حراس بوابة السلطة.. الخوف يحكم غرف الأخبار

اختلطت بداخلي مشاعر السخرية والإحباط واليأس، وأنا أقرأ مقالًا، مطلع الشهر الماضي، عن ضرورة العودة إلى الصحافة المتأنية «Slow-Journalism»، التي رأى كاتب المقال أنها تسعى إلى الحفاظ على قيم المهنة الأصيلة، المتمثلة في العمق والرصانة والنضج والفهم الشامل للأحداث، بعد أن أجبرت مواقع التواصل الاجتماعي الصحفيين على تقديم وجبات سطحية من تحليلات تمد المشاهد بجرعات معرفية وهمية على حساب المعرفة الشاملة الدقيقة.

مدعى السخرية أنه بينما عدد كاتب المقال الفوارق بين الصحافة المتأنية التي تقدم موادًا تُنجز على نار هادئة لتشبع المتلقي، والصحافة الآنية التي تقدم وجبة سريعة تفرضها ضرورة إلمام القارئ بما يجري حوله؛ أصيب الإعلام المصري بما يمكن أن نطلق عليه «سكتة صحفية»، ظهرت أعراضها أثناء تغطية المنصات الإعلامية لحادث تفجير معهد الأورام.

فالتفجير الذي هز سماء القاهرة في تمام الحادية عشرة ونصف من مساء الأحد 5 أغسطس، كشف الحالة المرضية المتأخرة التي وصلت إليها غرف أخبار المؤسسات الإعلامية في مصر.

الصحفيون فعلوا ما توجبه عليهم قواعد المهنة، توجهوا إلى موقع الحادث بعد دقائق من سماع دوي الانفجار وبدأوا عملهم المعتاد، جمعوا المعلومات المتاحة واستعرضوا روايات شهود العيان وسألوا رجال الحماية المدنية، ووصلوا إلى نتيجة واحدة؛ ما جرى انفجار، وليس حادث اصطدام ثلاث سيارات كما أشار بيان وزارة الداخلية الذي صدر بعد نحو ساعتين من الحادث.

أنجز الصحفيون ما تفرضه شروط تغطية الأخبار الآنية التي تستلزم متابعة سريعة من الصحفيين، حسبما أشار محمد خمايسة في مقال «كيف تحارب الصحافة المتأنية الوجبات السريعة؟»، وتمكنوا من إعداد وجبة معرفية سريعة تشبع جمهور ينتظر معرفة معلومات تفصيلية عما جرى، لكن يبقى السؤال هل نشرت أي منصة إعلامية تلك الوجبة الإخبارية الجاهزة؟

الإجابة بالطبع، لا، أكلت القطة لسان الإعلام المصري، الذي من المفترض أن يركب الحدث بلغة أهل المهنة، فسقوط 22 قتيلًا وإصابة أكثر من 50 في قلب القاهرة كفيل بأن تقرر غرف الأخبار تعديل أجندتها التحريرية، وتتوقف عن بث أي محتوى آخر باستثناء تفاصيل تلك الفاجعة.

ظلت ماكينة الإعلام معطلة عن تغطية الحادث لأكثر من 14 ساعة، لم تبث خلالها المنصات الصحفية إلا البيانات الرسمية التي صدرت من جامعة القاهرة، التي يتبعها معهد الأورام، ووزارتي الداخلية والصحة، ما دفع المتلقي إلى اللجوء إلى قنوات إخبارية دولية وعربية لمعرفة ما يدور داخل حدود بلاده، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتداول معلومات وصور التقطها مواطنون وصحفيون مصحوبة بعبارات تشكك فيما يبثه الإعلام المصري، وتصب عليه جام غضبها.

عصر اليوم التالي نشر الرئيس عبدالفتاح السيسي تدوينة على حسابه بموقع تويتر قدم فيها «خالص التعازي للشعب المصري ولأسر الشهداء الذين سقطوا نتيجة الحادث الإرهابي الجبان»، وبعد دقيقتين من تدوينة الرئيس أقرت وزارة الداخلية في بيان رسمي أن «الحادث إرهابي»، وتم تنفيذه بواسطة سيارة مسروقة قبل بضعة أشهر، متهمة «حركة حسم»، المحسوبة على جماعة «الإخوان المسلمين»، بالوقوف وراءه، فغيرت المنصات الإعلامية بوصلتها وتحول حادث التصادم إلى «حادث تفجير إرهابي جبان»، وسارع الجميع إلى نشر بيانات «الداخلية» التي صدرت بعد ذلك دون أي تحليل لمحتواها أو مقارنتها ببيان الحادث الأول أو ببيانات مماثلة صدرت في أعقاب حوادث مشابهة.

ما سبق كان سبب السخرية مما جاء في مقال «الصحافة المتأنية» السابق الإشارة إليه، أما الإحباط واليأس فمرجعه أن العطل الذي أصاب الآلة الإعلامية لم ينتج فقط عن تنفيذ مسؤولي النشر في غرف الأخبار تعليمات الرقيب عن كيفية تغطية الحادث، بل إن بعضهم لم يتلق أي تعليمات، ومع ذلك قرروا «دفن» الأخبار والتقارير التي أعدها محرروهم، خوفًا من انتقام أصحاب الوصاية على الإعلام المصري في تلك اللحظة، الفريق الأخير سجن نفسه في حدود رسمتها السلطة، ومارس أسوأ أنواع «الرقابة الذاتية» طمعًا في ذهب المعز أو خوفًا من سيفه.

بعد نحو ثلاث سنوات من الإخضاع والحصار هيمن الخوف على المؤسسات الصحفية، وتحول الصحفيون إلى رقباء على أنفسهم، والتزموا بالسقف الذي حدده الرقيب سلفًا، فلم يعد من الضروري انتظار تعليمات «جروب الواتس آب» لتغطية حدث ما، فالخطوط المرسومة لا يستطيع أحد أن يغامر بالاقتراب منها، ناهيك عن التفكير في تخطيها، والخوف من مصير كل من عاند أو تجاهل تلك الخطوط بات يتحكم في أولويات أجندة التحرير.

في اجتماعات الأخبار الصباحية يجتهد شباب الصحفيين في تقديم أفكار لموضوعات صحفية جادة وجذابة للقارئ، كتلك التي يطالعونها على مواقع وسائل الإعلام الدولية، إلا أن تلك الأفكار تصطدم بالخط الذي رسمه سلفًا «رئيس تحرير مصر»، وهو اللقب الذي أُطلق على مسؤول غرفة التحكم في الإعلام عبر رسائل «جروب واتس يجمع رؤساء تحرير صحف وفضائيات».

لم يعد رئيس التحرير أو من ينوب عنه في حاجة إلى أن يُذَكر المحررين بالخطوط الحمراء في السياسة أو حتى في الرياضة والفن، معظم الصحفيين باتوا على علم بها، ومن يخونه تقديره يذكره زملائه بأن «الموضوع ده مش هيتنشر ولو اتنشر هيعمل مشكلة»، فآثرت الغالبية السلامة والابتعاد عن المحظورات، وهو ما حول الصحافة المصرية إلى منشور واحد يبث بصياغات مختلفة على منصات متعددة.

دفع الخوف الصحفيين إلى فرض رقابة ذاتية على أنفسهم، ما حد من قدرتهم على التفكير وإيصال معلومة أو تحليل ما إلى المتلقي، وتحول مسؤولو غرف الأخبار إلى حراس للبوابة «gatekeeper» يمنعون تدفق الأخبار إلى الناس لحماية نظام، إما لاقترابهم منه لدرجة التماهي، أو بدعوى الحفاظ على مؤسساتهم من الحجب والإغلاق أو الخوف من تشريد زملائهم أو سجنهم، فلجَّم هؤلاء «الحراس» الصحافة وكتموا صوتها.

لم يعد هَم أبناء هذه المهنة هو الاجتهاد للوصول إلى انفراد أو سبق أو تغطية متميزة يقدمونها إلى المتلقي، بل أصبح جهادهم الأكبر هو كيف يتفادون مصائب السابقين؟، فشبح التشريد والسجن، فضلًا عن حملات الاغتيال المعنوي المنظمة، دفعت العديد من أصحاب الرأي إلى التوقف عن كتابة مقالاتهم، بل وحتى عن التعليق على قضايا مثارة في مواقع التواصل الاجتماعي، فقبل أن يشرع أحدهم في نشر «بوست» على حسابه الشخصي يفكر مائة مرة، وقد يتراجع عن قرار النشر خوفًا من العواقب.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، تراجعت الرقابة نسبيًا، ولم يعد الرقيب يمارس مهمته اليومية في إرسال تعليمات للسادة مسؤولي التحرير في غرف الأخبار، مع ذلك لم يفكر أحد منهم في إنتاج ونشر محتوى صحفي يقنع المتلقي الذي هجر المنصات المصرية بالعودة، واستمرأ هؤلاء الحالة التي فرضت عليهم منذ سنوات، واعتادوا الانحناء تحت السقف الذي فرضه عليهم السيد الرقيب.

بعد سنوات من حصار «صاحبة الجلالة» وإرهاب أبنائها، بات الأمر أشبه بإغلاق زنزانة على مجموعة من الأفراد لفترة طويلة، وعندما وارب السجان بوابة السجن ووقف يرقب عن بعد ماذا سيفعل هؤلاء؟، فوجئ بأنهم أكملوا حياتهم بالداخل، لم يفكر أحدهم في الاقتراب من بوابة الزنزانة لمعرفة ما يدور خارجها.. فابتسم السجان ورحل راضيًا عن عمله.

في عام 1997 نشر مدير تحرير «لوموند ديبلوماتيك» سيرج حليمي كتابه «كلاب الحراسة الجدد» أشار فيه إلى أن الإعلاميين والصحفيين والمحللين والخبراء، الذين يدّعون المصداقية والموضوعية والاستقلالية والحياد، تحولوا إلى حراس للأنظمة الاجتماعية والسياسية القائمة، يبررون خطاياها، ويهيؤون الرأي العام لتقبل الأزمات والقرارات اللاديمقراطية، وخلص حليمي إلى أن «من يدّعون امتلاك مفاتيح حرية التعبير مدجّنون».

ضربت صحافة مصر في مقتل، ولا ينتظر عودتها في ظل إشاعة الخوف الذي هيمن على المشهد خلال السنوات الثلاث الماضية، فعندما تفرض مشاعر الخوف من الانتقام نفسها على غرف الأخبار لا تنتظر محتوى صحفي ينجز على عجل أو على نار هادئة، لقد تحولنا جميعا إلى حراس للبوابة التي واربها  السجان، نمارس الرقابة على أنفسنا وعلى من يعمل معنا.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ