قانون «الهيئات الدوائية».. هل يكفي لحل أزمات القطاع؟
 
 

الثلاثاء، 27 أغسطس الماضي، نشرت الجريدة الرسمية قانون أقره البرلمان في يوليو بإنشاء هيئتين للدواء، اﻷولى هيئة الدواء المصرية، والتي تستبدل جميع الهيئات اﻷخرى، والثانية هيئة الشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية.

تضم هيئة الدواء الجديدة جميع الجهات والكيانات الإدارية التي تختص بقطاع الدواء تحت إدارتها، حيث ستحل محل كل من الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية والهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية. كما تحل محل وزارة الصحة والسكان في اختصاصاتها في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون، وهي الاختصاصات التي جاءت في القانون رقم 127 لسنة 1955.

المطالبات بإنشاء هيئة دواء مصرية قديمة، وتعود إلى أكثر من عشرة سنوات على الأقل، حيث طالب المركز المصري للحق في الدواء بإنشائها في 2009، وذلك لحماية الصحة العامة المصريين من ممارسات شركات الأدوية كرد فعل من المركز على ظهور بعض الأصناف الدوائية المحظور تداولها في السوق العالمية داخل مصر.

كما تقدمت نقابة الصيادلة بمشروع قانون عن «الهيئة العامة المصرية للدواء» في 2013، ولكنه توقف بعد حل مجلس الشورى. وبين عامي 2016 و2017، تقدم عدد من النواب بأربعة مشاريع قوانين لإنشاء الهيئة، قبل أن يُحيل مجلس النواب في يونيو 2018 مشروع قانون اقترحته الحكومة إلى لجنة مشتركة من لجان الشؤون الصحية والاقتصادية والخطة والموازنة لدراسته.

تسعى الهيئة الجديدة لتحقيق ذلك الهدف عن طريق حل ثلاث مشكلات رئيسية تتعرض لها المنظومة، بحسب تقرير لجنة الصحة بمجلس النواب، حصل «مدى مصر» على نسخة منه:
1- عدم توفر الدواء، وانتشار ظاهرة الأدوية المغشوشة والمهربة.
2- الممارسات الاحتكارية، وضعف الرقابة عليها.
3- العقبات التي تواجهها صناعة اﻷدوية في مصر.

على الرغم من ترحيب عدد الفاعلين في عالم الدواء بخطوة توحيد الهيئات تحت مظلة هيئة واحدة، إلا أن كثيرًا منهم أبدى تحفظات حول طريقة صياغة القانون وما أتاحه من صلاحيات للهيئة الجديدة للتغلب على هذه اﻷزمات بشكل حقيقي.

سابقًا، تأسست العديد من الهيئات واﻹدارات لتولي مسؤولية جوانب مختلفة من صناعة وتوزيع الدواء. كان لمصر هيئة عليا للدواء أُنشأت عام 1983، لتقوم بمهمة الإشراف على نشاطات شركات الأدوية المختلفة العامة والخاصة، قبل أن تحل محلها عام 1991 الشركة القابضة للأدوية، التي تحددت مسؤوليتها في الإشراف على شركات القطاع العام فقط، طبقًا لتقرير لجنة الصحة بمجلس النواب حول مشروع القانون أثناء مناقشته.

كما نص قانون مزاولة مهنة الصيدلة على مسؤولية وزارة الصحة عن تسجيل أي مستحضر صيدلي، فضلًا عن حق وزير الصحة في حظر تداول أي مادة أو مستحضر صيدلي يرى في تداوله ما يضر بالصحة العامة، بجانب اشتراطات استيراد المستحضرات الصيدلية.

وفي 1976، أُنشأت الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية بقرار جمهوري وتولت مسؤولية الرقابة على المستحضرات الدوائية ومستحضرات التجميل. وفي 1995، أُنشأت الهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية، واختصت بتسجيل المستحضرات وتقييمها قبل التداول في السوق المحلي.

لكن كل هذه الهيئات القديمة لم تتمكن من مواجهة اﻷزمات الكبيرة التي يتعرض لها قطاع الدواء في مصر على مختلف مستويات اﻹنتاج والاستهلاك. أحد أكبر هذه اﻷزمات، بحسب تقرير لجنة الصحة، تتعلق بالوفرة. 

عند مناقشة زيادة أسعار الأدوية التي اتفق عليها وزير الصحة الأسبق، أحمد عماد الدين راضي، مع منتجي الدواء في ديسمبر 2016، قال محيي حافظ، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الدواء، في  تصريحات لـ«مدى مصر»، إن مصر بها 14 ألف صنف دواء حصلت شركات الأدوية على ترخيص إنتاجها. لكن شركات التوزيع لديها أكواد توزيع لـ 11 ألف صنف فقط تم إنتاجها بالفعل، أي أن هناك ثلاثة آلاف صنف مُرخص للشركات بإنتاجها ولم تقم بذلك.

لكن حتى أكواد التوزيع لا تعني توفر اﻷدوية. تتداول الصيدليات سبعة آلاف صنف فقط مما لديها أكواد توزيع، أي أن هناك أربعة آلاف صنف بدأت الشركات إنتاجها في وقت ما ثم توقفت. المحصلة النهائية هي تداول نصف الأصناف فقط المُرخص بتصنيعها. وبعد تعويم الجنيه، تعرض سوق الدواء لنقص 1700 -1800 صنف آخرين، بحسب حافظ.

يقول علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، لـ«مدى مصر»، إن أسباب عدم توفر كل الأصناف التي لها أكواد توزيع ترجع إما إلى تركيز شركات الأدوية على إنتاج الأصناف الأكثر مبيعًا وتجاهل الأصناف منخفضة السعر، أو عدم توفر المواد اللوجستية اللازمة لإنتاج بعض اﻷصناف.

لكن محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، يشير إلى بعد آخر للأزمة إلى جانب دور المصنعين. بحسب رأيه، فإن جزءًا هامًا يرجع إلى غياب تخطيط وزارة الصحة وعدم وجود سياسات طويلة المدى لها علاقة باحتياجاتنا من الدواء، وهي جزء من مشكلة أكبر تتعلق بعدم وجود رؤية عامة للنظم الصحية في مصر. «لدينا إشكالية حقيقة في مصر وهي عدم معرفتنا باحتياجاتنا تحديدًا، ما يؤدي إلى عشوائية في استيراد الدواء لعدم التنسيق فضلًا عن انتشار وقائع الفساد»، يقول فؤاد. «تجد طوابير في رمسيس لنقص البنسلين وكذلك بعض السيدات تقطع الشارع في كورنيش النيل لعدم وجود ألبان الأطفال، هل كان لدينا معرفة متى ستنتهي تلك الأصناف كي نحضر غيرها قبل نفادها؟».

كانت مئات من المواطنين تجمعت أمام صيدلية الإسعاف في ديسمبر 2017 لصرف حقن البنسلين طويل المفعول، بعد معاناة جراء اختفائه من الأسواق لعدة أشهر، وفي سبتمبر 2016 أدى قرار وزير الصحة بإلغاء بيع لبن الأطفال المدعم بمنفذ توزيع الشركة المصرية لتجارة الأدوية بكورنيش النيل، إلى قطع ما يقرب من 200 مواطن الطريق احتجاجًا على القرار.

يتفق عوف مع فؤاد على الدور الكبير الذي يلعبه سوء التخطيط في أزمة نقص الدواء. «مثلًا [إذا] شركة خططت لصنع كمية محددة من الدواء، وانتهى في خلال ستة أشهر، وما زالت الحاجة للدواء موجودة، أحتاج إلى وقت لكي أصنع لستة أشهر أخرى، إما لاستيراد المادة الخام أو باقي الاحتياجات اللوجستية، ما يؤخر توفره مجددًا في السوق»، يقول عوف.

حاولت وزارة الصحة التغلب على أزمة غياب التخطيط المسبق في 2011. يشير أحمد عزب، مسؤول ملف الدواء بالمبادرة المصرية للحقوق والحريات، لـ«مدى مصر» إلى إنشاء الوزارة إدارة للتعامل مع نواقص الأدوية بعد ثورة 25 يناير، وظهور نقص في بعض أصناف الأدوية نتيجة أزمة توفر العملة الصعبة حينها.

«تعتمد إدارة النواقص على ما تُبلغه المستشفيات والجهات الحكومية للإدارة بالنواقص لديها، ثم تصدر الإدارة نشرة شهرية بتلك النواقص»، يوضح عزب.

الهدف كان التعامل مع أزمة النواقص على مستوى الدولة ككل، بحسب عزب. لكن الإدارة فشلت في تحقيق هدفها لعدم وجود قواعد بيانات كاملة لدى الوزارة عن مبيعات الأدوية، وعدد الأصناف من كل نوع في السوق، فاقتصر عملها على المستشفيات الحكومية. لكن حتى في تلك المستشفيات لم تؤد دورها بكفاءة لأن صرف الأدوية يتم فيها بتذاكر ورقية وليس بشكل إلكتروني، ما صَعّب عمل الإدارة، يقول عزب. وبسبب كثرة النواقص وعدم السيطرة عليها، توقفت النشرة في 2017.

الأزمة الأخرى داخل قطاع الدواء هي بعض الممارسات الاحتكارية التي تمارسها بعض شركات الأدوية. أحد أكبر هذه الممارسات كشفت عنها قضية حكمت فيها المحكمة الاقتصادية في فبراير الماضي، حيث اتفقت أربعة من كبريات شركات اﻷدوية في مصر على تغيير الخصم النقدي لعملائها، وهو خصم يُمنح للعميل في حالة دفع ثمن مشترياته من الدواء بشكل فوري، ويصدر بها قرار من وزير الصحة.

قرار وزير الصحة اﻷخير ثبت نسبة الخصم النقدي عند 4.5% من سعر بيع المصنع دون شرائح تفرق بين كميات الشراء المختلفة. تثبيت نسبة الخصم النقدي يساعد الصيدليات الصغيرة والمتوسطة في الاستمرار إلى جانب الصيدليات الكبرى التي تبتلع السوق. إذا تغيرت هذه النسبة، تحصل الصيدليات الكبرى على خصم أكبر يتناسب مع حجم مشترياتها، وبالتالي لن تتمكن الصيدليات الصغرى من منافستها. أُدينت الشركات الأربعة بالقيام بممارسات احتكارية، وقررت المحكمة تغريمها 420 مليون جنيه.

ما يضاعف هذه اﻷزمات هو ضعف الرقابة. يشير فؤاد إلى أنه على عكس مصر، تتجه دول كثيرة إلى سحب المنتج من المصنع ومنحه لآخر على استعداد لإخراجه وفق اشتراطات محددة إذا لم يخرجه للسوق خلال ستة سنوات، بحسب فؤاد.

ضعف الرقابة ساهم كذلك في ظهور أزمة الأدوية المهربة والمغشوشة. بحسب دراسة قطاع الرعاية الصحية بالتطبيق على قطاع الدواء في مصر، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2015، تشكل اﻷدوية المهربة والمغشوشة نسبة 15% من مبيعات تجارة الدواء في مصر، أي ما يقرب من خمسة مليارات جنيه. ويتداول السوق المصري نحو 7% من الأدوية المغشوشة على مستوى العالم.

لا تتوقف نقاط ضعف المنظومة هنا. يتعرض قطاع الدواء لأزمة أخرى تتعلق بالبيروقراطية تتمثل في طول المدة التي تستغرقها استخراج موافقة وزارة الصحة على استيراد المواد الخام فضلًا عن تعطيل الجمارك، والإفراج عن شحنات الأدوية والمواد الخام، بحسب عوف.

من جانبه، انتقد فؤاد أيضًا طول المدة التي يستغرقها تسجيل الدواء، والتي تصل إلى ثلاثة سنوات، ولأسباب غريبة منها عدم انعقاد اللجان، أو غياب أحد أعضاء اللجنة ما يتسبب في انتظار اختيار وزير الصحة لبديل له، وهو ما يستغرق وقتًا كبيرًا. كما أشار تقرير لجنة الصحة إلى صعوبة التسجيل لعدة أسباب منها عدم إلزام وزارة الصحة بتوقيتات زمنية محددة لإصدار إخطارات التسجيل والتسعير.

يضيف التقرير أن ضعف الإنفاق الحكومي تسبب في غياب مخطط استراتيجي لتطوير الصناعة الدوائية وربطها بالبحث العلمي، ما أدى لظهور مشكلة عدم إنتاج المواد الخام محليًا، إلى جانب افتقار الشركات الخاصة العاملة في قطاع الدواء لإمكانيات البحوث والتطوير.

بحسب فؤاد، فإن واحدًا من أهم أسباب الأزمات هو تعدد الجهات المشرفة على صناعة الدواء وغياب التنسيق بينها. ولهذا، طالب المجتمع المدني مرارًا بتوحيد الهيئات والجهات المختلفة في هيئة واحدة مسؤولة عن قطاع الدواء، وهو الحلم الذي حققه القانون الجديد.

تستبدل الهيئة الجديدة جميع الجهات السابقة، وتتمتع بصلاحيات أوسع لتختص بكل ما يتعلق بشؤون الدواء بهدف إصلاح ذلك القطاع الحيوي. بحسب القانون، تختص الهيئة بوضع السياسات والخطط الهادفة إلى ضمان توافر المستحضرات والمستلزمات الطبية وضمان جودتها وسلامتها، إلى جانب اختصاصات تنفيذية ورقابية أخرى، وذلك بالتنسيق مع الوزارات والأجهزة المعنية.

لهذا، لاقى القانون ترحيبًا وتفاؤلًا من مختلف اﻷطراف. شادية ثابت، عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، وصفت القانون بأنه «يعد ثاني أهم قانون في مجال الصحة بعد قانون التأمين الصحى الشامل ويعد مكملًا له».

يعتبر فؤاد أن اختصاص الهيئة بـ «معالجة الأوضاع الطارئة في مجال الدواء واتخاذ الاحتياطات والتدابير الوقائية المناسبة، وإنشاء قاعدة معلومات في مجال عمل الهيئة» يمثل مدخلًا جيدًا لحل أزمة عدم توفر الدواء.

نص القانون على وضع برامج ونظم التسجيل الإلكتروني للشركات المحلية أو الأجنبية التي تعمل في مجال المستحضرات الخاضعة لأحكام القانون لحل مشكلة بطئ التسجيل.

لكن عزب يرى أنه على الرغم مما اعتبره تقرير لجنة الصحة، إلا أن القانون لا يوجد به ما يشير إلى حل أزمة عدم تصنيع المواد الخام للدواء. على سبيل المثال، بحسب عزب، لم يلزم القانون شركات الدواء بتصنيع المواد الخام بنسبة معينة من إنتاجها.

ومن أجل الحاجة لتشديد الرقابة، يقول أيمن أبو العلا، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إن سبب ضم الهيئات الرقابية تحت لواء هيئة الدواء يعود لمزيد من الحوكمة، ﻷن جهة واحدة تكون مسؤولة عن الرقابة وهي التي تُحاسب، وتحاسب أفضل من جهتين لا يوجد تنسيق بينهم.

وبحسب اختصاصاتها الرقابية، ستكون الهيئة مسؤولة عن الرقابة على جميع المراحل سواء التصنيع والتوزيع وعلى الصيدليات، بجانب إضافة الضبطية القضائية لمسؤولي الرقابة لتحقيق فعالية أكبر في أداء أعمالهم.

لكن بالنسبة إلى اﻷدوية المغشوشة، يرى فؤاد أن هناك حاجة لقانون مكمل لمواجهتها، أو تغليظ عقوبتها. «ليس معقولًا أن تكون العقوبة 10 آلاف [جنيه] غرامة مع الحبس سنة، بينما تصل في الاتحاد الأوروبي إلى 15 سنة، وفي الصين 25 سنة على الأقل»، بحسب فؤاد.

لا يتفاءل فؤاد بالقانون كثيرًا، بسبب طريقة تكوين مجلس إدارة الهيئة. بحسب القانون، يتشكل مجلس إدارة الهيئة بقرار يصدره رئيس الجمهورية، لكن القانون ترك تشكيل الهيئة بالكامل للرئيس ولم يشترط عضوية أي ممثل عن الجهات المنوطة بصناعة وتداول الدواء في مصر. فؤاد انتقد رفض مجلس النواب الاستجابة لطلب اشتراط وجود ممثلين عن المجتمع المدني أو المستهلكين أو النقابات المهنية والطبية في تشكيل الهيئة.

لكن، وعلى الرغم من تحفظاته، إلا أنه يرحب بالقانون كخطوة أولى. «يعني في المجتمع المدني عندنا ظروف اليومين دول بتخلينا نقبل الحاجة على عيبها ونصلح فيها لأن المساحة لم تعد تسمح بغير ذلك، فقررنا نقبل ونصلح بعدين»، يقول فؤاد.

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن