أدب القرين| 1- «نادي القتال»: تايلر دردن والذكورة السامة
 
 

كتب المقدمة: حسين الحاج

في شتاء عام 1885، رأى الكاتب اﻹسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون حلمًا مرعبًا؛ الحلم الذي حوله في ستة أيام إلى قصة «القضية الغريبة لدكتور جيكل ومستر هايد»، التي اعتبرت بعد ذلك من روائع اﻷدب العالمي بسبب تفرد رؤيتها اﻷدبية – النفسية العميقة أن اﻹنسان ليس شخصًا واحدًا، بل شخصين في جسد واحد، وأنه يوجد خلف قناع الشخصية الاجتماعية الذي نعرضه للآخرين شخصية أخرى ذات صفات غير اجتماعية ورغبات تدميرية. تتلخص القصة في الطبيب الفاضل جيكل الذي يخترع دواء عندما يتناوله يتحول إلى رجل وحشي مخرب يدعى السيد هايد.

نظّر عالم النفس السويسري كارل يونج بعد ذلك بالتفصيل في مسألة ازدواجية النفس البشرية. اقترح يونج أننا منذ سن مبكرة، عندما نبدأ في تطوير أنا واعية وشعورًا بالذات، تتشكل معها نظامين نفسيين مستقلين: قناع الشخصية وظلها. في قصة ستيفنسون، يمثل جيكل قناع الشخصية بينما يمثل هايد ظلها. يكشف جيكل بينما يتأمل تحوله إلى هايد رؤيته للطبيعة اﻹنسانية، «تعلمت الاعتراف بالازدواج العميق والبدائي للإنسان، رأيت ذلك في الطبيعتين اللتين تآلفتا في ساحة وعيي، وحتى لو قيل عني بأني أحدهما، فما كان ليتسنى ﻷحد هذا القول لو لم أكن أنا الشخصين كليهما في صميم اﻷمر».

يعرف العرب هذه الظاهرة باسم القرين، وفي هذا البرنامج نقرأ ثلاث روايات ونكتب عن أدب القرين. يذكرنا هذا اﻷدب بما يفعله الناس عندما يكفون عن قمع ظلالهم في الزوايا المظلمة من النفس، وتفتح تلك القراءات صندوق باندورا وتستخرج كل ما فيه: فوضى الميول الخطيرة التي تكمن في ظلنا الذكوري (نادي القتال لتشاك بولانيك)، كما الوعي بالظل اﻷنثوي بصفته قوة كامنة ومصدرًا من مصادر تجدد الذات (أطياف لرضوى عاشور)، ونختتم باللقاء بين اﻹنسان وقرينه أو الشخصية وظلها، ليس باعتباره لقاء ضروريًا فقط بل لكونه حدثًا مرغوبًا فيه (الفيسكونت المشطور ﻹيتالو كالفينو).

نادي القتال: تايلر دردن والذكورة السامة 

تعد «نادي القتال»، رواية تشاك بولانيك التي صدرت في عام 1996 وتحولت بعد ذلك لفيلم في عام 1999 من إخراج ديفيد فينشر، أحد الأعمال التي أثارت جدلًا واسعًا سواء من ناحية المفاهيم التى تحاول تفكيكها أو من حيث الحبكة الدرامية التى تعرض تلك المفاهيم من خلالها. تعتمد الرواية على أداة «القرين»[1]، وهي أداة أدبية تُستخدم لرؤية الآخر الذي نهرب منه أو الذي نريد أن نكونه، فهي كالمرآة التي نرى فيها ذواتنا معكوسة أو تجعلنا نحلم بصورة أخرى مختلفة عن ذواتنا، وتستخدم الرواية تلك اﻷداة في إعادة تعريف الذكورة وما طرأ عليها من تغيير بسبب الرأسمالية المعاصرة وسيطرة الثقافة الاستهلاكية. وبصورة عامة تحاول «نادي القتال» التشابك مع الملل والسطحية والخواء الذي تضفيه الثقافة الاستهلاكية على حياتنا، وذلك من خلال محاولة خلق الرجال لمجتمعهم الخاص الذي يشعرون من خلاله باستعادة القوة والسلطة مرة أخرى.

تحكي الرواية تجربة الراوي الذي يعاني من اﻷرق، ويجد راحته في حضور مجموعات الدعم النفسي، حتى يلتقي رجلاً غامضًا يدعى تايلر دردن ويؤسس معه ناديًا سريًا للقتال في أقبية البارات حيث تقام مباريات ملاكمة للرجال اﻷعضاء، ثم ينخرط معه في تأسيس منظمة إرهابية تدعى «مشروع اﻷضرار» تهدف إلى هدم النظام الاجتماعي اﻷمريكي حتى يكتشف أنه وتايلر دردن شخصًا واحدًا.

هل نادي القتال ينقد الثقافة الاستهلاكية حقًا؟

 مثل كثيرين، شاهدت الفيلم قبل أن أقرأ الرواية، وقد أعجبني عند مشاهدته لأنني رأيت أنه يهاجم الثقافة الاستهلاكية والاستغلال الرأسمالي، لكن بعد إمعان النظر وقراءة الرواية ومحاولة تحليل الطريقة التي ينقد الثقافة الاستهلاكية من خلالها، رأيتُ أنه يعرض التمرد ضد الثقافة الاستهلاكية التي تؤثر على السلوك الاجتماعي الخاص بالرجال وتؤثر على هويتهم ومدى إحساسهم بفاعليتهم، بالتالي لم تنقد «نادي القتال» علاقات الاستغلال واستراتيجيات السيطرة التي يتحقق النظام النيوليبرالي من خلالها.

تُعرف «نادي القتال» عنف الرأسمالية بأنه عنف مُوجه ضد الصورة المعتادة عن الذكورة، وهي تحارب هذا من خلال رفض كل ما هو أنثوي، بالتالي اختزلت الرواية أزمة الرأسمالية في أزمة شعور الأمريكيين البيض المنتمين للطبقة المتوسطة بفقدان ذكوريتهم. وبدلًا من أن تنقد الرأسمالية من مداخل سياسية واجتماعية واقتصادية تنقد الثقافة الاستهلاكية التي تجعل الذكور عاجزين، ومن ثم تحولت الرأسمالية من قضية كبرى إلى قضية صغرى في كيفية تأثير الثقافة الاستهلاكية في نظرة الرجال إلى ذكوريتهم. ورغم أن «نادي القتال» اختزلت الرأسمالية إلى حد كبير إلا أنها استطاعت إقامة جسر بين الخطاب العام والخطاب الخاص، والخطاب العام هنا هو نقد الرأسمالية وما يصاحبها من قيم استهلاكية والتي تؤثر على الخطاب الخاص هنا، وهو رؤية الرجال لذواتهم وإحساسهم بفقدان الذكورة كنتيجة للثقافة الاستهلاكية التي تضفي طابعًا أنثويًا عليهم.[2]

تحاول الرواية التعرض لمفهوم الذكورة في الشخصيات الثلاث: الراوي وتايلر دردن وبوب، نرى أن تايلر والراوي وجهان لعملة واحدة، فتايلر أداة الراوي للهروب من ذكوريته المفتقدة، بينما يمثل بوب شخصية وسط بين النقيضين. يستخدم بولانيك الشخصيات الثلاث مع التركيز على ازدواجية الراوي وتايلر كي يفكك مفهوم الذكورة والصورة الذهنية عن طبيعة الرجال.

 افتقاد الذكورة معنويًا وحرفيًا

ليس الراوي إلا ترسًا في عجلة البيروقراطية الأمريكية، يحاول باستمرار مواكبة شروط القبول التي تفرضها الرأسمالية على أمثاله من الرجال حتى يكونوا مقبولين اجتماعيًا، فهو يعمل بوظيفة روتينية يكرهها ويشتري أشياء لا يحتاجها كي ينال رضا المجتمع الذي لا يحبه، وفي النهاية يحاول الهرب من كل هذا بانضمامه لمجموعة الدعم الخاصة بسرطان الخصية «الرجال باقون معًا»، حيث يمكنه البكاء على رجولته المفقودة في أحضان بوب، رافع الأثقال السابق الذي لديه ثديان ضخمان نتيجة لتناوله علاج الهرمونات ما بعد جراحة سرطان الخصية، ومن ثم تضعنا «نادي القتال» أمام الرمزية التي من خلالها يعرض ما حدث للذكورة من إضفاء طابع أنثوي عليها، حيث تحول رافع الأثقال إلى رجل له ثدي إمرأة، وبدلًا من الذهاب للنادي الرياضي يذهب لجماعة دعم ليعبر عن مشاعره في البكاء في نهاية كل جلسة، ويحمل استخدام البكاء هنا نوع من الإشارة إلى الطابع الأنثوي مرة أخرى.

أما تايلر دردن فيمثل نوعًا من الذكورة السامة التي تتمثل في فرض نمط معين للذكورة تصبح في وجوده جميع الأنماط الأخرى أقل رجولية، يرى هذا النمط أن الرجال الحقيقيين يجب أن يكونوا عنيفين ومعدومي المشاعر ومهووسين بالجنس، ووفقًا لتلك المعايير يتم تنحية الرجال الذين يفشلون في محاكاة تلك المواصفات باعتبارهم رجالًا زائفين. ورغم أن خلق شخصية تايلر كان هروبًا للراوي من صورة نمطية معينة يفرضها المجتمع على الرجال، أصبح عند تأسيس نادي القتال هو الصورة الأيقونية الجديدة التي تهدد صورة الرجال عن ذواتهم مرة أخرى بذكورته السامة.

رغم ذلك، يظل بوب الشخصية الأكثر توازنًا بين الراوي الذي يبحث عن ذكوريته المفقودة وبين تايلر صاحب الذكورة السامة والمبالغ فيها، يبدو ذلك من خلال حديث بوب عن سبب إصابته بسرطان الخصية كنتيجة للهرمونات التي تعاطاها وهو يحاول الوصول للنموذج الأمثل للذكورة، فهو مدرك إلى حد ما طبيعة ما حدث له.

بالتالي يضعنا بولانيك أمام ثلاث تنميطات في غاية الاختلاف يقوم من خلالها بتفكيك مفهوم الذكورة من حيث الافتقاد المعنوي والمادي والذكورة السامة، لكنه يتركنا في النهاية بدون طريقة للهروب من تلك اﻷنماط، وربما لا يمكننا الهروب من اﻷنماط، وربما الوعي بوجودها ومحاولة تحليلها هو الطريقة الأمثل لكسر الصور النمطية بدون خلق صورة نمطية جديدة للذكورة، لأن الصورة الجديدة ستكون سجنًا هي الأخرى.

طبيعة العمل في ظل النيوليبرالية والهروب إلى الحرية

تشير «نادي القتال» إلى تحول جسد الرجل من وسيلة إنتاج إلى وعاء استهلاك، فلم تعد طبيعة الوظائف متعلقة بالرجل الذي يمضي اليوم كله في الإنتاج، لكن تحولت طبيعة العمل إلى وظائف إدارية يتحول فيها الرجال إلى عرائس ماريونت في أيدي الشركات الكبرى، بالتالي يخلق هذا نوع من اﻷزمة في نظرتهم لمفهوم الذكورة المعتاد، ومفهوم الذكورة ذو الطابع الأنثوي الذي تفرضه الألفية الجديدة عليهم، حين تحولت حياة الرجال البيض متوسطى الطبقة الاجتماعية إلى حياة يملؤها الملل والخضوع.[3]

هنا يوظف بولانيك القرين بشكل جيد، حيث مثلت شخصية تايلر وما يقوم به من وظائف تمردًا على الوظيفة البيروقراطية التي تلتهم حياة الراوي واستعادته لذكورته مرة أخرى، فتايلر متمرد وغير مكترث، ويعمل بوظائف ذات دوام جزئي متعددة وجميعها يحمل رمزية معاداة القيم الاستهلاكية والأنثوية، فهو يبيع الصابون المصنوع من دهون آدمية للسيدات الغنيات اللاتي يحاولن فقد الوزن ويقول عن تلك الوظيفة أنه يبيع دهون السيدات البدينات الغنيات لهن مجددًا، وهو عامل بالسينما ويقوم بلصق الصور الإباحية في الأفلام العائلية وأفلام الأطفال، ويعمل بفندق فخم كنادل، ويتبول ويبصق في الطعام قبل تقديمه، فتفاصيل تلك الوظائف تحمل نوعًا من محاولة استعادة الذكورة ومعاداة الأنوثة.

يدعى نادي القتال أنه نوع من الهروب من سجن الرأسمالية إلى الحرية المتمثلة في فقدان كل شيء، لكن تكمن المفارقة في أنه على الرغم من أن نادي القتال يحاول كسر القواعد المقيدة التي تفرضها النيوليبرالية على الذكور إلا أنه يخلق قواعد متطرفة، فنادي القتال يعيد استخدام نفس أدوات الاستغلال ويقوم بتشكيل نظام بديل يسلبهم حريتهم وهويتهم مرة أخرى، تفرض النيوليبرالية على الأفراد أن يلتحقوا بوظائف جيدة من أجل أن يشتروا سلع محددة وأن يلتزموا بزي معين، ونادي القتال يفعل نفس الشيء، فأن تكون عنيفًا هو تذكرتك للالتحاق بنادي القتال، حتى أن نادي القتال قد فرض زياً معين، حيث أنه يجب ألا ترتدي فيه قميصًا أو حذاءً، وفي مشروع الأضرار، الذي يعد نتاجًا لنادي القتال، لا يكون للأفراد اسم، وهذا نوع آخر من سلب هوية الأفراد وتقييد حريتهم، فنادي القتال هو شكل آخر من فرض صورة النمطية عن الذكورة، وهو نوع آخر من السجن الذي يدعي الحرية، فالهروب من الأيديولوجيا يحتم الخضوع لأيديولوجيا جديدة لها قواعدها أيضًا.

في النهاية يظل عرض «نادي القتال» لأنماط مختلفة من الذكورة أمرًا جيدًا فيما يتعلق بتأثير تلك اﻷنماط على حياة الرجال ونظرتهم لأنفسهم، حتى لو لم تقدم بديلًا لكسر اﻷنماط عنها، لكن يظل العمل الروائي مقتصرًا على فئة محددة وهم الرجال البيض متوسطي الطبقة الاجتماعية ومغايري الجنس، تعد نهاية الرواية مبهمة بعض الشيء فهي لم تعرض للتخلص من القرين نهائيًا حيث يستيقظ الراوي في مشفى للأمراض العقلية وبجواره أعضاء «مشروع الأضرار» الذين يذكرونه باستمرار أنهم ما زالوا بانتظاره ليعود مرة أخرى ليكملوا مشروعهم، بالتالي النهاية مفتوحة هنا، وتظل مشكلة السعي للتخلص من قيود النيوليبرالية والثقافة الاستهلاكية وما يضفيه على الصورة النمطية للذكورة قائمة. 

[1]            يرى البعض أن الشخصيات يمكن تحليلها وفقاً إضطراب الهوية التفارقي لكن هذا سؤال يطول شرحه، لذا سنركز على استخدام أداة القرين.

[2]            Giroux, Henry A. “Private Satisfactions and Public Disorders:” Fight Club”, Patriarchy, and the Politics of Masculine Violence.” jac (2001): 1-31 page 6.

[3]            Michael Clark, J. “Faludi, Fight Club, and Phallic Masculinity: Exploring the Emasculating Economics of Patriarchy.” The Journal of Men’s Studies, vol. 11, no. 1, Oct. 2002, pp. 65–76, doi:10.3149/jms.1101.65.

اعلان