«في العيد الأول لزواجنا».. رسالة إلى المعتقل رامي شعث
 
 

في الخامس من يوليو الماضي، ألقت قوات اﻷمن القبض على الناشط المصري الفلسطيني رامي شعث من منزله في القاهرة. شعث، 48 سنة، مؤسس شريك في حملة مقاطعة إسرائيل في مصر، وابن نبيل شعث، مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

حُبس شعث في سجن طرة على ذمة قضية معروفة بـ«تحالف اﻷمل». وبحسب الرواية الرسمية، فإن النشطاء المدنيين المتهمين شاركوا في مؤامرة بالتعاون مع جماعة محظورة للإضرار بالبلاد، وهي الاتهامات التي أنكرتها عائلة شعث بشدة. وتشمل القضية عددًا من السياسيين البارزين وصحفيين وناشط للحقوق العمالية.

منظمة العفو الدولية اعتبرت شعث معتقل رأي وطالبت باﻹفراج الفوري وغير المشروط عنه، وهي مطالبات انضمت إليها منظمات أخرى مثل مركز القاهرة لدراسات حقوق اﻹنسان والفيدرالية الدولية لحقوق اﻹنسان.

يوم اعتقال شعث، رحلّت السلطات زوجته سلين ليبرون شعث إلى فرنسا. وبسبب عدم قدرتها على التواصل المباشر معه، كتبت إليه هذه الرسالة في الذكرى اﻷولى لزواجهما.

نص الرسالة*

حبيبي رامي،

كان المفروض أن نكون معًا اليوم لنحتفل بعيد زواجنا الأول. لكن مر شهران تقريبًا على اختطافك مني بواسطة رجال أمن مسلحين وملثمين يرتدون الأسود في منتصف الليل. شهران وأنت تنام في زنزانة ضيقة وخانقة.

سلكنا كل الطرق كي نتمكن من التحدث أو التراسل لكنهم رفضوا. لذا، أتمنى أن تصلك هذه الرسالة.

أعلم أنك حزين لعدم وجودك هنا معي. كنت ستفعل كل ما هو ممكن كي يكون عيد زواجنا لا يُنسى كما كان عرسنا، وكما تجيد فعله مع كل شيء. أريد أن أحتضنك وأن أخبرك ألا تلوم نفسك.

قبضوا عليك لأنك كنت شجاعًا في كونك -بكل فخر- مصريًا وفلسطينيًا. كنت جريئًا في مقاومة القبضة الحديدية التي أحاطت بمصر، التي سرقت طموحات الشباب الثوري المحبط. كنت شجاعًا في معارضة المشاركة المصرية في المؤتمر الإسرائيلي الأمريكي في المنامة. كنت شجاعًا في مقاومة تسوية حق تحديد المصير لشعبك. وقعت في حب مقاومتك، وفي مزيج ضعفك وثباتك. وقعت في حب استقامتك المزعجة في بعض الأحيان بمنطقها الذي لا يقبل النقاش وصراحتها التي لا تساوم. أعرف الحياة التي اخترتها للدفاع عن حقوق شعبك، المصري أو الفلسطيني، للعيش في حرية وعدالة وكرامة، والتضحيات التي قد تترتب عنها. اخترت مشاركتك هذه الحياة والزواج منك، ولست نادمة على شيء.

بالتأكيد، منذ افترقنا، لم يكن اﻷمر سهلًا. توديعك أمام باب البناية دون أن أعرف متى سأتمكن من رؤيتك مجددًا كان أصعب ما اضطررت القيام به. «يلا.. يلا»، كانوا يستعجلوننا. قبل أن تختفي في الليل في تلك الشاحنة، ألتقط بعيني آخر صورة لك، لوجهك، لعينيك. كان دوري للصعود إلى الشاحنة. أثناء اقتيادي للمطار، أنظر للقاهرة لآخر مرة، هذه المدينة التي شهدت حبنا يكبر ويزدهر. هذه المدينة التي أحبها كثيرًا رغم كل عيوبها، ولا أعلم كذلك متى سأراها مجددًا.

مرت أكثر من ستة أسابيع طويلة من الصمت والانتظار منذ وصولي إلى باريس على أمل التوصل إلى حل دبلوماسي سريع لهذا الموقف. بينما أتجول في شوارع المدينة، لم أكن أعتقد أنه من الممكن أن يشعر الإنسان بالمنفى في بلده. فقدت الإحساس بالوقت، إيقاع حياتي مرتبط بأيام التحقيق والزيارة، الفرص الوحيدة كي أعرف أخبارك عبر عائلتك أو محاميك ولتطمئن أنني بخير. دائمًا ما تميل للعقلانية وحماية اﻵخرين، حتى من زنزانتك. تأتي كل رسالة ترسلها مرفقة بقائمة من الأشياء التي يجب القيام بها للتأكد من أن أسرتك لا ينقصها شيء. هكذا أعرف أنك ما زلت قويًا.

بالرغم من ذلك، تلقيت ظرفًا صغيرًا من يومين، بداخله سوار، ورسالة من بنتك تخبرني أن هذا السوار أُهدي لك من شاب محبوس معك، وأنك ارتديته قبل أن تعطيه لها كي تهديني إياه. صنعت كذلك وردًا من الورق لكنهم لم يسمحوا لك أن تعطيها لها. أبتسم. رومانسي أيضًا. بينما أقرأ الرسالة، في يدي السوار، بدأت الدموع تتدفق حتى عجزت عن الرؤية. كانت هذه أول مرة أبكي فيها. منذ تلك الليلة التي افترقنا فيها، أفعل كل شيء كي أكون قوية وعلى قدر النضال من أجلك وقدر نضالك من أجل العدالة، لكن في هذه الغرفة لوحدي، على بعد آلاف الكيلومترات، نزع السوار والرسالة عني كل سلاح.

أفكر في هيئتك، وفي صوتك وكلماتك الرصينة المطمئنة في وسط العاصفة التي قلب بها عملاء اﻷمن الوطني عالمنا رأسا على عقب.

«كل شيء سيكون على ما يرام. سنجتمع مرة أخرى قريبًا».

ليس في استطاعتي أن أهديك أي شيء في عيد زواجنا، لكنني أعدك بالنضال حتى تسترد ما سُرق منك ظلمًا: حريتك.

عيد زواج سعيد يا حبيبي.

سلين

* كُتب أصل الرسالة بالفرنسية.

اعلان