كيف نتعلم؟ تأملات في مناهجنا: 4 حكايات من حصة العلوم
 
 

هل يمكننا أن نخلق في أذهاننا حلقات وصل بين ما تعلمناه في حصة العلوم في طفولتنا وممارساتنا اليومية؟ لم يحدث ذلك مع الكثيرين، على الأقل ممن تواصلنا معهم لكتابة هذا التقرير. فلم نجد الكثير من الأمثلة للتطبيقات الحياتية، باستثناء الطريقة المثالية لفتح برطمان الصلصة. وبالمقابل، تعددت الفجوات المعرفية التي لم تكف حصة العلوم لتغطيتها، فيما قامت بذلك التجارب الحياتية حتى إن أتت في أحيان كثيرة متأخرة.

برطمانات الصلصة

بمطالعة منهج العلوم منذ أن يصبح مادة مستقلة أي من الصف الرابع الابتدائي وحتى الصف الثالث الإعدادي يمكن تقسيم المحتوى بأكمله لأربعة محاور ممتدة، ينتهي المحور عند نقطة معينة، ويعاود البدء مرة أخرى في الصف التالي. أول محور هو محور المادة وأنواعها وكثافتها وأدوات قياسها المختلفة، والتفاعلات الكيميائية، والتركيب الذري والإلكترونات، والكميات الفيزيائية، والمخلوط والمحلول.

وأبرز ما في هذا المحور هو الجدول الدوري المعروف أيضًا بجدول «مندليف»، ويتم تدريسه في الصف الثاني الإعدادي، ويعرف بأنه أول جدول حقيقي لتصنيف العناصر، وتم نشره عام 1871 في كتاب «مبادئ الكيمياء». يعد ذلك الجدول البذرة الرئيسية لمادة الكيمياء التي يدرسها الطالب فيما بعد في المرحلة الثانوية سواء في الصف الأول الثانوي أو في شعبة العلمي. إلا أننا لم نجد من يتذكر هذا الجدول ممن حاورهم «مدى مصر»، فيما عدا عبدالله، خريج دار علوم قسم لغة عربية ودراسات إسلامية، والذي لم يستطع تذكر اسم العالم قائلًا: «أنا فاكر درست الجدول الدوري اللي بيشرح المواد الكيميائية وأنواع المعادن فلزات ولا فلزات».

ومن الطريف أن أحد المعلومات التي يتم تدريسها في محور كثافة المواد هو بالونات الهيليوم، وتفسير سبب تحليقها في الجو ومقاومتها للجاذبية، وهو قلة كثافة الهيليوم عن الهواء، ولكن لم يتذكر أي أحد هذه المعلومة التي نراها مجسدة في أعياد الفلانتين (الحب) كل عام عندما تمتلئ المحلات بالبالونات الحمراء على شكل قلوب. وهو ما يصفه الأستاذ نبيل محسن مدرس فيزياء منذ 20 عامًا بغياب السبب العلمي من أذهان الناس، فالجميع يعرفون أن بالونات الهيليوم تحلق في الجو ولكن ربما بسبب شعور الطالب حين درسها بأنه مضطر لحفظها كمعلومة تخص الإمتحان، لم يبق منها في ذاكرته أي شيء، فهو مدرك الآن أنها تحلق ولكن لا يعرف السبب ولا يأتي في ذهنه أنه قد درسها بالأساس.

ولكن لم تكن الصورة معتمة فيما يخص تذكر هذا المحور الممتد لدراسة المادة وأنواعها وكثافتها، لأن إيريني عويضه، خريجة آداب – قسم إعلام تقول لـ «مدى مصر»: «أكتر معلومة فكراها من العلوم وفادتني في حياتي اليومية هي فكرة أن المواد الصلبة تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة.. وده نفعني في فتح برطمانات الصلصة لأني كنت بسخن الغطا عشان يتفتح أسهل». ومن الطريف أن أكثر من شخص أجمعوا على ما قالته إيريني بخصوص فائدة دراسة القاعدة الفيزيائية التي تقول «المواد تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة» في حياتهم اليومية، خاصة في فتح برطمانات الصلصة ومراقبة التغير في عجل السيارات ما بين فصلي الصيف والشتاء.

أوعى والكهربا

المحور الثاني الذي يركز عليه منهج العلوم هو الطاقة ومصادرها وأنواعها، وتحولات الطاقة الكهربائية لضوئية وحرارية واستخدامتها. وفي الصف الأول الإعدادي يتعرف الطالب على قانون بقاء الطاقة: «الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، ولكن تتحول من صورة لأخرى».

ولاحظنا هنا أنه بشكل شبه جماعي كان تفادي خطر الموت بسبب التعرض لتيار كهربائي هو أكثر ما تم تذكره، وضرورة تحاشي الاقتراب من مصادر الكهرباء في حال وجود مياه أو بأقدام حافية، ولكن لم يتذكر غالبيتهم السبب العلمي. وبسؤال الأستاذ محسن قال: «الناس دي افتكرت موضوع الفيشة وصوباعك في الكهرباء خطر مش عشان المناهج. لأ. ده عشان أمهاتنا من يوم ما بنبدأ نزحف على الأرض بتقول لنا (أوعى والكهربا). (متلعبش في الفيشة). فموضوع الكهرباء ده مش عشان المنهج كويس وتم تدريسه كويس. ده عشان أمهاتنا خوفتنا من الكهربا».

شخصياً لا يمكنني أن أنسى كيف فسر لي أبي سبب عدم موت الطيور مصعوقين عند وقوفهم على أسلاك الكهرباء، وذلك لأن بوقوفهم على فرد سلك واحد من الأسلاك لم يغلقوا الدائرة الكهربائية، ولكن إذا مست أجسادهم بشكل أو آخر سلكين في وقت واحد فسوف يسري التيار في أجسادهم ويموتوا. كان شرح والدي يعوض غياب جمود الأسلوب الذي يتبعه مدرس العلوم وعدم قبوله طرح أي أسئلة خارج المنهج.

ولكن على عكسي تذكرت لبنى طارق خريجة كلية إعلام قاعدة أخرى للطاقة الكهربائية وهي الطاقة الاستاتيكية والمعروفة بالطاقة الساكنة، وقالت: «أنا أكتر حاجة فاكراها هي فقرة المسطرة لما تحكيها في شعرك عشان الاستاتيكس وتسحبي بيها الورق دي كانت لعبة حلوة جدًا».

نحن لا نسكن في باطن الأرض

المحور الثالث هو الكون بما فيه من عناصر وأشياء مثل الأجرام السماوية والنجوم وكوكب الأرض وطبقات الغلاف الجوي وتآكل طبقة الأوزون، والصخور والمعادن، والصوت والضوء والمرايا والعدسات والمغناطيس، بالإضافة إلى المخلوقات غير البشرية، بداية من الخلية والتنوع والتكيف في الكائنات الحية، وأنواع الحيوانات والطيور المهاجرة والبيات الشتوي والحفريات والانقراض.

تتذكر علياء حامد خريجة كلية إعلام أكثر من درس من حصة العلوم. «أفتكر طبعًا عملية التمثيل الغذائي وطبقات الجو العليا والتجمد والتبخر ده فادني في التعامل مع النبات. وفاكرة كمان التغير المناخي والصوبة الزجاجية والاحتباس الحراري». فيما اكتفى وجدي الكومي خريج كلية آثار جامعة القاهرة بقوله إنه لا يتذكر من منهج العلوم بشكل عام سوى الأميبا لأنها وحيدة الخلية. وقالت شيرى مرقص خريجة كلية الآداب – قسم اجتماع: «أفتكر تشريح الضفدعة والبيات الشتوي والثديات وإزاي تتكاثر والفقاريات واللافقاريات والبلهارسيا وإزاي بتلزق في شرايين الدم جوه جسم الانسان والفرق بين الفيروس والجرثومة وأن سهل تقتلي الجرثومة لأنها كائن حي عادي لكن الفيروس لأ».

وبسؤال صديقة فضلت عدم ذكر اسمها عما تذكره من هذا المنهج، اختارت أن تحكي يوم اكتشفت حقيقة أن الأرض كرة نعيش على سطحها وليس بداخلها، وذلك لأن في باطن الكرة الأرضية تصل درجة الحرارة بالمركز إلى 6 آلاف درجة مئوية. كان ذلك وهي في طريقها لركوب طائرة وأتت المعلومة في سياق محادثة مع صديقة غير مصرية كانت معها في نفس الرحلة. كانت المعلومة ملهمة لأنها بمثابة اكتشاف لسر من أسرار الحياة، ولكنها تسببت أيضا في إحساسها بالإحراج لأنها معلومة أساسية. فأخذت تتسأل طوال رحلتها في الجو هذا اليوم: «هو احنا كنا أخدنا إيه في حصة العلوم؟»

الجهاز التناسلي عيب

أخيرًا، يحل جسد الإنسان كمحور رابع يهتم به منهج العلوم في المرحلة الإعدادية، ويتناول المنهج الجينات والوراثة والهرمونات والتكاثر والأجهزة التناسلية.

تقول آيات الحبال، خريجة كلية الإعلام، عما علق في ذهنها من منهج العلوم: «أنا مش فاكرة أي حاجة الحقيقة من مناهج الدراسة. أنا عملت للفترة دي مونتاج من دماغي. بس فاكرة أننا خدنا نبذة بسيطة عن مرض السكر والأنسولين وتعريف الهرمونات. دي يمكن كانت مفيدة جدًا بالنسبة لي».

في هذا المحور يدرس الطالب في الصف الرابع الابتدائي الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي في جسم الإنسان، وفي الصف الخامس يدرس الجهاز الدوري وجهاز الإخراج، وفي الصف السادس يدرس الجهاز العصبي والجهاز الحركي. وفي الصف الثاني الإعدادي، يدرس الطالب الجهاز التناسلي ولكن بفحص الكتب الدراسية جاء الدرس الذي يتناول الجهاز التناسلي بعنوان «التكاثر في الإنسان»، وليس على غرار تسمية الأجهزة بأسمائها، كما تضمن منهج الصف الثالث الإعدادي درسًا بعنوان «التكاثر اللاجنسي والجنسي»، يشرح الأخير فيهما بصفحة واحدة  بشكل عام لكل الكائنات الحية.

يبدو أن خجل وزارة التربية والتعليم من اسم الجهاز التناسلي انتقل بالتبعية لمدرسين العلوم، وبالتالي للطلبة أنفسهم، فلم يتذكر أحد هذا الدرس إلا بموقف خاص ومختلف. كما أن الوزارة أدرجت الوحدة الخاصة بدراسة الجهاز التناسلي من ضمن المحذوفات خلال العام الدراسي 2019/2018 تخفيفًا من الأعباء الدراسية على الطلبة على حد قول رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام، في بيان رسمي.

ويقول أحمد عزب خريج كلية صيدلة: «أنا كنت في مدرسة خاصة مشتركة اسمها (مصر المستقبل) في الهضبة الوسطى. درسنا الجهاز التناسلي على مرتين. المرة بتاعة الصبيان البنات نزلت الحوش. ومرة البنات نزل الصبيان الحوش». فيما درست كريستين خريجة كلية تجارة الجهاز التناسلي للأنثى فقط، وتقول: «إحنا كنا مدرسة بنات فقط. فالمدرسة قالت لنا اللي عايزة تقرأ الجهاز التناسلي للرجل تقرأه لوحدها. بس اللي فاكراه أن في الدرس الخصوصي درسناه وكنا مكسوفين أوي لأن كان معانا صبيان».

مغلق للصيانة

يخاطب الكتاب المدرسي لمادة العلوم الطلبة بطريقة حميمية، ويوجه لهم الحديث وكأنهم يملكون زمام أمرهم بل وزمام المعامل أيضًا، فيقول لهم على سبيل المثال: «ضع كمية مناسبة من العطر في كأس زجاجي وعين كتلته باستخدام ميزان رقمي». وهكذا في التجارب كافة يطلب الكتاب من الطلبة أن يجروا التجارب ليستوعبوا الدرس العلمي و يدونوا النتائج التي توصلوا لها.

تقول أميرة أحمد خريجة كلية آداب قسم إعلام «من يوم ما دخلت المدرسة الإعدادي والمعمل مقفول بسلسلة حديد وقفل ومكتوب عليه مغلق للصيانة. تلات سنين في المدرسة المعمل شكله مخيف من بره لأن كله إزاز بس مش بنشوف في إيه جواه».

عبدالله محمد، يعمل أمين معمل في مدرسة ثانوي تجريبي، ويقول إن المعمل في المدرسة منطقة محرمة لا يطأها الطالب بمفرده نظرا للمعدات الموجودة داخله والتي تعد عهدة. ويوضح أن السنوات الأخيرة لم تشهد دخول الكثير من الطلبة للمعمل لعدة أسباب، أهمها عدم رغبة المعلم إجراء التجارب حتى لا تتكلف المدرسة أعباء مادية أو لأن المدرس غير مهتم بالأساس بإجراء التجارب، أو لأن الطلبة عادة ما يهربون من حصة المعمل ويتركون المدرسة.ويضيف عبدالله أن عمله الأساسي كأمين معمل هو مراقبة بوابة المدرسة لضبط أكبر عدد من الطلبة الذين يحاولون الهرب من اليوم الدراسي. وبالطبع هناك العديد من المدارس التي لا يوجد بها معامل من الأساس.

ولا تكمن المشكلة فقط في غياب المعمل والتجريب والممارسة باليد التي تجعل من حصة العلوم تجربة معاشة وليس درسًا يحفظ فقط. ولكن محتوى المنهج في حد ذاته يعد إشكاليًا كما يقول الأستاذ محسن الذي يصف تطوير التعليم بأنه خدعة لم تتجاوز حذف بعض الدروس أو تغيير أماكنها، أو إدخال خواص معتمدة على الإنترنت في بلد لا تغطي غالبيته شبكات الصرف الصحي، ناهيك عن وجود إنترنت في المنازل.

المادة العلمية لا تشهد أي محاولة تطوير، حسب الأستاذ محسن، الذي يضيف: «المناهج العلمية اللي بيتم تدريسها للطلبة في مصر ملهاش أي فائدة سواء على المستوى الحياتي أو المستوى المهني». ويقول محسن إن تراكم المناهج الدراسية بشكل عام لم يكن ذو فائدة للدراسة الجامعية، كما لا تؤهل معرفتها للعمل بها فيما بعد. فلا قيمة لها. ويشير محسن إلى أن المادة العلمية التي تستحق الاهتمام بها هي ما تقدم في التعليم الصناعي بكل فروعه، ويقول: «عايز تطور العلوم اهتم بالتعليم الصناعي لأنه في النهاية جزء من عملهم. ولأن تطوير التعليم الفني لا بد أن يكون هدفًا حقيقيًا في مسار عملية التطوير».

والى أن يطور التعليم الصناعي، فإن الكتاب المدرسي في مادة العلوم قد تغير مقارنة بنظيره منذ عشر سنوات، خاصة مع وجود علامة الـ «كيو أر كود»  المستخدمة في الحصول على معلومات إضافية عن طريق الإنترنت، حيث يتم تحميل برنامج  «QR code reader» على الموبايل أو التابلت، ويستخدمها الطالب من خلال تقريبها من الكاميرا فيتم تحويل الطالب تلقائي لشرح الدرس بخاصية الفيديو.

ومع ذلك لا يحل هذا الشرح الإضافي بعضًا من المواد المكتوبة في كتب الدراسة. يقول محسن «في صفحة بكتاب الفيزياء بتاع ثانوية عامة لو أحمد زويل الله يرحمه قرأها بنفسه مش هيفهم منها حاجة. مطلوب مننا إحنا نشرحها للطلبة. وبالتالي بنقول لهم احفظوها كدة وخلاص». هذا هو غالبًا ما يجعل أحمد فتحي، خريج كلية هندسة، ومن قبلها الثانوية العامة بمجموع 99% يقول: «كل سنة كنت بحفظ من غير ما أفهم كل حاجة وأدخل الامتحان أكتب كل اللي حفظته. ومجرد ما أخرج من اللجنة فعلا بنسى كل حاجة ودماغي تفضى. الخلاصة أنا كان عندي مبدأ احفظ – امتحن – أنسى».

اعلان
 
 
كارولين كامل