أدب القرين| 2- «أطياف» لرضوى عاشور: قرين يخفف من جلد الذات
 
 

في برنامج «أدب القرين»، وهو البرنامج الثالث من سلسلة «كوكبة»، نقرأ ثلاث روايات من أدب القرين الأنا الأخرى، الذي يبحث في مسألة ازدواجية النفس البشرية. يذكرنا هذا اﻷدب بما يفعله الناس عندما يكفون عن قمع ظلالهم في الزوايا المظلمة من النفس، وتفتح تلك القراءات صندوق باندورا وتستخرج كل ما فيه: فوضى الميول الخطيرة التي تكمن في ظلنا الذكوري، كما في رواية «نادي القتال» لتشاك بولانيك، في الحلقة الأولى، وأيضًا الوعي بالظل اﻷنثوي بصفته قوة كامنة ومصدرًا من مصادر تجدد الذات في كما في رواية «أطياف» لرضوى عاشور، موضوع هذه الحلقة.

لماذا نكتب؟ سؤال طُرح على أكثر من كاتب وكاتبة في ظروف مختلفة، والأكثرية طرحوه على أنفسهم. لماذا الكتابة على وجه التحديد دونًا عن طرق التعبير الأخرى. باختلاف طرق طرح هذا السؤال وتكراره، إلا أنه يكتسب أهمية أكثر عند من انشغل واهتم بكتابة السيرة الذاتية، مثل رضوى عاشور، التي لها أكثر من كتاب في السيرة الذاتية؛ أولها «الرحلة مذكرات طالبة في أمريكا»، والذي قالت عنه في «صيادو الذاكرة» أنه كان ورشة كتابة، كأول محاولاتها في ترك الخوف وامتهان الكتابة، ثم «أطياف»، و«أثقل من رضوى»، وأخيرًا «الصرخة».

 في «صيادو الذاكرة»، جاوبت رضوى على السؤال: «أكتب لأني أحب الكتابة، أقصد أنني أحبها بشكل يجعل السؤال «لماذا؟» يبدو غريبًا وغير مفهوم. ومع ذلك فأنا أشعر بالخوف من الموت الذي يتربص، وما أعنيه هنا ليس الموت في نهاية المطاف، ولكن الموت بأقنعته العديدة في الأركان والزوايا، في البيت والشارع والمدرسة، أعني الوأد واغتيال الإمكانية».

هنا، وفي برنامج «أدب القرين» أتكلم عن رواية أطياف لرضوى عاشور، والتي تعد من رواياتها الأولى، حيث نشرت لأول مرة عام 1999 عن دار الهلال. هي رواية تدور فصولها بين شخصيتين؛ الأولى رضوى نفسها، والثانية شخصية أسمتها شجر. كلتاهما أستاذتان في كلية الآداب لكن في جامعتين وقسمين مختلفين، في «أطياف» تدور الأحداث على مساحة زمنية واسعة، بداية من مرحلة طفولتهما وما يمهد لها من قصة الأجداد وزواج الآباء وحتى وصولهما سن الخمسين، كما يجري فيها الربط بين أحداث شخصية وعامة.

«أطياف» على وجه التحديد لها مكانة مختلفة وخاصة بين أعمال رضوى. فليس من السهل أن يجلس أحدهم أو إحداهن للكتابة عن ذاته فيحضر طيف شخص آخر يفرض نفسه للكتابة عنه؟ ومن هو هذا الآخر؟ تسأل رضوى في «أطياف» نفسها والقراء، من هي شجر؟ لماذا جاءتني وأنا أشرع في الكتابة عن نفسي؟ السؤال تظهر فيه حيرة الكاتبة، حيرة تنتقل إلى القارئ، لا يدري إن كانت الكاتبة لا تعلم فعلًا أم أنها طريقة ذكية للكتابة عن القرين، وبشكل غير صريح سيدرك أن شجر محمد عبد الغفار هي قرين رضوى مصطفى عاشور. «أنتبه أيضًا إلى أنني كلما اقتربت من شجر وعرفتها أكثر تشابكت الخيوط».

الظل، عند المحلل النفسي السويسري كارل يونج هو النواحي غير المدرَكة من الشخصية التي تقع في منطقة اللاوعي، والتي لا تستطيع الأنا الواعية أن تدركها أو تعرّفها. ببساطة الظل هو الجانب الخفي من الأنا. في نظرية يونج  يحمل كل شخص ظلًا، يمكن أن يحوي أي نواحٍ غير ظاهرة للوعي سواء إيجابية أو سلبية.

في «أطياف» لا تأتي رضوى على ذكر نظرية الظل ليونج، ولكنها، ولفصل كامل، تتكلم عن القرين، والـ«كا» عند قدماء المصريين: والكا هو ظل يولد مع الإنسان، مقرون به، له نفس هيئته، ولا يسكن الجسد، بل يسكن الاسم، فمدى حياة الاسم بعد وفاة صاحبه مرتبطة بمدى قوة كائه. «في حياته يكون الإنسان سيد كائه، يروح ويجيء معها، وإن بقيت غير مرئية. تحمل الكا ملامح الشخص وصفاته، لها نفس الطول والعرض والمشية والضحكة، وترتدي ثيابًا مطابقة لثيابه».

ترجمت الكا للعربية على أنها القرين، وتسهب رضوى في الحديث عن معنى ومرادفات الكلمة في لسان العرب، ومنها المصاحب والأسير، ومنها ما ورد في القرآن: «وآخرين مقرنين في الأصفاد». بشكل غير صريح تسأل رضوى: هل الكا تجسيد للنفس؟

الموت وتصفية الحساب مع الذات

من الأفعال الملازمة للموت المنتظر هو تصفية الحسابات. وتصفية الحساب مع الذات يكون على رأسها. في أعمال الكاتبة، يظهر جليًا جلد الذات والشعور بالذنب لعدم مشاركة بعض الضحايا المقربين أو العوام لبعض الأحداث، وهو ما يظهر في خلقها نموذج شخصية شَجر في رواية «أطياف».

وشجر نموذج محير، قد لا يستوعب القارئ معناه تمامًا، وربما يكتفي في القراءة الأولى بتفسير أن شجر هي سيرة حياة رضوى إن كانت قد اختارت مسارًا آخر شبيه، وهو دراسة التاريخ، أو هي مجرد شخصية خيالية تُسهِّل كتابة تفاصيل تاريخية وشخصية دون التصريح بأن ذلك تأريخًا حقيقيًا، أي فقط هي بمثابة حيز أوسع للكتابة عن تفاصيل شخصية وتاريخية.

ولكن للمتأمل، فشجر أعمق من ذلك، ورغم حيرة الكاتبة الواضحة في توصيفها، وتأكيدها مرات أنها شخصية خيالية، هناك بعد نفسي آخر لم تصرّح به، وهو التكفير عن الشعور بالذنب الملازم لها في أعمالها، عن طريق خلق قرين يمر بتجارب إنسانية أعمق يهون على الأنا عدم تورطها في هذه التجارب.

شجر تُعتقل، وهي أقل حظًا فلا تجد رفيقًا مناسبًا، لا تتزوج ولا تنجب، والطفل الوحيد في حياتها كان ابن الجيران والذي عاشت حتى شاهدت اعتقاله وخروجه من المعتقل على صورة مناقضة لما دخل بها. تستقيل من الجامعة بعد اتهامها بالجنون، وتفقد الصديق الوحيد بعد أن مات كمدًا من أفعال الجامعة. تصاب بطلق ناري غالبًا من موالين للصهيونية في لندن في نفس شارع منزل ناجي العلي وبعد اغتياله، كما أن المرارة المعنوية التي تصاب بها الكاتبة بعد كل حدث غائم تصاب بها شجر عضويًا فعلًا، وتشعر بها في حلقها، ما يدفعها لاعتقادها الإصابة بالتهاب كبدي. وقبل هذا كله، فهي تلتحق بقسم التاريخ لتبرر موقفها الصريح من التأريخ والانشغال بالقضية الفلسطينية، وتتقفى أثر مذبحة دير ياسين بروح صائدة ذاكرة.

بخلاف أبعاد شخصية شجر، فالموت في حد ذاته لا يمكن تجاهله في الرواية فهو يأتي بشكل صريح، وتفرد رضوى أكثر من فصل للحديث عنه. في الفصل الخاص بجِد شجر، تذكر الموت الذي يخلف وراءه إرثًا، فجدها ترك لها كراسًا دوّن فيه بعض الأحداث التاريخية التي حضرها لحفيدته المؤرخة. أيضًا يحضر في الرواية، الموت المفاجئ بالتحديد، وقبل تصفية الحسابات، تحكي رضوى عن الجامعة التي تقتل أساتذتها وطلابها، فهناك يوسف، الأستاذ الجامعي يموت كمدًا بسبب الجامعة وفسادها، ستذهب لأمه في الصعيد، تقول لها: لا تقبلي فيه عزاء. ابنك قتل. الجامعة قتلته. والطلبة قُتلوا على مر التاريخ في أحداث مختلفة، وأثناء اجتياحات متعددة للحرم الجامعي.

قد تنطوي النواحي المظلمة من الأنا على الشعور بالذنب وجلد الذات. وفي أكثر لحظات عدم الاستقرار النفسي، يمكن أن ينفصل الظل عن الأنا بشكل غير واعٍ لتحدث حالة انفصام، أي يمكن أن ينفصل الظل ليشكل شخصية منفردة. يكتسب الظل قوته كلما كان في منطقة لا واعية أكثر من العقل. كتابة رضوى لشخصية شجر معناه إدراكها لهذا الظل، وانفصاله عنها لكن بشكل واعٍ، وبدلًا من أن يتحول إلى انفصام، تحول إلى كلمات وفصول. وفي حالة نظرية يونج؛ التي تقول أن الظل يقبع في أكثر الأماكن ظلمة من الوعي، فالوعي به بالضرورة يخلطه بالأنا، فيكتسب من صفاتها، ويتشابك معها، وهنا نعود إلى مفهوم الكا عند قدماء المصريين. شجر ورضوى هما الصورة وانعكاسها في المرآة، الإنسان وظله.

«لم تكن نائمة، لم يكن عقلها شاردًا في الزمان. كانت شجر ترتب بيتها وتطمئن».

اعلان
 
 
أفنان فهيد