«إلى ظهيرة السادس من برج الدلو.. من عامه الخامس والعشرين»*
حوار مع حسام هلالي عنه وعن مجموعته القصصية الأخيرة «أيام الخرطوم الأخيرة»
 
 
 
حسام هلالي
 

[ كانت الأيام الأخيرة  في الخرطوم التي سبقت سقوطها عصية على أهلها، فانعدم الغذاء حتى أكل الناس الكلاب والحمير، وتفشت الأوبئة، وتناثرت جثث الموتى في الطرقات. حتى أعلن غوردون باشا عن منح عشرين قرشاً لكل من يقوم بدفن جثة، وكانت المدافع تقصف المدينة تباعاً فتبعث الرعب واليأس، وازداد تسلل الناس وانضمامهم لمعسكر المهدي، ثم بعث المهدي إنذاراً أخيراً إلى غوردون في الخامس والعشرين من يناير قال فيه : «فإن النصائح تتابعت إليك ولم تلق لها بالاً، والدلائل ترادفت عليك ولم تزدك إلا ضلالاً، لأن الحق يغشى قلوب المؤمنين ولا يزيد الطاغين إلا خسارا» ].

من كتاب «تاريخ السودان الحديث»  لـ محمد سعيد القدال.

في الخامس عشر من أبريل الماضي، نظمت مكتبة «الكتب خان» حفل توقيع وإطلاق للمجموعة القصصية «أيام الخرطوم الأخيرة»، وهي مجموعة تحتوي على تسعة عشر نصًا، ما بين نصوص قصيرة وأخرى طويلة. المجموعة للكاتب والمسرحي السوادني حسام هلالي، والذي كتب القصة القصيرة والشعر، وشارك في عدة أعمال مسرحية ككاتب ودراماتورجي ومساعد مخرج وممثل، كما يحترف العمل الصحفي منذ عام 2013. صدر له: «الذي بعد الإقلاع والتي قبل الرجوع» قصص 2008 . 

في مايو الماضي أجريت حديثًا مطولًا مع حسام عن مجموعته القصصية، وعن تجربته في الكتابة، وبالضرورة تجربته الفنية المتنوعة سواء ككاتب أو كمسرحي أو كشاعر، وفوق كل ذلك، كشاب سوداني الجنسية، ولد في السعودية ومن ثم انتقل مع عائلته إلى مصر ليعيش فيها قرابة الإثني عشر عامًا، ثم ينتقل إلى الخرطوم ومن ثم الإمارات العربية المتحدة، وما يتقاطع مع كل ذلك من مواقف وانحيازات وأحلام بلا سقف، وثورة تحاول بصبر وصمود أن تتفادى الهزيمة، عن جيل من الفنانين العرب، وعن ثورة مصر المهزومة وثورة السودان الصبورة الصامدة.

حكيم: أظن بيكون فيه معنى ما لفكرة تنقّل الفنان بين وسائط فنية مختلفة على فترات، تنقلك بين الشعر والقصة ومحاولاتك لكتابة رواية وشغلك في المسرح وكل ده تفتكر إيه المعنى وراه؟ بصيغة تانية: إنت ليه بتكتب؟

حسام: هحكي لك حدوتة. أنا عندي نص كده أقرب ما يكون لتأريخ شخصي أو مذكرات كاتبها كـ نصوص شعرية، النص اسمه «تاريخ موجز لرجل شبه أعمى» أحد المقاطع، بعتبره مهم جدًا بالنسبة لي، لإنه بيشرح شوية ليه بدأت أكتب؟
«في العاشرة، لم يختره مدرس اللغة العربية ضمن الكورال، مساء اليوم ذاته كتب نشيده الأول، عرضه في الصباح التالي على أستاذ ناصر، الذي أوقف تلميذًا آخر ليقرأه أمام الفصل، وهكذا فعل في الحفل دون أن يشار إلى الشاعر». فالفكرة بالنسبة لي، إن أول دافع أني أكتب كان حُب الظهور، أو إن أبقى شخص ذو حيثية ما في الوسط اللي عايش فيه، باعتبار إن ما عنديش مواهب أخرى. ما كنتش رياضي شاطر أو بلعب كورة، مش شخص وسيم، وما كنتش بحضر حتى في النشاطات المدرسية زي التربية الدينية، وصوتي ما كنش حلو في القرآن، ولا كنت بعرف أغني، فالشيء الوحيد اللي ممكن أبقى نابغة فيه هو الكتابة. محاولة للبحث عن تحقق ما. 

حسام أثناء فحص نظره في عيادة طبيب العيون والشاعر السوري عبدالوهاب عزاوي بدمشق عام 2007 - المصدر: hussamhilali.com

فيه دوافع  اتغيرت لاحقًا مع النضج، بس الفكرة الأساسية إن ما كنتش شخص expressive (مُعبّر) خالص، يندر إني أعبر عن مشاعري الحقيقية للناس، وده نابع من خجل، بخلاف إني أصلًا مش عايش في حتة فيها حرية تعبير، فقُلت الوسيط الوحيد اللي ممكن أعبر به هو الكتابة وخصوصًا الشعر، لأنه بالنهاية عبارة عن مشاعر، و برضه في النهاية البشر عبارة عن وعاء، أنت لما تبقي شخص مهربك الوحيد من العالم أو من البيئة المقيدة والمحافظة اجتماعيًا هو أنك تقرأ كتير، فهتقعد تقرأ لغاية ما تتملي، فبيكون فيه فائض، فـ الفائض ده بيتحول بعد كده لنصوص، أيًا كان شكلها. 

لكن رغم كتابتي للشعر ونشري له بصفة مستمرة، كنت كل ما بتقدم في السن وأحس بالنضج، بحاول أقلل من نشر الشعر مش من كتابته. كان عندي أزمة مع نموذج الشعراء، سيبك من شعراء وسط بلَد القاهرة، خلينا في الحالة السودانية أكتر.عندي أزمة مع نموذج الشاعر النبي، الشاعر اللي عنده رسالة، وفي الوقت نفسه عارف إنه قاعد على هامش الوسط الثقافي.

حكيم: عنده رسالة و مضطهد.. 

حسام: لأنه مش مفهوم كفاية، ولأنه نخبوي، ولأنه عنده قراءة عميقة للكون..

حكيم: لأنه الناجي الوحيد وسط مجموعة من الأغبياء فهو بيعاني طول الوقت؟

حسام: بالظبط، والأداء ده بيحصل في وسط المثقفين والأدباء مش في وسط الشعب. هو مش مثقف عضوي، هو نخبوي جوه النخبة.

حكيم: تفتكر الأداءات دي حصرية فيما بين الروائيين والشعراء وكتاب القصة فقط؟ 

حسام: وبين الكتاب والمسرحيين مثًلا، الكُتاب دايمًا بيتعاملوا مع المسرحيين إنهم مجموعة من الجهلاء وإنهم لن يكونوا شيء بدون الكتاب. 

حكيم: خلينا نكمل في السياق ده قبل الدخول في المجموعة القصصية نفسها، الكلام اللي فات ده شوية يخلينا نفكّر في سوق النشر، وإزاي ممكن يكون بيلعب دور في ترسيخ تراتبية معينة، لكن في ظل السياق اللي بنعيش فيه والمشهد الثقافي في اللحظة الحالية، شايف سوق النشر إزاي انطلاقًا من تجربتك؟

حسام: في نقطة مهمة جدًا لها علاقة بإنت بتنشر لمين؟ وإجابة السؤال ده مرتبطة بفكرة إنك تلم حاجتك وتطبعها وتاخد القرار. مثلًا الشعر كنوع كتابة وكنشر، وبالتأكيد من قبلهم الشعراء مُحتقرين جدًا في عملية النشر الموجودة حاليًا، يعني ما أكثر دور النشر اللي أنت بتروحها تسألهم عن الشعر، يرد يقولك: والله إحنا مش بننشر شعر.. ليه؟ باختصار شديد جدًا لأنه مش بيبيع.

حكيم: أكيد، لكن في الرواية الأمر مختلف.

حسام: الروائيين دول الأباطرة. لكن برضه فيه نقطة لها علاقة بالتعامل مع كُتاب القصة. يعني على سبيل المثال الكاتب الصديق حمور زيادة، هو في رأيي الشخصي قاص عظيم جدًا وقصته اللي بيكتبها سواء كانت قصيرة أو تلامس الـ novella (الرواية القصيرة) مُحكمة وجيدة السرد لأبعد الحدود، في حين إني مش بأعجب برواياته خالص، باستثناء آخر رواياته «الغرق». 

المهم، أفتكر لما دار ميريت نشرت له مجموعة قصصية هي «النوم عند قدمي الجبل» اللي قصتها صاحبة العنوان اتحولت دلوقتي لفيلم فشيخ من إخراج أمجد أبو العلاء، وهيكون عرضه الأول في الدورة 76 من مهرجان فينيسيا، لكن بعد أسبوع من نشرها، دار العين نشرت له رواية «شوق الدرويش». وأنا قريت الاتنين وكنت محتفي أكتر بـ«النوم عند قدمي الجبل»، لإن فيها تنوع رهيب، وفيها الحالة الواقعية السحرية المحلية السودانية اللي بيمتاز بها، مع ذلك المجموعة ما خدتش أي تقدير في مقابل «شوق الدراويش» اللي كانت نص ضخم و تجاري جدًا ورُشحت للبوكر، بل وكانت short-listed (قائمة قصيرة) ولما خدت جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في 2013 بعد الحالة الخاصة بـ 30 يونيو، جت الحيثيات بتاعة تسلمه للجائزة بأن الرواية تتحدث عن الهوس الديني والجماعات الإسلامية.. يعني الخطاب بتاع حيثيات الجائزة حوِّل الثورة المهدية كثورة ضد الاستعمار التركي المصري لمجرد دراويش إسلاميين متطرفين، طبعًا في إشكال في الدولة المهدية بعد ما مات المهدي وحكم السودان الخليفة عبدالله التعايشي، بس ما ينفعش أصلًا الدولة المهدية كـ تاريخ و كـ حالة، تحاكمها بهذا الخطاب الضيق الأفق والساذج، بس سيبك من ده كله في النهاية التحقق اللي حصل لـ حمور زيادة حصل له في الجانب اللي بشوفه فنيًا وأدبيًا أضعف؛ أي الرواية مش القصة.

حكيم: طيب لو قُلنا مثلا السوق بيرسخ تراتبية معيّنة لأنواع فنية عن أخرى، وكمان إنت شخص متعدد التجارب الفنية، لكن إنت بتعرف نفسك إزاي؟

للأسف الشديد كان عندي مشكلة في تعريف نفسي طول الوقت، أنا لفترة طويلة جدًا ما كنتش عارف أعرّف نفسي ككاتب، أو قاص، أو شاعر، أو مسرحي، هل أنا صحفي، لإن أنا كنت freelancer لفترة طويلة جدًا، و كان في حاجات مُلزم أشتغل فيها لأن ده الموجود، ده اللي بعرف أعمله من غير ما آجي على نفسي.

حكيم: ولو اتكلمنا عن كتابك؛ في «أيام الخرطوم الأخيرة» اللي هي مجموعة قصصية فيها تنوع في المكان، وتنوع عميق في الكتابة والسرد وطريقة الحكي وموقع الراوي وموقع المتورط، فالتنوع والاختلاف ده، وبعد 10 أو 11 سنة كاملة من عدم النشر، بعد مجموعتك الأولى عايز تعرّف نفسك إزاي؟

حسام: حاليًا بقيت في وضع مختلف تمامًا، بقيت شغال ككاتب سيناريو ومعد برامج في شركة إنتاج إعلامي في دبي، ومكتوب في خانة المهنة في جواز سفري إني كاتب، وباكل عيش من كوني كاتب، وبكتب حاجات بتطلع في التليفزيون في مواسم، فـ فيه ده، وعلي جانب آخر برضه، فيه النقطة دي تحديدًا: أنا بكتب حاجات للسوق، وبكتب حاجات اللي عايزها العميل. 

حكيم: لكن عند البعض فكرة الإبداع لا تتحقق إلا في ظروف قاهرة سواء مادية أو نفسية، فكرة الإبداع يولد من رحم المأساة؟ إنت شايف إيه؟

حسام: إحنا من جيل طلع لقى الجيل اللي أكبر منه؛ جيل التسعينات عنده ميول إنك لازم تبقى متكحرت وبتنام في الشارع عشان تعمل فن يعني، بس أنا شايف إنه بالنهاية هقدر أكتب أحسن وأفكر أحسن وأنا حالتي المادية كويسة.

حكيم: طيب لو رُحنا لتجربة النشر الأولى اللي هي «الذي بعد الإقلاع والتي قبل الرجوع»، وقتها كان عندك 22 سنة وده أول عمل تطبعه وتنشره، كانت طبيعتها إيه التجربة دي؟

حسام: «الذي بعد الإقلاع والتي قبل الرجوع» كانت تجربة مريرة، وقتها اشتغلت فيها مع أحمد فولة، وهو مصمم الجرافيك للمجموعة، ونشرتها في دار «سنابل» للكتاب، وملاكها همّ كمان ملاك شركة «الأمل» للطباعة اللي بتطبع حاجات لمكتبة الأسرة والهيئة العامة للكتاب، فالدار نشاطها الأساسي مش النشر، هي مطبعة، وعندها أشياء أخرى بتعملها كمصدر دخل. 

بالتالي تحقيق دار النشر لمكانة في الوسط الأدبي ما كنش قضيتهم أبدًا خصوصًا إن أنا دفعت فلوس الطباعة، فلما اطبّع الكتاب ما كنش مهم بالنسبة لهم، أنه يوزع، وده اللي حصل. الكتاب اتطبع وموجود عندهم في مكتبتهم في صبري أبو علم، واللي عايز الكتاب بيجي يشتريه، وأنا شخصيًا بشتري الكتاب، وبوزعه على صحابي، وببعته السعودية والسودان، من غير أي مجهود منهم، لدرجة إن حتى مكتبات وسط البلد القريبة مفيش فيها نسخ، إحنا بنتكلم عن 2008 يعني من 11 سنة.في النهاية كان اللي رايح يشتري الكتاب بيبقى قاصد انه رايح مكتبة سنابل عشان يجيب كتاب حسام، بعد ما كلم حسام، وقال له هتلاقيه هناك.

فمن ساعتها بقيت أقول «لو أنا مش روائي، ومش بكتب حاجة exotic [تُترجم أحيانًا بالغرائبية أو بمعنى ما الغريب المختلف من وجهة نظر الأجنبي] ممكن تتسوق بسهولة، وطالما أنا شاعر وقاص وحاصر نفسي في الحتة دي يبقي لازم أنشر مع ناشر لو معندوش توزيع على الأقل ما أتكدرش في تكلفته»، لحد ما في الآخر لقيت نموذج زي «الكتب خان»؛ عندهم 3 مكتبات، وبياخدوا من الكاتب المهمة كاملة، يعني هيتعب، وهيحرّر، ويكتب بوستات في السوشيال ميديا، ويروح معارض، يعني هيبقي مهتم إن الكتاب ينجح. وفيه نقطة كمان مهمة جدًا متعلقة بـ«كتب خان»، إن لحد دلوقتي ما بتاخدش فلوس من الكُتاب، بتطبع على حسابها.

حكيم: في سياق مختلف، شايف إزاي المبدع يقدر يخلق عمل فني قادر يكون متحرك بشكل سلس ومش سهل لكنه مش عنيف خصوصًا في ظل سياق الوضع فيه بيتغير كل ثانية، يعني مثلًا عند قراءة نص «في اتجاه المرج» النص الأخير في المجموعة، ما بيكونش فيه إحساس بأن النص ده ينتمي للحظة تاريخية مختلفة، مختلفة تمامًا، رغم كُتابته في 2014 ونشره بعدها بخمس سنين. هل إنت بتشوف إن أحيانًا فيه أعمال فنية لابد أنها تُقدّم للجمهور بعد مرور وقت على صناعتها؟ 

حسام: هو مبدئيًا فيه سبب وحيد مخليني أتعامل مع المجموعة دي بالذات بدون الحساسية اللي تعاملت بها مع مرحلة البدايات، اللي هي المجموعة الأولى أو الديوان الذي لم ينشر، إن أنا كقاص ما اشتغلتش أو أنتجت أي تجربة تجاوزت هذا الكتاب بعد.

حكيم: بشكل تقني تقصد؟

حسام: لأ وعلى مستوى الكتابة أصلًا.

يعني أنا أصلًا حصل لي ممكن تقول  Intentional writer’s block (عدم القدرة على الكتابة بشكل متعمد) يتعلق  بالقصة القصيرة، خدت قرار مع نفسي إني هتوقف عن كتابة أي نص قصصي لحد ما الكتاب ده يتنشر، فأنا معنديش أي نص قصصي كتبته بعد كده غير الحاجات اللي مش راضي عنها، بس ما عنديش حاجة أُنجزت في القصة بعد المجموعة دي.

حكيم: بس تاني يا حسام، هل فيه أعمال فنية بتتصنع في لحظة لكنها من الأحسن تاخد وقت لحد ما تتعرض؟ هل في حاجة في العملية الفنية اسمها تخلص صناعة العمل وتسيبه في التلاجة؟

حسام: ده ساعات بيبقي خيار شخصي من الفنان أو الكاتب، وساعات بتبقى الظروف هي اللي ضغطته، يعني إحنا لو بنتكلم عن عمل فني سواء فيلم أو عرض أو فيديو.. إلخ، في النهاية فيه سوق وإنتاج وميزانية بتقيّد المسألة على بعضها، فده هو اللي بيعطلك، ويخليك تحط الموضوع في الثلاجة.

يعني مثلاً المجموعة الأولى نشرتها في 2008 وعندي 22 سنة، وكنت يادوب بدأت أكتب، ودي كانت باكورة أعمالي. أنا بدأت أكتب قصة بالشكل ده في 2003، وتراكمت عندي بعض النصوص لغاية 2007،  قلت طيب أنا ممكن أعمل كتاب، رغم إدراكي إني لسه عيل، وإن تجربتي مش ناضجة، وإني بكتب نص بتكلم فيه عن الوطن، عن السودان اللي ما شوفتهاش للحظة دي. بس كان عندي إصرار وقرار إن أنشر وأنا عندي 22 سنة، أن عندي أزمة تانية مع فكرة الكاتب السوداني المُكثر في الكتابة المُقل في النشر، بالتالي عايز طول ما عندي نص أدبي أو مجموعة أنشرها، وأتشتم بعدين أو أتحاكم عليها مش مشكلة، بس اللي عندي أطلعه حتى لو على الإنترنت، لأنك في الآخر ككاتب أو فنان مش هتنضج، ما لم تتعرَّض للنقد والقراءة، لازم تعرف مين المُتلقي. في حالتي اتعطلت بسبب دار النشر، عشان كان عندهم أولويات، وعندهم كتب عايزين ينشروها بترتيب معين، فده خلّي مجموعتي تتأخر في النشر. طبعًا لو كان رواية كان اتنشر في سنتها.

حكيم: في «أيام الخرطوم الأخيرة»، فيه شيء يتعلّق مش بس بهويتك لكن كمان بعلاقتك بالجغرافيا، خصوصًا لما بعرف إن اسم المجموعة البديل كان «اتجاه المرج»، اللي هو عنوان أحد قصصها. فيه خصوصية شديدة جدًا، في علاقتك بالأماكن منطلقة من صدق وارتباط بل انتماء للأماكن اللي بتتكلم عنها، واللي هي مش في بلد واحد ولا ثقافة واحدة ولا ذات طبيعة طبقية واجتماعية واحدة إنما فيها تنوع كبير، ورغم ذلك اللي بيقرأ بيحس بانتمائك بشكل جذري للأماكن دي، بشكل متساوي وعميق. إزاي ده بيتحقق من وجهة نظرك يا حسام؟ مع العلم بوجود شخصيات مختلفة تمامًا، وأصوات مختلفة تمامًا عند كل شخصية، في المجموعة. 

حسام: رغم اللي بتقوله، لكن أنا مثلًا مش بكتب عن السعودية، مع إني مولود فيها، بل وابن الجيل الرابع من أسرتي في السعودية. جدي راح وهو عنده 16 سنة، وأبوه مدفون في جدة، بس أنا ما عنديش أي انتماء ليه. تخيّل إن عندي مثلًا مشروع في الشركة اللي شغال فيها عن مسلسل تاريخي مفترض إنه بيدور في الحجاز، المكان اللي اتربيت فيه، بكتب بس خطوط عامة في المشروع، لكن مش هينفع أكتب عن المكان ده، وهنجيب كتاب سيناريو سعوديين أو خبراء محليين.

مقرر من وأنا طفل إن أنا لا أنتمي لهذا المكان ولا هذه الثقافة، ولا أرغب في ذلك. ده ما حصلش لما جيت مصر، في مصر تم استيعابي. أينعم قبل 2004 (توقيع اتفاقية القاهرة وأحزاب المعارضة السودانية تخرج من مصر، وترجع تشتغل في السودان تاني عشان اتفاقية السلام الشامل مع الجنوب)، كنت في مشهد السودانيين اللي عايشين في القاهرة، داير في أوساط الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني السوداني واللاجئين السياسيين السودانيين الموجودين فيها، بس أول ما ده اتفكك وبقيت في المشهد المصري، مش مشهد السودانيين اللي عايشين في مصر، بدأت أروح ساقية الصاوي وأنزل أقعد في الحرية [قهوة بوسط البلد]، وأقابل فنانين مصريين، بقيت مصري، و جت لحظة 25 يناير.

حكيم: بس التراكم ده يا حسام بالضرورة بيخلق مفارقات، هي اللي بتكون الأساس في علاقتك بالمكان اللي بتعيش فيه، هي القاعدة.

حسام: عايز أقول لك كان عندي مشكلة لما جيت المدرسة في ثانوي في مصر، إن مُدرسة العربي مرة طلعتني من الطابور عشان اكتشَفت إني ما بقولش تحية العلم، فقدمتني للإدارة، والمضحك إن مدرس أول اللغة العربية في المدرسة كان سوداني جنوبي اسمه عبدالله الدنكاوي، جنوبي عبقري بدرجة إنه يدرس لغة عربية للمصريين. المهم قالت لي إنت ما بتقولش تحية العلم ليه؟ لأني جاي من السعودية وتحية العلم في مصر كانت لحظة وثنية جدًا؛ كل الناس من الناظر، للتلامذة، للفراشين كله بيقف ويثبت في مكانه كأنهم عساكر. كنت مرعوب من ده، وشايف إن دي مش قصتي، ده نشيدكم أنتم وعلمكم أنتم، أنا ما ليش دعوة بأي شكل من الأشكال، المُدرسة وقتها قالتلي ما الأستاذ عبدالله أهو سوداني، ولما بتيجي تحية العلم بيقف ويقول معانا، قلت لها هو أي نعم سوداني بس هنا بياكل عيش، أنا هنا بدفع رسوم، ده ما يخلنيش أنتمي للدولة لمجرد إني بدرس، وإدتها خطبة عصماء عن إن الوطنية مش إني أحيي العلم، وبعد كده أروح أرتشي وأنهب المال العام، وأحسن لو إني مواطن فاسد إن أعلّق بشكير أو حتة قماش وسخة وأحيها كل يوم الصبح أحسن، ده كان الوضع بتاعي ساعتها. 

 لكن كل ده اختفى تمامًا في 2011، والتعالي الزائف ده راح، لدرجة إني فيه عرض تاني لليلى سليمان بعد الثورة بشهور كان اسمه «تحية إلى الشهداء والأحياء»، كنت بطلع وكل واحد من الجمهور بيقرا اسم شهيد وتاريخ استشهاده والمحافظة، ولما كنا بنحيي العلم كنت بعيّط كل يوم في العرض، الإحساس بالوطنية ده غريب ومريب. فرغم التعليقات العنصرية اللي دايمًا بسمعها في الشارع في القاهرة بشكل غريب؛ الثقافة والبلد دي استوعبتني تمامًا، وبقيت جزء منها بدون أي تناقض مع كوني سوداني.

في الثالث من يونيو أعلنت قوى  إعلان الحرية والتغيير في السودان، أن اعتصام القيادة العامة للجيش في الخرطوم «تم فضه بالكامل» من قبل أجهزة الأمن والدعم السريع (الجنجويد) بقيادة حميدتي، هذا الفض الذي خلف أكثر من مائة شهيد وآلاف الجرحى، قامت قوات الدعم السريع يومها برمي أكثر من 40 جثة في نهر النيل، وأفادت وسائل إعلام عن قيامِ عناصر تابعة لقوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي – وهوَ أيضًا نائب رئيس المجلس العسكري – باغتصابِ حوالي 70 شخصًا من كلا الجنسين، قامت بعد المجزرة بقطع الإنترنت عن كامل السودان، أعلنت الحرية والتغيير يومها وقف جميع الاتصالات مع المجلس العسكري الانتقالي، ودعت إلى العصيان المدني الشامل والمفتوح، اعتبارًا من يوم 3 يونيو 2019، احتجاجًا على فض الاعتصام.

شهد حسام هلالي فض اعتصام القيادة، حيث كان موجودًا وقتها في قلب الاعتصام، استطاع ومن معه أن ينجو من المجزرة، فروا إلى إحدى المستشفيات القريبة من مقر الاعتصام، سجل حسام من فوق سطوح المستشفى بعض اللقطات لمليشيات الدعم السريع وهي تحاول اقتحام المستشفى لقتل واعتقال من استطاع الفرار والنجاة، انقطعت اتصالاتي بحسام وكل من أعرفه في السودان، انقطعت خدمات الإنترنت تمامًا، عاد الإنترنت وكتب حسام على فيسبوك أول ما كتب «يا دوب لقي إنترنت.. طلعت امبارح العصر من محيط القيادة.. بس الإنترنت مقطوع والخرطوم عبارة عن مدينة أشباح الحركة في نطاق ضيق جدًا والجنجويد استباحوا المدينة. #كسم_الجيش».في أعقاب ذلك  أُعلن العصيان المدني الشامل والذي سجل نسب نجاح مبهرة.

في السابع عشر من أغسطس 2019 في السودان، وقّع كلاً من نائب رئيس المجلس العسكري حميدتي وممثل تحالف قوى الحرية والتغيير أحمد الربيع على وثيقة الاتفاق الدستورية التي من شأنها أن تضمن الانتقال إلى حكم مدني، والتي تنص على تكوين مجلس حاكم انتقالي من المدنيين والعسكريين، ويمهد الطريق نحو انتخاب حكومة مدنية.

هذا يُعد انتصارًا، وفقًا للسياق التي تتحرك فيه الأمور، انتصارًا ومن الممكن أن يكون كبيرًا، خصوصًا في أعقاب بداية تشكيل حكومة مدنية برئاسة عبدالله حمدوك، ووجود كل المؤشرات التي  تدعو إلى تفاؤل ما، لكنه تفاؤل متوجس، في مشهد لا يزال ضبابي بشدة، أرسل لي حسام الكلمات التالية:

«الموضوع فوق المعقول، طول عمري بتخيل وبتمنى بس لما جت لحظة الحقيقة لسه مش مصدق، ومتخيل إن الموضوع في أي لحظة حيبوظ، ولاد الوسخة خلونا خايفين حتى واحنا بننتصر».

* عنوان الموضوع مقتبس من إهداء حسام هلالي لمجموعته «أيام الخرطوم الأخيرة»، وهو يشير لمشاركته في مظاهرات يوم 25 يناير 2011، والتي كان سنه وقتها 25 عامًا.
اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم