مترو المدينة: رحلة بيروتية في آلة الزمن

«مترو المدينة» مسرح مستقل وكباريه، يقع في شارع الحمراء الشهير في بيروت، الذي كان مركزًا لتجمع المثقفين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. أسس هشام جابر وشركاه المسرح عام 2012، على أنقاض مسرح قديم، في محاولة طموحة لإحياء المشهد المسرحي القديم في شارع الحمراء. ووفقًا لـ جابر، فقد استخدمت المديرية العامة للأمن اللبناني المكان سابقًا لتقييم الرقابة من غير محتملة على الأفلام السينمائية قبل عرضها في دور السينما. ووفقًا لأهداف «مترو المدينة» المنشورة، يعمل المكان على «توفير خشبة مسرح، تسهم في ازدهار الفنون المسرحية كافة».

وتتنوع العروض التي يقدمها المسرح من عروض الكباريهات إلى المسرحيات والحفلات الموسيقية. ويعمل كذلك على الحفاظ على الطرب. يضيف جابر ضاحكًا أن فكرة ظهور أفضل موسيقيّ لبنان، «آلهة المشهد اللبناني»، بحسب تعبيره، وهم يرتدون أزياء قديمة من أجل إحياء حقبة انقضت منذ عهد بعيد، كانت تعتبر فكرة جامحة.

«اعتقدنا أننا لن ننجح على الإطلاق»، يقول جابر، فنان يقدم عروض ستاند آب كوميدي وممثل ومخرج مسرحي، وعلى دراية واسعة بالتاريخ الثقافي للمنطقة، أثناء حديثنا في منزله في بيروت بالقرب من شارع الحمرا.

بينما لا تملك بيروت نفسها نظام مترو، يعمل موقع «مترو المدينة» تحت الأرض كسفينة تنقل جماهيرها إلى الماضي، وتتوقف بهم من خلال برامجها المختلفة بين محطات زمنية وثقافية متنوعة. «زيارة واحدة فقط كانت كافية ليضعني المكان تحت تأثيره»، كتبت مريم كيرلس عن مترو المدينة، مسرح مستقل في بيروت، والذي ينقل جمهوره إلى عصور مختلفة من الموسيقى والثقافة العربية. لم أحتاج لأكثر من زيارة واحدة لكي أقع أسيرة لسحر المكان: الطاولات تواجه المسرح مثل الكباريهات، وضوء الشموع، والسقاة يرتدون البابيون، وإضافة إلى العروض التي يرغب عشاق المسرح والموسيقى مشاهدتها إذا عادوا إلى الماضي في آلة الزمن.

ومن أبرز المحطات التاريخية التي تأخذنا إليها آلة الزمن هي حقبة «هِشّك بِشّك»

«هشك بشك» هو تعبير بالعامية المصرية يرتبط غالبًا بالراقصات، وربما كان سبب استخدامه صوت الصاجات التي تضعها الراقصات في أصابعهن أثناء الرقص. كما يستخدم هذا التعبير للإشارة إلى الفن الهابط، أو حتى إلى ممارسة الخلاعة في بعض الأحيان. قدّم «مترو المدينة» استعراض «هشك بشك» القائم على تراث مصر الموسيقي والسينمائي والمسرحي الهائل، والذي جعل من القاهرة عاصمة للترفيه في الشرق الأوسط، وكان ذلك السبب في فهم اللهجة المصرية من جانب نحو 300 مليون شخص يتحدثون العربية. يقدم استعراض الكباريه المصري لمحة عن العصر الذهبي للموسيقى في مصر، عندما كانت الموسيقى والأغاني باللهجة العامية تُستخدم كوسيلة بسيطة للاتصال والتعبير. وبصفتي مصرية، لم يخطر لي من أقبل أنني ساستمع إلى أغاني شعبية شهيرة في هذا الاستعراض الذي يحاكي استعراضات مسارح برودواي. وفقًا لجابر، منذ تقديم الاستعراض للمرة الأولى، كانت التذاكر تنفد في أيام عرضه الثلاثة خلال الأسبوع، وشارك في مهرجانات محلية ودولية، وحتى يومنا هذا، شاهده جمهور يُقدر بعشرات الآلاف.

بينما أسهم الكثير من العروض المسرحية التي يقدمها «مترو المدينة» في إحياء ما يسمى بالعصر الذهبي في مصر، فأنها لم تتجاهل الإرث الثقافي اللبناني. فتقدم فقرة «متروفون» الموسيقية عروض الموسيقى اللبنانية القديمة، وتلقي الضوء على فنانين لم يحظوا بشهرة واسعة، على الأقل بين الأجيال الجديدة والمستمعين غير اللبنانيين، على عكس نجوم مثل فيروز والأخوين رحباني. ومن هؤلاء الفنانين، المطرب والمُلحن فيلمون وهبي (1914- 1985). اشتهر وهبي بحسه الفكاهي اللاذع، وقدم أغنيات ساخرة عن الحرب الأهلية اللبنانية، أظهر فيها سخطه على الأوضاع الراهنة حينها. ومن بين العروض التي تقدم أغاني وهبي، عرض بعنوان «كشو الدجاج»، وهو موسيقى كوميدية يقدمها واحد من أصغر أعضاء فريق «مترو المدينة»، سماح أبو المنى.

سماح أبوالمنى مطرب وعازف أكورديون علم نفسه بنفسه، وانضم إلى «مترو المدينة» منذ 2013. «بدأتُ الغناء في المنزل والعزف على آلة الأورج لنفسي، ولم أكن أعتقد أن شخصًا يعزف على آلة موسيقية لا يمكنه الغناء. بالطبع يستطيع الغناء. ربما يكون صوته سيئًا، لكنه قادر على الغناء»، يقول لي ذلك أثناء استعداده للعرض في كواليس المسرح. انضم في البداية إلى استعراض «هِشك بشك» كعازف بيانو وسنيد للمطرب. وحدث أن فقد أحد المطربين صوته، وحينها حل مكانه أبو المنى وظهر صوته للنور.

سمعتُ «أبوالمنى» في الاحتفال بالعيد السابع لتأسيس «مترو المدينة». وأثناء الاستعراض، سمعنا صوتًا أقل ما يُقال عنه أنه «صوت الجبل»، في إشارة إلى أصوات المطربين من جبل لبنان مثل المطرب الراحل وديع الصافي. كان «أبوالمنى» حينها يغني موالًا؛ والموال عادة ما يكون مقدمة لأغنية ويتكون من مقاطع صوتية ممطوطة ونبرات شجية هادئة الإيقاع.

كان تقديم «أبوالمنى» لأعمال وهبي مُذهلًا. وبالعودة إلى مقاطع فيديو قديمة لأغاني وهبي يكتشف المرء أن وهبي عاد للحياة مرة أخرى في «مترو المدينة» ولكن على صورة مطرب أفضل، وشَعره أجمل. «كان فيلمون وهبي من أجمل المُلحنين اللبنانيين، ولقد تبع روحه وقدّم أبسط الألحان في فترة زمنية لم تكن بسيطة على الإطلاق»، يقول «أبوالمنى».

لكن عروض «مترو المدينة» لا تتعلق فقط بالاحتفال بالماضي فقط، بل بالأحرى إعادة النظر فيه. يقدم «مترو المدينة رؤية عميقة لمطربي الماضي. إنه يتيح للجمهور فرصة لمعرفة أن هناك المزيد من الأغاني للمطرب أكثر من التي نعرفها بالفعل. إننا نقدم زوايا جديدة وأسلوبًا جديدًا عن تناول تاريخ لا يمكن تجاهله»، تقول لي ساندي شمعون، إحدى أبرز فناني المسرح. ومن ذكريات شمعون المفضلة مشاركتها في استعراض «الولادة»، حيث قدمت أغاني البوب ​​العربية في الثمانينيات والتسعينيات. «شعرت أن بداخلي الكثير من المشاعر، وأنني يجب أن أخرجها كلها من صدري».

وبينما تنقب عروض «مترو المدينة» في الماضي٬ فهي لا تخلو بالوقت نفسه من السياسة. قابلتُ شمعون لأول مرة في وسط القاهرة، في ذروة انتفاضة الشعب المصري ضد السلطة. في ذلك الوقت، كانت عضوًا في فريق يعمل على إجراء سلسلة من المقابلات عن دور المرأة في ثورة 25 يناير في مصر. وبعد ست سنوات، شاهدتُ عرضًا تغني فيه أغاني الشيخ إمام على مسرح «مترو المدينة». أصابني الذهول من حضور صوتها الطاغي، ومن أصالتها وشغفها بالكلمات، ما جعل الحياة تنبض فيها.

«كلنا سياسيون بالطبع. نحن لا نصدر بيانات سياسية، ولكن مبادئنا والفن الذي نقدمه يقومان بهذا الدور» تقول لي هذا في مقهى بالقرب من شارع الحمرا. وأوضحت شمعون أنها تشعر أثناء الغناء، خصوصًا الأغاني ذات الطابع السياسي، أن المسرح يتحول إلى مظاهرة، ولكن دون لافتات أو هتافات.

وفي 2012، أسست شمعون، بالتعاون مع كاتب الأغاني والملحن خالد صبيح وآخرين، فرقة موسيقية أطلقوا عليها اسم «الرحيل الأكبر»، واشتُهرت بأغانيها السياسية الجريئة والساخرة. وتقول إنه بعد عدة أشهر من التدريبات، اتصل بهم جابر ليعرض عليهم مسرح «مترو المدينة»، بعد إطلاق واحدة من أغانيهم «دونت ميكس» في 2013- وهي أغنية تسخر من حديث الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في ألمانيا، مُشيرًا إلى اقتران الحرية بالمسؤولية. لفتت الفرقة الموسيقية الانتباه على المستوى الدولي في عام 2014، بسبب أغنيتهم الساخرة عن القائد العسكري لميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية، «أبو بكر البغدادي».

أما في عام 2017، اكتسب الممثل اللبناني زياد عيتاني شهرة بعد اتهامه كذبًا بأنه جاسوس إسرائيلي- وهو ادعاء لا يُغتفر في المنطقة، خاصة في بلد يعاني من صدمة استمرت قرابة عقدين من الصراع مع إسرائيل. تحت التعذيب، اعترف بلقاء «عميلة لجهاز المخابرات الإسرائيلي ذات ملامح سويدية، تُدعى كوليت». بعد أشهر من اعتقاله، وفي تطور للأحداث، اكتُشفت حقيقة تلفيق الأدلة وأُطلق سراح عيتاني، في حين يُحاكم الشخص المسؤول عن اتهامه حاليًا. وبدلًا من الظهور كرجل مكسور، تعاون عيتاني مع صبيح لتوضيح تجربته في مسرحية كوميدية ساخرة «وما طلّت كوليت». وبالطبع، كان «مترو المدينة» سعيدًا بتقديم مسرحه لعرض هذه المسرحية الجريئة.

وبالنسبة للمشاركين في عروض «مترو المدينة»، يعتبر الجمهور جزءًا لا يتجزأ من سحر التجربة. ومن بين الأماكن كافة التي قدّم فيها «أبوالمنى» عروضه، يعتبر جمهور «مترو المدينة» الأفضل في انفعاله وحسن استقباله وتفاعله. «في العديد من الأماكن الأخرى التي أقدم فيها عروضي، قد لا يسمع المرء سوى صوت السكاكين والملاعق على الأطباق»، يقول «أبوالمنى».

«أنا أعشق الناس الذين يأتون إلى هنا. إنهم يفهموننا»، تضيف شمعون، موضحة أن جمال الجمهور يكمن في تقبل التجارب الجديدة التي يقدمها العارضون، في تناولهم لفن الزمن الماضي. «هذا هو الأمر الفريد في مترو المدينة، يمكننا أن نصبح تجريبيين. نحن لا نأتي إلى هنا لكي نُسعد الجمهور. صحيح أننا نحترمهم، ولكن لا حدود للفن الذي نقدمه».

وإضافة إلى الجمهور، فإن تفاعل الفنانين مع بعضهم البعض في «مترو المدينة»، هو سبب آخر لشعورهم بسحر التجربة.

انضممتُ إلى فريق «هِشك بشك» في الكواليس قبل أحد العروض، وأدركتُ أن الجمال الساحر الذي يقدمونه له سبب. ويمكن القول إن تفاعل أعضاء الفريق الواضح للعيان أثناء تعاونهم في ارتداء الملابس ووضع المكياج، وتبادل النكات، وتبادل الحديث، هو مصدر هذا الجمال الساحر. يشعر المرء بمشاعر الأسرة التي تنتقل بطريقة عجيبة إلى الجمهور بمجرد فتح الستار. وتؤكد شمعون أن مصدر قوتهم ينبُع من التفاعل بين المطربين والموسيقيين والتعامل فيما بينهم على قدم المساواة، و«وحدة الروح» بين الفنانين.

لكن هذه الروح تمزقت بعد الوفاة المأسوية لعضو الفرقة والمطرب عماد حشيشو في حادث سيارة مارس 2018. «نحن أناس بسطاء، نرضى بالقليل. لقد كنا أسرة واحدة وفقدنا فردًا من أفراد هذه الأسرة»، تقول شمعون. عندما سمعت الخبر، تجمعوا جميعًا بشكل طبيعي في «مترو المدينة». بالكاد وجد جابر كلمات لوصف خسارته. لقد وضع صور حشيشو على باب الشرفة في منزله وفي مكتبه في «مترو المدينة».

في مارس 2019، وفي فعالية مجانية مفتوحة للجمهور، استضاف «مترو المدينة» أمسية لإحياء ذكرى وفاة حشيشو بحضور أسرته وأصدقائه، وكذلك «أصدقاء مترو المدينة»، وهو مصطلح يُطلق على الجمهور الدائم للمسرح. حضرتُ هذه الأمسية، التي تصادف تزامنها مع الذكرى السنوية الأولى لوفاة والدي. وفي فترات توقف الموسيقى، تُسمع أصوات البكاء وتنهدات من الجمهور، والنداء على اسمه صراخًا أو همسًا. قدم الناس التعازي لبعضهم البعض ووجدت نفسي على الفور في حالة حداد على فقدان شخص أعرفه، حتى إن لم أقابله أبدًا.

كان من الصعب على جابر اختيار ذكرى مفضلة عن المكان الذي بدأ العمل فيه قبل سبع سنوات. يقول: «أعتز بكل ذكرياتي في مترو المدينة». يعتقد أنه كان سيغادر لبنان، مثل كثيرين من أبناء جيله، إذا لم يوجد «مترو المدينة». «هذا المكان يمنح الناس الأمل. هنا تنسى قرف الحياة اليومية، وتنتقل إلى حقبة زمنية مختلفة، ثم تعود مجددًا إلى قرف الحياة اليومية»، يقول جابر مبتسمًا.

صورة: مريام كيرلس

صورة: مريام كيرلس

ساندي شمعون، إحدى أبرز المؤديات وعضو فريق «الرحيل الأكبر» في مقهى بالقرب من شارع الحمرا، بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: مريام كيرلس

«هِشك بشك» على خشبة المسرح في «مترو المدينة»، بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: مريام كيرلس

زياد الأحمدي في كواليس «هِشك بشك» في مسرح «مترو المدينة»، بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: مريام كيرلس

صورة: مريام كيرلس

خالد صبيح (إلى اليسار)، وساندي شمعون، وسماح أبي المنى في عرض لفرقة «الرحيل الأكبر» على خشبة مسرح «مترو المدينة»، بيروت، 3 سبتمبر 2019 - صورة: مريام كيرلس

روي ديب (إلى اليسار)، سماح أبي المنى، وياسمينا فايد في كواليس استعراض «هِشك بشك» في مسرح «مترو المدينة»، بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: Mariam Kirollos

صورة: مريام كيرلس

هشام جابر، المؤسس والمدير الفني لـ «مترو المدينة»، بيروت، 3 سبتمبر 2019 - صورة: مريام كيرلس

ياسمينا فايد وروب ديب في كواليس استعراض «هِشك بشك»، في مسرح «مترو المدينة» بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: مريام كيرلس

صورة: مريام كيرلس

سماح أبي المنى عازف أكورديون ومطرب في مسرح «مترو المدينة»، بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: مريام كيرلس

استعراض «هِشك بشك» على خشبة المسرح في «مترو المدينة»، بيروت، 11 يوليو 2019 - صورة: مريام كيرلس

Read in English
 
 
اعلان
 
 
مريام كيرلس 
 
 
More from Panorama