بعد عام من دخول مصانع جهاز الخدمة الوطنية للقطاع.. ماذا يحدث في سوق الأسمنت؟
 
 

تصاعدت شكاوى مصانع الأسمنت مؤخرًا من الأوضاع التي وصل إليها القطاع، محذرة من مخاطر التعرض للإفلاس والخروج من السوق، ومستنجدة بالحكومة للتدخل لإنقاذها.

وتوقع تقرير صدر حديثًا عن وحدة أبحاث بنك الاستثمار «فاروس» أن تخرج شركات أسمنت تملك طاقة إنتاجية تصل إلى ستة ملايين طن من السوق خلال السنة المقبلة، نتيجة للأوضاع الصعبة التي تعانيها، واعتبر التقرير أن الحل الأفضل لإنقاذ تلك الشركات هو أن يزيد الطلب على الأسمنت بنسبة 47% عن مستواه الحالي.

 واعتمدت الشكاوى في الأساس على أرقام المبيعات المتراجعة والقوائم المالية التي سجلت معظمها أرباحًا، ولكنها متراجعة بالمقارنة بأرباح السنوات الماضية.

وارتبط تراجع مبيعات شركات الأسمنت بدخول مصانع جديدة للسوق مملوكة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، وهو تطور له انعكاسه على حجم العرض في مقابل الطلب من الأسمنت، لكنه يرتبط  كذلك بمدى المكاسب أو الخسائر التي تحققها ميزانية الدولة من هذا التغير في توازنات السوق.

 وتراجعت أرباح شركات الأسمنت الخاصة نتيجة لسببين رئيسيين، الأول ارتفاع تكاليف الإنتاج بعد تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، وهو أمر أصاب أغلب الصناعات المصرية، وليس الأسمنت فقط، والثاني تراجع المبيعات والذي انخفضت على إثره أرباح بعض الشركات وتحول البعض الآخر منها للخسارة، وهو كلمة السر في انتفاضة المصنعين ضد أوضاع السوق.

ويرجع انخفاض المبيعات بالأساس إلى دخول لاعبين جدد للسوق العام الماضي، وتحديدًا في أغسطس 2018، وهم مجمع بني سويف للأسمنت والرخام المملوك لشركة العريش للأسمنت، المملوكة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للمؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى المرحلة الثانية من مجمع العريش للأسمنت (الخطان الثالث والرابع)، ونتيجة لذلك استحوذ إنتاج مصانع جهاز الخدمة الوطنية على نسبة لا بأس بها من حصص مبيعات الشركات القائمة في السوق فعليًا.

وبحسب دراسة لشعبة الأسمنت في غرفة مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية فقد تراجعت مبيعات الأسمنت في الربع الأول من 2019، بنحو 6.4%. وأوضحت نتائج أعمال الشركات ارتفاع مبيعات أربع شركات فقط من بين 16 شركة عاملة قطاع خاص في السوق، وتراجعت نتائج البقية، ولم تشمل الدراسة الشركات التابعة لجهاز الخدمة الوطنية.

 ويبلغ عدد شركات الأسمنت في مصر 20 شركة، منها 16 شركة تنتمي للقطاع الخاص، وهو الرقم الذي تتحدث عنه الدراسة، بالإضافة لشركتين تابعتين للقطاع العام خرجتا مؤخرًا من السوق، إحداهما تمت تصفيتها في نفس العام الذي شهد افتتاح المصانع التابعة لجهاز الخدمة الوطنية، وهي القومية للأسمنت، والنهضة للأسمنت المتوقف بشكل جزئي ومؤقت، بالإضافة لشركتين تابعتين لجهاز الخدمة الوطنية.

 وكانت شركات الأسمنت العاملة في السوق تعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى 67 مليون طن سنويًا في المتوسط، ارتفعت إلى 85 مليون طن بعد دخول مصانع مجمع بني سويف وخطي مصنع العريش للسوق، في حين يسجل متوسط الطلب على الأسمنت نحو 53 مليون طن فقط.

 وبحسب بيانات جهاز الخدمة الوطنية نفسه، تبلغ الطاقة الإنتاجية لمصانع الجهاز 20% من الطاقة الإنتاجية الكلية في السوق، حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية لمجمع بني سويف للأسمنت نحو 12 مليون طن سنويًا في حين تبلغ الطاقة الإنتاجية لمصنع العريش الذي أدخل خطين جديدين للإنتاج بالتزامن مع افتتاح مجمع بني سويف ستة ملايين طن.

وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى وجود فجوة بين الإنتاج الفعلي والمبيعات، حيث توضح بيانات النشرة الإحصائية الشهرية أن إجمالي الإنتاج الفعلي خلال الفترة من سبتمبر 2018 إلى مارس 2019 (7 أشهر) بلغ 27.7 مليون طن في حين بلغت المبيعات عن نفس الفترة نحو 27.1 مليون طن، وهو ما يعني أن الفرق بين الإنتاج الفعلي والمبيعات الفعلية يبلغ 600 ألف طن، بما يعني أن الطلب جاء أقل من العرض بـ 2.1% فقط من إجمالي الإنتاج الكلي.

تقودنا الأرقام إلى وجود فجوة بين الطاقة الإنتاجية (وتمثل الكمية التي تستطيع المصانع إنتاجها، وليس ما تنتجه فعليا) وبين حجم الطلب القائم في السوق، وهو ما يمثل مواردًا غير مستغلة وطاقات إنتاجية مهدرة لدى الشركات، من المنطقي أن تنخفض بسببها الأرباح بشكل أو بآخر ، ما جعل المصنعون يبدأون التحرك لاستعادة جزء من مبيعات السوق بعد دخول اللاعبين الجدد إليه، فيما يؤكد بالفعل وجود أزمة، لكنها ليست بالضخامة التي يصورها المصنعون.

سيناريوهات استعادة الأرباح 

مشكلة شركات الأسمنت الخاصة حاليًا أنها اعتادت على هوامش ربح تجاوزت الـ 50% في السنوات السابقة على 2016 (الذي شهد تعويم الجنيه)، بحسب مسؤول سابق  بشركة أسمنت طلب عدم نشر اسمه، وهو الوضع الذي تبدل تمامًا في السنوات الثلاث الماضية بعد تحرير سعر صرف الجنيه وزيادة أسعار الطاقة والعمالة، وهو ما أدى إلى تراجع أرباح الشركات نسبيًا، وكانت الخطة أن تعوض الشركات الزيادات في تكلفة الإنتاج من خلال تحميلها للمستهلك، لكن دخول منافسين جدد للسوق حال دون رفع الأسعار، بل ساعد على انخفاضها مما قلص أرباح الشركات مجددًا، بحسب أحمد الزيني رئيس غرفة مواد البناء باتحاد الغرف التجارية، مؤكدًا أن احتدام المنافسة بين المنتجين بعد دخول مصانع الجيش للسوق دفع الشركات لخفض أسعارها بمتوسط 15% على مدار العام المنقضي، ليصل متوسط سعر طن الأسمنت حاليًا إلى 810 جنيهات في مقابل نحو 900 جنيه خلال 2018.

و برغم الأثر الإيجابي لدخول مصانع أسمنت جهاز الخدمة الوطنية، المتمثل في تراجع الأسعار بالنسبة للمستهلكين،إلا أن دخول لاعبين جدد لسوق الأسمنت عطل طاقات إنتاجية واستثمارات كان من الممكن استغلالها في أسواق سلعية أخرى، خاصة أن مصانع الأسمنت قبل دخول مصانع الجيش لم تكن تعمل بكامل طاقتها وفقًا لما قاله مصدر سابق بإحدى شركات الأسمنت، والذي أشار إلى أن مجمع بني سويف نفسه يعمل بـ 40% من طاقته فقط، معتبرًا أن إنشاء مصانع جديدة للأسمنت جاء نتيجة لسوء تقدير للطلب الحقيقي على هذا المنتج، وخاصة بعد تغليظ العقوبات المفروضة على مخالفات البناء على الأراضي الزراعية، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع الطلب على مواد البناء بشكل عام.

وحول السيناريوهات المطروحة للخروج بالسوق من هذا الوضع يقول المصدر إن خروج بعض اللاعبين قد يعيد ترتيب حصص المبيعات في السوق لسابق عهدها، ولكن «من يخرج ومن يبقى تلك هي المعضلة». ويبدو أن الخروج سيكون على حساب شركات القطاع العام المتبقية حيث أعلنت شركة النهضة للأسمنت، التي تملك أسهمها شركات تابعة للدولة (50% مملوكة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية و20% للقابضة للتأمين و 30% للمقاولين العرب) توقفها الجزئي عن الإنتاج في يوليو الماضي ولمدة ستة أشهر قادمة. كما اتخذت الجمعية العمومية لشركة القومية للأسمنت قراراها بتصفية الشركة في أكتوبر من العام الماضي، بعد فترة وجيزة من دخول مصانع جهاز الخدمة الوطنية الجديدة للسوق (أغسطس 2018). أما القطاع الخاص فلم يشهد سوى إيقاف مصنع واحد «بورتلاند طرة»  والتابع لمجموعة السويس للأسمنت.

ويقول مصدر في شعبة الأسمنت بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات، «من الصعب أن يكون التصدير بديلًا عن خروج شركات من السوق»، معتبرًا أن «الكلام عن التصدير كلام فارغ، لأن كل الأسواق المحيطة بنا والتي يمكن أن تكون أسواقا بديلة للسوق المحلي لديها فوائض كبيرة»، ويضرب مثلًا بالسعودية موضحًا أن لديها 25 مليون طن فائض وتركيا نفس القدر وقبرص واليونان وكذلك الأردن التي معدلات الإنتاج فيها مرتفعة أيضًا. ويضيف  المصدر «لم يتبق لنا سوى ليبيا، إذا استقر الوضع السياسي فيها وبدأت إعادة الإعمار فيمكن أن تمثل سوقًا، و لكنها سوق صغير جدًا لن يستوعب الإنتاج المصري إذا عملت المصانع بكامل طاقتها»، مؤكدًا أن سعر الأسمنت المصري ثاني أرخص سعر على مستوى العالم بعد تركيا، وبالرغم من ذلك لم تسجل الصادرات من الأسمنت رقمًا ينقذ الصناعة من شدة المنافسة وتراجع المبيعات وارتفاع تكاليف الإنتاج.

مصانع «الخدمة الوطنية» لا تخدم الموازنة

تداعيات دخول مصانع الأسمنت الجديدة التابعة لجهاز الخدمة الوطنية تتجاوز موازنات شركات القطاع الخاص التي اعتادت على تحقيق الأرباح طوال السنوات الماضية وامتدت إلى الموازنة العامة للدولة، وهو الأمر المقلق لأن انخفاض أرباح الشركات يعني تراجع في الضرائب التي تدفعها هذه الشركات للخزانة العامة، كما ينعكس في تراجع لحصيلة الضريبة على القيمة المضافة، هذا بالإضافة إلى أنه حال قررت الحكومة الاستجابة لمطالب المصنعين و دعمهم ببرامج تصديرية مختلفة ومميزة عن البرامج الحالية فالموازنة العامة هي التي ستتحمل هذا الدعم من مواردها.

وكان مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، قد اجتمع في يوليو الماضي بدعوة منه مع مصنعي الأسمنت لبحث مشكلات القطاع، وهو الاجتماع الذي أسفر عن وعود بعمل برنامج  خاص لدعم صادرات قطاع الأسمنت وكذلك توجيه البنوك لجدولة مديونيات الشركات.

وتمَول برامج دعم الصادرات من الموازنة العامة للدولة وبلغت مخصصاته في موازنة العام المالي الجاري نحو ستة مليارات جنيه.

 فهل تستفيد الموازنة على الجانب الآخر من مصانع أسمنت جهاز الخدمة الوطنية؟ الإجابة لا حيث إن مشروعات الجهاز بموجب المادة 47 من قانون الضريبة على الدخل 91 لسنة 2005، معفية من الضرائب إذ تنص المادة على أن «تفرض الضريبة على الأشخاص الاعتبارية المقيمة في مصر بالنسبة إلى جميع الأرباح التي تحققها سواء من مصر أو خارجها، عدا جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع».

ولذا فأرباح الجهاز من شركات الأسمنت الجديدة تصب في موازنة مستقلة عن موازنة الدولة، في حين أن خسائر القطاع تتحملها الموازنة العامة في شكل دعم للصادرات أو تراجع في الضرائب الموردة من القطاع للموازنة وربما تصفية شركات عامة أو تحمل خسائرها.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل