عمالقةٌ بالون: 1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

مقدمة

من حسن الحظ أنه أُتيح لي استخدام الحواسيب والإنترنت في وقت مبكّر من حياتي. كأغلب جيلي، كان الإنترنت الأكثر تأثيرًا في أنماط التفكير والانحيازات. مع مرور الوقت وانخراطي في المجال العام الذي انفتح نسبيًا بعد 2003، أصبح الإنترنت منفذًا أساسيًا لي في تطوير نفسي وطريقة تفكيري، خاصة مع ظهور المدونات وتقنيات الوِب 2.0. وأظن أن الكثير ممن في عمري قد مروا بتجارب مشابهة على اختلاف اهتماماتهم.

في هذه المقالات، أعرض تجربتي حول كيفية تأثير الإنترنت والحواسيب وتطور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على تغيير أنماط التفكير والانحيازات، وحول الطريقة التي وظّف بها النشطاء المصريين هذا التطور في العمل السياسي والاجتماعي والحقوقي، حتى أصبح الإنترنت المنفذ الأخير المُتاح للمصريين بعد أن سيطرت السلطة تمامًا على المجال العام في مصر.

تقتبس المقالات عناوينها من «إعلان استقلال للفضاء السيبراني» الذي كتبة صاحب المواهب المتعددة جون پِري بارلو في سنة 1996. بارلو شاعر وكاتب أغاني وكاتب مقالات ومدون وناشط إنترنت. أسس هذا الإعلان، في وقت مبكر جدًا، فكرة وفلسفة عامة تجاه قضايا حرية الفضاء السيبراني وقضايا حرية التعبير والخصوصية والملكية الفكرية.

تتناول المقالات الفترة من النصف الثاني من التسعينيات حتى الآن، في محاولة لرصد المشاهدات ذات الصلة بالتطور في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وارتباطه بالمجال العام والدفاع عن الحقوق والحريات، وتأثير ذلك في الحراك السياسي والاجتماعي وتداول المعلومات والبيانات والإعلام الرقمي. تعرض المقالات مشاهدات مُبكّرة للوب العربي وكيفية تطور المشهد بدءً من صفحات الوب العربية البسيطة مرورًا بالمنتديات ثم المدونات وتقنيات الوب 2.0 والويكي واستخدام النشطاء للإنترنت كوسيلة للتنظيم والتجمع وممارسات الحكومات المتعاقبة للسيطرة على الإنترنت والإتصالات.

زيارة عائلية نادرًا ما كانت تحدث: أذهب إلى منزل عمي بالقاهرة قادمًا مع الأسرة من محافظتي «الشرقية». كان لدى ابن عمي حاسوب متصل بالإنترنت. لا أذكر جيدًا، ربما كان هذا في منتصف التسعينيات. بالنسبة لي، لم أكن أعرف عن الإنترنت أي شيء. لم أفهم حتى عندما أخذني ابن عمي ليُريني هذا الجهاز وكيف يُجري من خلاله محادثة، أعتقد أنها كانت من خلال «آي آر سي» (IRC). لا أتذكر جيدًا، لكن في المرة الأولى التي رأيت بها واجهة لعميل «آي أر سي» بعدها، تذكّرت هذا الموقف. كانت علاقتي بالحواسيب محدودة في هذه الفترة. فقط من خلال معمل موجود في المدرسة لا يُتاح للجميع دخوله، وإن كنت قد تمتعت أحيانًا بأن يُسمح لي بدخول المعمل بسبب ميزة اجتماعية اكتسبتها من والدي كأقدم طبيب في قريتنا الصغيرة.

أُتيحت لي فرصة جيدة لاكتساب بعض المهارات التقنية في هذه الفترة. التحقت بدورة تدريبية صيفية عن استخدام نظام التشغيل مايكروسوفت «ويندوز 95»، وتطبيقي ميكروسوفت وورد ومايكروسوفت باوربوينت. المهارات التي اكتسبتها من الدورة التدريبية كانت جيدة بالنسبة لقرية صغيرة تبعد عن القاهرة عشرات الكيلومترات.

لقطة من شاشة نظام التشغيل ويندوز 95

بعدها بسنة، أو ربما سنتين، دخل أخي الجامعة في «الزقازيق» عاصمة المحافظة. تعرّف على الإنترنت ومقاهيه، وأخبرني أن هناك ما يسمى بالبريد الإلكتروني، وأن هناك موقع اسمه «ياهو» يمكّنه من الدردشة والتعرف على آخرين خارج مصر. كنت وقتها مهتمًا نسبيًا بالمراسلة. كان هناك صديق جزائري -للأسف لا أذكر اسمه- تعرفت عليه عبر صفحة المراسلة في مجلة «الشباب» التي كانت أحصل عليها عبر أخي. وراسلت صديقي لعدة سنوات عبر البوسطة.

في 1998 تقريبًا، طلبت من أبي أن يشتري لنا حاسوبًا. لا أذكر يومًا كنت فيه أسعد من لحظة وصول الحاسوب في سيارة ربع نقل! لا أظن أن وقتها كان هناك طريقة أخرى لنقله إلى المنزل سوى أن نحمله لمسافة كيلو متر ونصف تقريبًا، أو استخدام سيارة ربع نقل. اخترت السيارة خوفًا على هذا الكنز. الحاسوب كان عبارة عن شاشة 14 بوصة ماركة سامسونج، وقرص صلب 8 جيجا، وذاكرة وصول عشوائية (RAM) سعتها 128 ميجا بايت. أذكر جيدًا أن هذه الإمكانيات كانت مرتفعة جدًا لدرجة أن يُدفع فيه سبعة آلاف جنيه. بعض الأصدقاء من طلبة كلية الهندسة جاءوا خصيصًا لرؤية هذا الجهاز.

أسرني الحاسوب. قضيت وقتًا طويلًا أتعلم بالتجربة. أصبحت قادرًا على الوصول للإنترنت من المنزل عبر كارت الفاكس الموصّل باللوحة الأم للحاسوب. أسعار الوصول للإنترنت كانت مرتفعة جدًا، وكان يمكن تقليل التكلفة باستخدام كارت شبيه بكروت شحن الهواتف المحمولة. التكلفة كانت تُحسب بالساعة. هذا الكارت على ما أذكر كان يكفي لـ 50 ساعة بسعر مُخفّض نسبيًا. استخدمت الإنترنت شبه يوميًا. كنت قد طلبت سابقًا من أخي أن يُسجّل بريدًا إلكترونيًا باسمي على موقع «ياهو»، واستخدمته في الدردشة والمنتديات، قبل أن أحصل على آخر وأسجله بنفسي على موقع «هوتميل».

تعلمت العديد من الأشياء في هذه الفترة. أصبحت قادرًا على إعادة تركيب نظام التشغيل 98 دون الحاجة لمساعدة، واستخدام برنامجي ميكروسوفت وورد وميكروسوفت باوربوينت، بالإضافة لحل بعض المشاكل البسيطة مثل التعامل مع الفيروسات وإعادة تهيئة القرص الصلب.

من اليمين إلى اليسار: قرص مضغوط (CD) ، رف محمول (Mobile Rack) ، قرص صلب و jumper، قرص مرن (Floppy Disk)

لم تكن مشاركة الملفات، كالأفلام والمقاطع الموسيقية، بالسهولة التي عليها الآن. ما كان مُتاحًا وقتها هو نقل الأفلام والأغاني عبر أربعة طرق. الأول عبر الأقراص المضغوطة، وكانت تستوعب 700 ميجا تقريبًا ولا يمكن إعادة استخدامها. الثاني عبر خلع القرص الصلب من الحاسوب وتوصيله بحاسوب آخر لنقل ملفات منه أو إليه. كانت عملية صعبة نسبيًا، خاصة أنه يجب وضع قطعة صغيرة (jumper) لتحديد أي الأقراص سيكون الرئيسي. وقتها، كان هناك اختراع اسمه Mobile Rack، وهو عبارة درج يوضع فيه القرص الصلب، وله مكان في وحدة المعالجة المركزية، بحيث يُسهّل إمكانية التحرك بالقرص الصلب وإيصاله بحواسيب أخرى لنقل الملفات. الطريقة الثالثة كانت عبر الإنترنت، لكنها كانت مُكلّفة جدًا، وكانت سرعة الإنترنت منخفضة. لا أذكر أني رأيت سرعة تحميل وقتها أكثر من 6 كيلو بايت في الثانية. أما الطريقة الرابعة فقد كانت عبر الأقراص المرنة (Floppy disk). عندما بدأت التعامل مع الحواسيب، كان هناك القرص المضغوط 3.5 بسعة تقترب من ميجا ونصف، وقبله كان هناك القرص المضغوط 5.25، وكان أكبر حجمًا وأقل سعة ولم استخدمه سوى مرات معدودة. لكن القرص 3.5 استخدمته كثيرًا سواء في نقل بعض الملفات البسيطة أو لإقلاع الحاسوب (قرص مرن يُستخدم من أجل تنصيب نظام تشغيل جديد أو إصلاح نظام تشغيل) في وقت انتشار ويندوز 98 على ما أذكر.

وب من التسعينيات

لقطة شاشة لموقع ياهوو سنة 1997

في نهاية التسعينات، انتشرت المجموعات البريدية. كانت أغلب المواقع الشهيرة لديها قوائم بريدية تُرسل لمشتركيها تحديثات دورية أو تُستخدم في الإعلان عن منتجات أو خدمات جديدة. مع انتشار المجموعات البريدية، أصبح بإمكان المستخدمين إنشاء وإدارة مجموعة بريدية دون الحاجة لمعرفة تقنية واسعة. يكفي أن تمتلك بريدًا إلكترونيًا لتنشئ مجموعة بريدية يشترك فيها مستخدمون آخرون لتتبادلوا الرسائل الإلكترونية فيما بينكم. ظلّت المجموعات البريدية منتشرة -ربما- حتى 2005، قبل أن تسيطر الشبكات الاجتماعية والمدونات على مشهد الوِب. مع نهاية التسعينيات كانت «ياهو» قد استحوذت على eGroups وغيّرت إسمها إلى Yahoo! Groups.

لقطات من شاشة برامج المحادثة في نهاية التسعينيات، من اليمين إلى اليسار:ICQ, Paltalk, MSN, Yahoo

كان للمنتديات وغرف الدردشة قاعدة واسعة نسبيًا في مصر والدول العربية. أذكر أن برامج الدردشة مثل «ياهو ماسنجر» كانت تُستخدم على نطاق واسع جدًا، ثم ظهر «MSN Chat» الذي سحب نسبة من المستخدمين إلى غرفه، وقبلهما كان برنامجا «ICQ» و«Paltalk» منتشرين، وإن كانا على نطاق أضيق. أذكر وقتها تحذيرات الكثير من المشاركين بالمنتديات العربية من برنامج «ICQ» لأنه إسرائيلي. وأذكر لاحقًا بداية انتشار غرف دردشة «بالتوك» التي تتناول قضايا تتعلق بالأديان والجنس.

كان موقعا «الجزيرة» و«بي بي سي» هما أول موقعين إخباريين أعرفهما، إلاّ أنه في سنة 1998 ظهرت بعض مواقع الوِب التي أطلقتها المؤسسات الصحفية في مصر. بدأت مؤسسة الأهرام موقعها الإلكتروني في سنة 1998، والذي قدّم نسخة رقمية من أعداد الأهرام اليومية. وأطلقت شركة «أرابيا إنفورم» موقع «محيط» الإخباري، وظهر موقع صحيفة «السفير» اللبنانية بنسخة رقمية على الإنترنت. كما ظهر موقع «ArabTimes» كموقع يشرف عليه مجموعة من العرب المقيمين في أمريكا، وكان يتمتع بمساحة واسعة من الحرية في نشر المقالات والأخبار السياسية. في سنة 2000، ظهر موقع صحيفة «أخبار اليوم». وأطلق حزب الوفد موقعًا للصحيفة التي تحمل اسمه، كما أطلق حزب العمل صحيفة «الشعب» بعد أن أوقفت الحكومة المصرية طباعتها. كان هناك أيضًا موقع صحيفة «الأهالي» التابعة لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وموقع صحيفة «الأسبوع».

حتى المؤسسات الحقوقية ومجموعات المدافعين عن حقوق الإنسان استخدمت الوِب مبكرًا لنشر المعلومات والبيانات المُتعلّقة بحقوق الإنسان. بادرت العديد من منظمات حقوق الإنسان بإنشاء مواقع خاصة بها، مثل «هيومان رايتس واتش»، التي أطلقت نسخة من موقعها بالعربية في 1998، ومنظمة العفو الدولية، التي أطلقت موقعها الإلكتروني في 1996، ونشرت بعض إصداراتها باللغة العربية، إلا أن ظهور اللغة العربية كقسم منفصل في موقعها حدث لاحقًا. وكان للمنظمات العربية أيضًا تواجد مبكّر. هناك بعض المنظمات التي أنشأت مواقع إلكترونية لها، وإن كان أغلبها بالإنجليزية (ربما كان ذلك لمشاكل تتعلق بترميز اللغة العربية في متصفحات الإنترنت وقتها). كان موقع «مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان» هو أول موقع مصري لمنظمة حقوقية على شبكة الإنترنت، وظهر في عام 1998. وفي نفس العام، ظهر موقع مؤسسة «الحق» في فلسطين.

في هذه الفترة -على ما أذكر- كانت صحيفة آفاق عربية منتشرة بين أوساط الإخوان المسلمين، حتى إنها كانت تُباع في أحد مساجد قريتي بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع. ربما كانت الصحيفة الوحيدة التي كنت استطيع الحصول عليها دون الحاجة للسفر خارج قريتي. وقتها كان المتوفّر فقط الجرائد القومية الثلاث الرئيسية: الأهرام والأخبار والجمهورية. الحقيقة أن أغلب الاحتياجات في هذه الفترة كنت أضطر للسفر كي أحصل عليها. أشرطة الكاسيت والكتب والمجلات أذهب إلى المركز للحصول عليها. أذكر في هذه الفترة أن أخي قد كتب مقالًا قصيرًا نُشر في صحيفة آفاق عربية. وقتها تمنيّت لو كنت فعلت مثله. لاحقًا في 2003 أطلقت صحيفة آفاق عربية موقعها الإلكتروني.

من اليمين: شعار شركة موبينيل (أورانج الآن)، شعار شركة كليك (فودافون الآن)

في سنوات نهاية التسعينيات، بدأ الإنترنت في الانتشار أكثر. تزامن ذلك مع إصدار قانون تحويل الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية إلى شركة مساهمة مصرية تحت اسم «الشركة المصرية للاتصالات» كشركة مساهمة احتفظت الحكومة المصرية بملكية 80% من أسهمها. كما كانت شركات المحمول بدأت العمل في مصر، حيث كانت شركتا موبينيل (أورانج حاليًا) وكليك (فودافون حاليًا) يقدمان خدمة الهواتف المحمولة. وظلّت المصرية للاتصالات هي المقدم الوحيد لخدمة الهاتف الثابت في مصر، ومالك بوابات الاتصال الدولية، تقوم بتأجير بنيتها التحتية لشركات الاتصالات الأخرى. لاحقًا، ظهرت العديد من شركات القطاع الخاص التي تقدم خدمة الإنترنت، وبدأ عدد مستخدمي الشبكة بالازدياد، خاصة بعد انتشار الأماكن العامة التي توفّر خدمة الإنترنت ودخول الإنترنت إلى المنازل.

هل تذكرون المنتديات!

المحتوى العربي على الإنترنت في هذه الفترة كان محدودًا. ما أزالت أذكر بعض المواقع أغلبها إما أُغلق أو تغيّر نشاطه. أذكر منهم موقع «أين» الذي كان يُقدّم محتوى إخباري متنوع وإعلانات مبوبة ودليل للمواقع ومحرك بحث بالإضافة إلى خدمتي البريد الإلكتروني واستضافة الصفحات الشخصية. كان هناك أيضًا موقع «أرابيا»، وهو دليل للمواقع ومحرك بحث بالإضافة إلى تقديمه خدمة الدردشة. إلى جانبها، كان هناك منتديات «سوالف»، و«الساحة العربية»، ومواقع «نسيج» و«إسلام أونلاين»، وبالطبع موقع «عجيب» التابع لشركة صخر، والذي قدّم خدمة ترجمة فورية.

كانت المنتديات مع الدردشة توازي -بشكل ما- الشبكات الاجتماعية الآن. منتديات «الساحة العربية»   و«سوالف» و«المشاغب» كانت الأكثر شعبية في السنوات الأخيرة من التسعينات وبداية الألفينات. احتوت المنتديات نقاشات المستخدمين في مجالات متعددة منها التقني والديني والسياسي. وظلّت هذه المنتديات تفرض رقابة على المحتوى الديني والسياسي والجنسي إما خوفًا من حجبها في منطقة الخليج العربي أو خوفًا من ملاحقات أمنية أو بدوافع وقناعات شخصية من مُلّاك هذه المواقع.

أعجبني المحتوى التقني المتوفّر بالمنتديات خاصة أنه قُدِّم بالعربية. قرأت واطلعت على الكثير من المقالات التي تشرح مبادئ تصميم مواقع الوِب. كنت قد حاولت سابقًا أن أجد كتابًا بالعربية يشرح مبادئ لغة «إتش تي إم إل». وجدت واحدًا بالعربية مصادفة في معرض الكتاب. كان بداية جيدة لمعرفة الأساسيات.

في المقال القادم: «مكتوب» و«لينكس» و«ويكيبيديا»: اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان.

اعلان
 
 
محمد الطاهر