا، يصف الموضوع بشكل محايد، باعتباره اعتقاد منتشر لدى البعض.

والرابع مقال من جريدة «جارديان» يفند نظريات المؤامرة، مؤكدًا أن الحدث كان حقيقيًا وليس خدعة.

حساب incognito

(ليس حسابًا شخصيًا)

حصلت على نفس نتائج البحث بنفس الترتيب، ولكن بدون المواقع المروجة السابق ذكرها. مما يجعل الموقع الرسمي لنظرية أن الأرض مسطحة https://www.tfes.org في الترتيب الرابع وليس السادس كما ظهر في نتائج البحث من حسابي.

وجدت اختلاف في الروابط الخمس الأولى وترتيبها مما يعطي فكرة مختلفة تمامًا للباحث.

الأولى من space.com،

الثانية من bbc.com، الثالثة من Wikipedia.org. والرابعة مقال ال guardian وكلهم يؤكدون صحة الحدث.

 ومن الجدير بالذكر أن صفحة موقع oxy.com لم تظهر تمامًا في الصفحة الأولى من نتائج البحث ولا أي صفحة أخرى تدعي أن الهبوط على سطح القمر كان أكذوبة.

حساب incognito في نيويورك

النتيجة الأولى من موقع liveschience.com

الثانية من ويكيبيديا، وجاء أول المواقع المروجة لهذا الاعتقاد في المرتبة الثالثة هذه المرة من موقع tfes.org

جاءت النتائج مختلفة إلى حد كبير

النتيجة الأولى من موقع space.co، الثانية من history.com، الثالثة أيضًا من History.com، الرابعة من موقع rationalwiki.org.

لا وجود لأي صفحات في نتائج البحث تدعي أن الهبوط على سطح القمر كان خدعة.

نتيجة البحث عن إشاعة الهبوط على القمر من الحساب الشخصي لشارل

البحث عن الأرض المسطحة بالإنجليزي، على اليمين من الحساب الشخصي وعلى اليسار من متصفح مخفي

ثم قمت بالبحث عن ثيمات أخرى من متصفح «incognito» أي مخفي في نفس التاريخ ولكن مع تغيير البلد، بسؤال بعض من أصدقائنا من المقيمين في دول مختلفة وطلب منهم البحث عن هذه الكلمات وأخذ «screenshots» (لقطات شاشة) وحصر وتحليل النتائج.

موضوع البحث

China Hong Kong conflict

نزاع الصين وهونج كونج

Palestinian Israeli conflict

نزاع فلسطين وإسرائيل

حساب في نيويورك

أول نتائج البحث جاءت بالترتيب من المصادر الآتية:  -BBC – Newyorker – Newyork times وهي مواقع تنحاز بشكل عام إلى جانب هونج كونج، ثم تجيء صفحة: South China Morning Post

وهي جريدة صينية بالإنجليزية تنحاز لجانب الحكومة الصينية.

نتائج البحث جاءت متنوعة أقرب للانحياز للجانب الإسرائيلي، Wikipedia.org

Cfr.org وهي صفحة تنحاز للجانب الإسرائيلي بوضوح

Vox.com تصف تاريخ الصراع بدون إبداء آراء، ثم Jewishvoiceforpeace.org و www.aljazeera.com

حساب مستخدم من هونج كونج

المصادر جاءت بالترتيب الآتي: TheSun – Newyorker – South China Morning Post  – Newyork times

يلاحظ تغير المصادر وترتيبها لترتيب وتقهقر مقال الـbbc لحساب مقال الـsun

Wikipedia.org

Vox.com

Cfr.org

هيومان رايتس ووتش hrw.org

 ويلاحظ اختلاف ترتيب النتائج وغياب Jewishvoiceforpeace.org من المراكز الخمسة الأولى

نتئاج البحث عن نزاع هونكج كونج والصين من حساب في هونج كونج 1

نتائج البحث عن نزاع هونكج كونج والصين من حساب في هونج كونج 2

نتائج البحث عن نزاع هونكج كونج والصين من حساب في نيويورك 1

نتائج البحث عن نزاع هونكج كونج والصين من حساب في نيويورك 2

منذ عدة أيام، جاء خبر اعتراض مجموعة من الحقوقيين الفرنسيين على نتائج البحث ذات المحتوى الجنسي لكلمة «lesbienne»، بالمقارنة بالنتائج التعليمية والتثقيفية المحايدة التي تأتي عند البحث عن الكلمة نفسها باللغة الإنجليزية، مما أثار انتباهي لاختلاف جذري آخر لنتائج البحث عند تغيير اللغة.

وحين ترجمة نفس الكلمات المفتاحية لمواضيع البحث إلى العربية فهي كارثة. صفحات بلا أي مصداقية او أهلية علمية، ظهور كاسح لمواقع التواصل الاجتماعي في أول نتائج البحث، نظريات مغلوطة وأخبار كاذبة ومنتديات وصفحات بلا تحرير أو تقييم أو مراقبة أو مراجعة، تحتل صفحات البحث الأولى.

البحث بالإنجليزية

البحث باللغة العربية

البحث باللغة الإنجليزية من حساب في هونج كونج

وإلى جانب خدمة البحث التي تمتليء بالمعلومات المغلوطة والتي لا تزال جوجل ويوتيوب تروجها، توجد خدمة أخرى تقدمها جوجل وهي خدمة «discover»، التي تطرح للمستخدم مواضيع متنوعة حسب اهتمامه، بدون بحث فعلي في موضوع بعينه يقوم به المستخدم، وهي خدمة يستخدمها 800 مليون شخص شهريًا حول العالم. هذه الخدمة سوف تطرح على مستخدم جوجل أخبار متنوعة من أي مصدر (الصحيح منها والمفبرك) بدون مراجعة والتأكد من سلامة وصحة المعلومات. وقد أبلغ العديد من علماء البيئة والمناخ، والمهتمون بشؤون الاحتباس الحراري، أنهم يحصلون من «google discover» على أخبار من مواقع تنكر الاحتباس الحراري، لمجرد أن تاريخ بحثهم يشير إلى اهتمامهم بهذه الثيمة. المتحدثون الرسميون لجوجل أجابوا أن اختيار المواضيع والأخبار  يتم أوتوماتيكيًا حسب اللوغاريتم وليس لهم دخل به، ويمكن لأي مستخدم أن يحاسب مصدر الخبر إذا وجده كاذبًا أو مغلوطًا، وربما يدلنا ذلك على أزمة أبعد وهي تعريف جوجل لـ «مصدر الأخبار» وهو حسب اللوغاريتم كل ما يمد الموقع بالمحتوى أيًا كان.

تبعات هذا النظام هو الآتي:

1 – اعتبار وترشيح  النميمة والصحافة الصفراء كمصادر أخبار يزيد من رواج الأكاذيب والمعلومات والأخبار المغلوطة. وحينما يصبح من الأسهل أن تعرف مثلًا رأي كيم كارداشيان في الاحتباس الحراري من أن تحصل على معلومة مباشرة من مصدر موثوق به، سوف يجعل كل مصادر الأخبار عرضة للشك، وينتشر رأي أشخاص بلا أي مصداقية أو قيمة علمية جنبًا إلى جنب بالتساوي مع مصادر المعلومات الأهم، لمجرد أن رأيهم مثير للجدل وطاغي على الترند، وتباعًا نرى الكثير من الآراء الرجعية أو المتخلفة ترجع مرة أخرى لتكون محل نقاش. هل الأرض كروية أم مسطحة؟ هل التطعيم يسبب التوحد؟ هل الاحتباس الحراري حقيقة؟ وهي حقائق لا يوجد أي خلاف عليها لدى أي مصدر علمي.

2 – زيادة صعوبة القيام بأي بحث وصعوبة (وأحيانًا استحالة) الوصول إلى المصادر السليمة أو المعتدلة وذات المصداقية.

3 – تجنب نتائج بحث فقط لإنها قليلة الاستخدام، أو معقدة المحتوى، وتصبح آلية لتهميش كل ما هو ليس سريع الهضم. فتندثر أي أعمال أو قراءات جادة وتقل شعبيتها، ونصبح محاصرين بأعمال تافهة وقراءة تافهة ودراسات تافهة وأفلام تافهة وموسيقى تافهة وصحافة القوائم.

4 – استقطاب المستخدمين لتبني آراء جاهزة،  من خلال التحزيب اللغوي والجغرافي.

5 – تشجيع البحث السطحي السريع وعدم التعمق في القراءة، هي مشكلة يعرضها الكاتب نيكولاس كار بشكل تفصيلي بليغ في كتابه «the shallows».

المفارقة فيما تبذله جوجل من أجل تحقيق كفاءة أعلى في البحث والقراءة أنها تقلل من قيمة الدور الذي لعبته الكتب في تكوين أذهاننا . حينما يكون النص مطبوعًا يتيح لنا قراءة متأنية وعميقة، وتوجيه انتباهنا وقدرتنا الذهنية لما قد يحمله المعنى من تأويلات. بينما في قراءتنا المختصرة على الشاشة عندما نتحرر  من صراعنا مع النص لمحاولة تفكيكه وفهمه، نقرأ أسرع من أي وقت مضى، لكن لم نعد نوجه فهمنا لما قد يحمله النص من دلائل شخصية. بدلاً من ذلك،نسارع في الالتفات لمعلومات ذات صلة، ثم أخرى ذات صلة. هذا البحث الخطي (السطحي) للمحتوى ذي الصلة، يحل محل التنقيب البطيء في المعنى.

ما هي الحلول البديلة ؟

كن على دراية بأسباب ترتيب نتائج البحث، توغل في الصفحات الثانية والثالثة والعاشرة من نتائج البحث حتى تجد المحتويات القيمة ولا تستسهل الصفحة الأولى من نتائج البحث، أو الإجابات المختصرة التي يقدمها جوجل. لا تعتمد/ي على بحث في جوجل سوى في قشور المعلومات العامة. كل الهراء وتوافه الأمور من الـ «travia».

استخدم جوجل ولكن لا داعي لتقديسه، وقارن النتائج على أكثر من محرك بحث. إذا أردت محتوى غير موجه ومتوازن بقدر الإمكان، قم بحذف بياناتك من على حسابك، استخدم متصفح خفي incognito أو لا تستخدم حسابك على جوجل أثناء التصفح اذا لم تريد أن يتتبع جوجل أثرك الإنترنتي ويفصل نتائج البحث عليها تباعًا.

محركات البحث ليست ثوابت علينا تقبلها جملة أو رفضها جملة، هي أنظمة تتطور بتفاعل مستخدميها، وكل بحث لكل مستخدم يمدها بمعلومات أكثر لتصنيف وترتيب المحتوى على الإنترنت، وقد يتم هذا التطور بشكل تلقائي متدرج، فيصبح مثلًا محرك بحث أقوى من غيره كثيرًا نتيجة لاستخدامه من قبل مجموعة كبيرة من الباحثين، فيمدون نظام البحث بالمعلومات وبهذا تزيد قدرته على ترتيب المحتوى وطرحه. ويمكن للتطور أن يتم بشكل حاسم وسريع عند  اعتراض مجموعة من المستخدمين على طريقة عمل محرك البحث والمطالبة بتغييره.

العقل زينة، وجوجل هو صديقك الذي يثرثر بغير حساب ليأكل دماغك، تبين ما يقول، أقعد معاه عالقهوة لكن ماتاخدوش معاك الشغل، وينصح أنك تشوفلك أصحاب غيره.

وأخيرًا، واختصارًا لوقتك تذكر/ي  هذه الحقائق، نعم الأرض كروية، ولا تصيب التطعيمات بالتوحد، ونعم، يوجد احتباس حراري وكلنا هيطلع دين أبونا قريبا بإذن الله.

اعلان