كايروكي: أبناء البطة السوداء أم البيضاء؟
 
 

ماذا يعني تعبير «أبناء البطة السوداء»؟ في الثقافة الشعبية المصرية؛ هو مصطلح يستخدم للإشارة إلى الأشخاص المنبوذين أو المختلفين الممارَس ضدهم اضطهاد سواء ممنهجًا أو غير مقصود، فتجد الشخص يعبر عن استنكاره من الاضطهاد سواء كان الموقف هزليًا أو جديًا بقول «هو أنا ابن/بنت البطة السودا؟».

 أما في عالم الأحلام؛ فتفسير ابن سيرين لرؤية البط الأسود في الحلم، تدل على ناكري الجميل والأشخاص المنحلين أخلاقيًا. بينما في الثقافة العالمية، فهناك رواية «أجلي داكنج» التي صدرت عام 1844 للكاتب الدانمركي هانس كريستيان أندرسن، لتصبح أيقونة المنبوذين والمختلفين في العالم، لأنها تحكي عن بطة فقس كل بيضها ماعدا بيضة وحيدة أخذت وقتًا أكثر من باقي البيض ليخرج منها بطة سوداء مختلفة عن البط الصغير، فينبذونها ويسخرون منها.

من هنا تأتي تسمية ألبوم كايروكي الأخير «أبناء البطة السودا» (2019) والذي ترجموه للإنجليزية «أجلي داكنجز»، ليمزجوا المفهومين المصري والعالمي للتعبير عن الاختلاف والاضطهاد.

هذا عن «أبناء البطة السودا»، لكن هل يوجد ما يمكن أن نطلق عليه «أبناء البطة البيضا»، أي الأكثرية العادية. وذلك لنسأل: هل كايروكي أبناء البطة السوداء أم أبناء البطة البيضاء؟ يحظى الفريق بشعبية واسعة، ويعتبر الصوت الأكثر تعبيرًا عن طائفة واسعة من الجمهور الشاب. متى وكيف ولماذا؟ سوداء أم بيضاء؟ هذا ما نحاول تتبعه هنا.

شباب عادي من المعادي

في 2015 ظهر أعضاء كايروكي الخمسة في برنامج «صاحبة السعادة» مع إسعاد يونس في محاولة للمنظومة الإعلامية والتلفزيونية الرسمية المصرية استيعاب الأصوات غير المألوفة لها. تسأل إسعاد يونس بسذاجتها المصطنعة وببعض الحنجلة أمير عيد عن وجود بعض الأشخاص الذين لا يحبون صوته، فيجيب ببساطة: «معاهم حق لأن صوتي وحش»، ثم يأخذ في شرح الفرق بين الموسيقى الطربية المعتمدة على الأصوات الجميلة، وبين ما يقدمه كايروكي للتعبير عن أنفسهم. هم مجرد شباب عادي من المعادي. لكن من أين بدأوا؟

تعرّف أعضاء الفريق على بعضهم البعض في المعادي، حيث كانوا يسكنون، ما عدا شريف مصطفى، الذي كان يسكن مدينة نصر، جمعتهم الموسيقى، وبيت أمير عيد. وفي المرحلة الجامعية، وكما نعرف من كتاب «أيامي مع كايروكي» لولاء كمال، أخذوا يلعبون  تحت اسم «بلاك ستارز»، يغنون كافرز لبينك فلويد في كافيهات وبارات وسط البلد مثل «سي هورس» و«أفتر إيت»، في ليالي السهرات الميتة، وبجمهور قليل يستمع إليهم بنصف وعي، مقابل أجر زهيد. اعتبر الفريق تلك الحفلات نوعًا من أنواع الهواية، إلى أن يحين موعد التخرّج من الجامعة، وقبل أن يبدأ كل منهم البحث عن طريق لكسب لقمة العيش.

بعد المرحلة الجامعية، استمر الفريق في إحياء حفلات هنا وهناك، وأصدر عدة أغانٍ منفردة منها ما هو إعادة توزيع لأغاني الشيخ إمام مثل «عالمحطة» و«لحمة»، ومنها ما كتبه أمير عيد مثل «حبيبي يا مطلّع عيني» و«سلام يا مان» لكن لم يصدروا ألبومًا. وفي 2011، سيحدث المنعطف الأهم، عندما يكتب أمير عيد أغنية «صوت الحرية» 2011، ويغنيها مع هاني عادل من فريق وسط البلد، وتصوّر فيديو من إخراج محمد شاكر خضير، في ميدان التحرير، لتنزل على يوتيوب يوم 10 فبراير 2011، قبل تنحي محمد حسني مبارك، بيوم.

 ستزداد شعبية كايروكي، وسيلتفت المُعلنون لمدى تأثير الفريق، فتمضي إحدى شركات المشروبات الغازية عقد رعاية معه، لتبدأ قصة نجاح، للموسيقى والإعلانات بشكل متوازٍ، أنتجوا خلالها 6 ألبومات موسيقية بداية من «مطلوب زعيم» في 2011 مرورًا بـ «وأنا مع نفسي قاعد» في 2012 ثم «السكة شمال» في 2014 و«ناس وناس» في 2015 و«نقطة بيضا» في 2017، وأخيرًا «أبناء البطة السوداء» في 2019.

ثورة شباب

 مع أن كايروكي بدأ قبل ثورة يناير، لكنه تبلور كفريق له نكهة معينة، بعدها.

يتطوّع البعض ويصكه صك «الأندرجراوند» أو يحسبه على مصطلح «الفن البديل» إلا أن كايروكي لم يتعامل مع نفسه كفريق أندرجرواند، ولا يعتبر نفسه أيضًا مين استريم، لا يشغل نفسه بمسميات. لهذا مساره لا يشبه مسارات مريم صالح أو دينا الوديدي أو حتى مسار إجباري، هي مسارات أُطلق عليها، بشكل صريح، وبمباركتها الكاملة، مسميات مثل «أندرجراوند» أو «فن مستقل». يقدّم كايروكي نفسه فقط على أنه «مختلف» عن القديم، ولكن في الوقت نفسه، وليس بالضرورة مرادفًا لعكس المين استريم.

بهذا الأفق البسيط سيغنون مثلًا «كل الناس غنت ع الحب» عام 2007، والتي بها سخرية من أغاني البوب التقليدية: كل يوم نسمع حاجة.. بتقول نفس الحاجة.

هذا الشطر، الذي يعبر عن إحساس بالملل والغضب والحنق، كان الإحساس العام لدى الطيف الأوسع من الشباب قبل 2011. كايروكي منتمي لهذا الطيف، شريحة الشباب الحانق على الأوضاع، لكن دون أن ينضموا لتيارات سياسية بعينها، أو أن يكونوا منخرطين في الدوائر الثقافية الكلاسيكية أيضًا.

شباب غاضب على الظروف الراكدة منذ التسعينيات والتي تضيق عليهم الخناق، على أوضاع السياسة والموسيقى والسينما وكل شيء. شريحة تحتضن حالة وعي عام مشحون بالرغبة في مفارقة القديم، وتتحرك بأفق استحقاق أنهم «شباب» يريد أن يأخذ مكان الديناصورات القابعة على صدر الدولة المصرية. شريحة كانت ذروة احتكاكها بالشأن العام مع قضايا مثل خالد سعيد، في 2010، وكانت مؤيدة  لحراك مناهضة «التوريث» لكن على الأرجح لم تشترك في مظاهرات سلالم نقابة الصحفيين. من هذا المنطلق سيغني كايروكي للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، فقد وجد بعض أغنياتهم، تتسق مع ما يريدون التعبير عنه، واختاروا لهما الأغنيات الأكثر بساطة، والتي تتكلّم تحديدًا عن غياب العدالة الاجتماعية. على خلاف مُنطلق آخرين غنوا لهما، باعتبارهما ممثلين لدائرة ضيقة من امتداد مناضلي السبعينيات، أو بإحساس مفعم بفخر إعادة تقديمهم بوصفهم حركة إحياء لفن بديل ضد المين استريم.

انزل الشارع وشوف بعينيك/ وأنت في طريقك بص بصة حواليك، سيبك من النخبة المثقفين، هو الشارع هيقول لك الحقيقة فين. (أغنية نفسي أفجر، ألبوم السكة شمال، 2014).

هم  شريحة شباب، أحيانًا كانوا يذهبون إلى فعاليات ثقافية غير شهيرة بالقدر الذي يجعلها مين استريم في أماكن كساقية الصاوي، لكن فقط في إطار أنها «خروجة مختلفة». شباب يقرأ لكن ليس من باب انتمائه لوسط المثقفين، لكن من باب أن من مقتضيات العصر قراءة كتب البيست سيلر وعمارة يعقوبيان وروايات أحمد مراد. من البوب الموسيقي العربي غالبًا كان يعتبر عمرو دياب مغنيه المفضّل، يستمع لتامر حسني من حين لآخر، ويرى في محمد منير حالة مختلفة، هذا مع بعض موسيقى الراي من الشاب خالد، أما الشريحة الأعلى طبقيًا فيه؛ فكانت تفضل الروك الأجنبي، وتقدس بينك فلويد والبيتلز. فقط أرادوا للبلد أن ينصلح حالها وأن يجدوا فرصتهم في سوق العمل، ولم تتجاوز رؤيتهم السياسية لفكرة عامة ضبابية حول إن بلدنا تبقى زي بره، وأن يُقضى على الفساد، وتصبح البلد ديمقراطية.

هذا البروفايل هو ما سيدفع كايروكي لإصدار أغنية «ساكتين ساكتين» في 19 يناير 2011، احتجاجًا على تزوير الانتخابات البرلمانية.

 

هؤلاء كانوا الجزء الأكبر من جمهور كايروكي، في بداياته الأولى تحديدًا، شباب أراد التغيير دون أن يعرف أجندة سياسية بعينها، ثم وجد نفسه في قلب حِراك سياسي، فتراكم عنده وعي بقضايا اجتماعية وسياسية، نتاج خلاط الكلام والتفكير والنقاشات التي برزت على السطح، في السنتين ونصف. باختصار هو الفرد الذي وَعى على يناير، والتي حتى مع فشلها على المستوى السياسي، إلا أنها شكلت وعيه، فأخذ على الأقل يدافع عن القضايا التي طرحتها حتى الآن.

يمكن اعتبار كايروكي الصوت «المين استريم» المعبر عن  القطاع الأوسع من هؤلاء الشباب، المديني، القاهري بشكل خاص، أو بمعنى ما شباب الشريحتين المتوسطة والعليا من الطبقة الوسطى، الذين كانوا في مراهقتهم أو أوائل عشريناتهم في 2011. ليس لأنه أخذ القرار بأن يكون صوتهم، لكن لأن ببساطة وبالصدفة، هذا بالضبط هو توجهه الفكري والفني. عبّر كايروكي عن نفسه، وبالمرة وجد نفسه يعبّر عن كل هؤلاء.

هو ليس مثل «الأندرجراوند العادة»، إن جاز التعبير، والتي تعبّر عن شرائح أضيق من الجمهور، ببروفايلات أكثر تحديدًا وتخصصًا، كأن تكون مثلًا متصلة بتاريخ فني منتمي لجيل فناني مناضلي السبعينيات كالشيخ إمام مثلًا، أو تحمل على عاتقها، قضايا قومية خارج اهتمامه اليومي، أو خارج مصر، مثل اسكندريلا.

هذا الاختلاف عن تيار المين استريم بتعريفه التقليدي والكلاسيكي، هو ما أدى إلى ارتباك تعريف الفريق، أو تنامي إحساس بضرورة وضعهم في خانة، وسط استقطاب: مين استريم- فن بديل، والذي سيطر على أجواء النقاش عن المنتجات الفنية والموسيقية لفترة ليست بالقصيرة.

في كتابه يذكر ولاء كمال أن ما دفعه للبحث وراء كايروكي موقفان، الأول ذهابه إلى حفلة لهم، بدعوة من صديقة ليستشعر طاقة بين الجمهور ذكرته بطاقة الثورة، أما الموقف الثاني هو جلوس الكاتب مع أصدقائه في الذكرى الخامسة لـ 25 يناير، وشعر أنها مرت عليهم كأنه أجازة كتحرير سيناء أو حرب أكتوبر وهي أحداث مع أهميتها، ولكن لا تربطهم بها شيء شخصي وإنساني مثل يناير، ما جعله يقرر الكتابة عن الثورة أو تحديدًا جيل الثورة، وكان ما استدعاه ليكون ممثلًا عن هذا الجيل هو فريق كايروكي بكل ما يمثله من طاقة ووعي ونبل والأهم سذاجة.

سؤال الفلوس

من التحرير غنى أمير عيد «صوت الحرية»، وبعدها أصبح هو والفريق في مفترق طرق، وضع السوق عينه عليهم. لذا يجب حساب الخطوة التالية بعناية، خاصة مع إغراءاته المتعطشة ودائمة البحث عن الجديد. سنوضّح في البداية الظروف وقتها. السوق الفني في مصر، سواء سوق صناعة السينما أو الموسيقى ارتبك بشكل كبير مع انتفاضة يناير، ما جعل سوق الأفلام يصاب بشلل شبه تام لولا إنتاجات السبكي، أما سوق الموسيقى الذي كان يعاني أصلًا بسبب الإنترنت والقرصنة، فلم ينجو منه سوى ألبوم الهضبة عمرو دياب، المُحلِّق فوق أي أحداث؛ «بناديك تعالى»، وألبوم تامر حسني «اللي جاي أحلى»، وألبوم «إنسان» لحمزة نمرة، بالإضافة لبعض السينجلات الوطنية للمطربين القدامي، والتي جاءت بنكهة نظام مبارك، ولم تلقَ أي مردود عند الجمهور، مثل «شهداء 25 يناير» لحمادة هلال.

إذن ماذا يفعل أمير ورفاقه في مثل هذه الظروف المرتبكة خاصة مع اجتماع كل أفراد الفريق على عدم السماح للسوق بلوي أذرعهم، واتخاذهم قرارًا منذ البداية برفض عروضه التي تشترط التدخل الموسيقي، ومنها عرض لألبوم يتضمن ديو مع فنانة لبنانية مشهورة يرجح أنها هيفاء، وذلك للتمسك بحيويتهم الموسيقية، كما أن حلول الأندرجرواند مثل التمويل الذاتي أو الحصول على منح إنتاجية، ضيقة عليه؟ سيصنع كايروكي معادلة توفيقة: لن يقاطع عروض السوق، ولكنه لن يسمح لها بالتهامه كليًا.

أدرك كايروكي أن الحل يتلخص في إنتاجهم لموسيقاهم بأنفسهم، وهنا تظهر البوابة السحرية التي تنقذ مشروعهم الموسيقي: الإعلانات، وهي أحد المجالات المعدودة التي لم تتأثر بيناير على المستوى الاقتصادي تحديًدا، كما أنها ومن ناحية أخرى، تعتبر المجال الأكثر حساسية لما يدور في الشارع.

الإعلانات كما يصفها أمير عيد هي «الجانب المظلم من النجاح»، ولكنها أيضًا الضمان للحفاظ على استقلالية الفريق وموسيقاه وأفكاره. ولكن القرار الأهم، الذي اتخذه عيد لم يكن فقط الموافقة على دخول سوق الإعلانات، ولكن قرار أكثر أهمية، ويعكس جزء من بُعد نظره.

في هذه الفترة، حاولت كل من شركتي بيبسي وكوكاكولا التفاوض مع أمير عيد وبالفعل ظهر في البداية مع بيبسي في «إنت الجديد إنت الوحيد». دخلت كوكاكولا على الخط، وتفاوضت الشركتان معه على أن يمضى عقدًا بشخصه، كأمير عيد، وليس ككايروكي. رفض أمير وطَلَب التفاوض معه كفريق. رفضت بيبسي، ووافقت كوكاكولا، والتي كانت قد تعاونت مع أمير قبل 2011 ، ففي 2009 غنّى لها: «في كل مكان هقول دايمًا كوكاكولا». عاد أمير لكوكاكولا، ليمضي أمير عقدًا طويلًا يؤمن للفريق دخلًا ثابتًا للإنتاج، ولتستمر الإعلانات حتى الآن.

وبينما كانت الأجواء مشحونة بالأمل والحرية، يشترك كايروكي  في الحملة الدعائية لكوكاكولا في رمضان  2011 «بكرة أحلى»، وفي الإعلان لا يغني أمير، لكن يظهر من ظهره وهو يعزف الجيتار لمجموعة أطفال يغنون «إنت كل حاجة بتحلم بيها / إنت أملك الوحيد»، والتي هي أغنية لكايروكي.

 ومع استمرار الأجواء المحمسة في بداية عام 2013  يصدر إعلان آخر لكوكاكولا بعنوان «اتجنن» يظهر فيه باند كايروكي بالكامل، ونسمع بصوت أمير عيد «اضحك والضحكة تبقى ضحكتين» والإعلان كان أغنية كاملة مع زاب ثروت وعايدة الأيوبي بعد نجاح تعاونهما في أغنية «اثبت مكانك» وأغنية «يالميدان». امتلأ الإعلان بمشاهد من الشارع المصري وقتها، لشباب يحمل لافتات وبلالين ملونة، وغنّى  الفريق من فوق الدائري، كنوع من الجنان مع كلمات «سيب نفسك لو حتى يوم/ لو كل الناس هيقولوا عليك مجنون/ عيش للناس».

وفي رمضان  2013 أيضًا، ظهر كايروكي في إعلان آخر لكوكولا «ليه لأ»، والذي يحتوي على مشاهد لجرافيتي من الشوارع مع كلمات مستوحاه من الميدان «مكملين/ متجمعين/ بكل أشكالنا وألواننا راجعين».

في 2015؛ ظهر أمير عيد والفريق في إعلان فودافون «من غيرك مش هتكمل»، مكملين تبنيهم للهجة المتفائلة التي تدعو للمة والحب للجميع وما إلى ذلك، مع مغنين آخرين، مثل يسرا الهواري وشارموفرز والمدفعجية.  كانت تلك المرحلة الوردية في مشوار كايروكي مع الإعلانات، حين كانت إلى حد كبير غير منفصلة عن توجههم الفني بشكل لافت، وحين كانت الشركات وقتها تروج لنفسها بطريقة جديدة، تمزج بين شعارات اللحظة الثورية ورسائل التنمية البشرية، ومن بطولة نجوم المرحلة: الشباب، فتخرج إلينا بنكهة التمرّد الكيوت، أو التمرّد «الكرييتف» وحقق ذاتك، واشرب كوكاكولا وكن أنت التغيير الذي تريده في الحياة، المتماشي مع الأجواء العامة في الشارع، مع لمسة من يلا نتجمع ونعمل لمة، المصرية والثورية في الوقت نفسه. هذه حسبة عصفورين بحجر.

ولكن مع ترسّخ حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتسرب الإحباط وشعور الهزيمة، للجيل الذي يمثله كايروكي، توقفت عن تقديم تلك الأغاني، التي تحمل صبغة ثورية، أو حماسية. أصبحت الإعلانات فقط إعلانات عن منتجات، دون تبني أي رسائل، بلا أمل وبالطبع بلا يأس.

هذة المرحلة الإعلانية المختلفة لكايروكي شهدت إعلانات خفيفة الدم مثل إعلان فودافون الذي يغني فيه الباند «مربوط بأستك» بأكثر من توزيع، مرة كأفراد في زفة ومرة كأحد الباندات أول الألفية، فريق واما تحديدًا، ومرة كأحد الدي جيهات.

يعود مزاج الأمل والرسالة على خفيف، للحظة خاطفة، في الذكرى السادسة لـ 25 يناير، عام 2017، في إعلان كوكاكولا «لسه فيها أكتر»، والتي يظهر فيها أمير عيد مع روبي وفتاة تلبس تي شيرت مكتوب عليه 1985، بكلمات غائمة، بها دعوة للأمل لكن بشكل عام: لسه فيها كتير صور ماخدناهاش ولسه فيها كتير أيام ما عشنهاش.

سيستمر النجاح حليفًا لكل المشوار الإعلاني كايروكي، بل وبات ظهور الفريق في أحدها ضمانًا للنجاح، فهناك إعلان أوبر سكوتر «طير بينا ياعم» بالمشاركة مع عبدالباسط حمودة وطارق الشيخ، وإعلان «كوكاولا بتقولها إزاي» مع أبو وهنا غنيم ومحمود العسيلي، وأخيرًا إعلان «ممكن كده» مع ساموسنج، والذي به لمحة من أيام كايروكي الأولى مع كوكاكولا.

تحوُّل المحتوى الإعلاني لكايروكي، تزامَن مع تحوُّل آخر في المحتوى الفني الذي يقدمونه في ألبوماتهم، والتي يصنعونها من فلوس الإعلانات. فبينما أخذت معظم الإعلانات تتلوّن بمزاج الدم الخفيف، بدأت أغاني الفريق تنضج أكثر فأكثر، ليصبح قاموسهم اللغوي أكثر ثراءًا، وليتطوّر أداءهم الموسيقي، بشكل لم نشهده في الفرق المماثلة.

الموسيقى

يسعى الفريق لإنتاج موسيقى مختلفة عن مشهد البوب المصري الفقير، ولكنه في الوقت نفسه لا يصل إلي مساحات تجريب بعيدة، فهو يعتمد على اتجاه البوب العالمي كبوصلة، وهذا إلى حد كبير السبب وراء شعبية كايروكي وسط أجيال الجمهور المتعطش لموسيقى مختلفة وجذابة (روشة).

يشبه تطور كايروكي إلى حد ما تطور فريق مشروع ليلى، حيث صارت موسيقى كلا من الفريقين تصنف كبوب بديل أو مستقل بينما بدأ بنوع الروك المستقل. التطور الكبير الذي حدث لموسيقى كايروكي كان على عكس فرق مستقلة أخرى كمسار إجباري ووسط البلد، وموسيقيين كمريم صالح لم يستطيعوا تطوير موسيقاهم إلى حد كبير.

«روك مستقل» هكذا صنّف كايروكي موسيقاهم منذ انطلاقتهم الأولى. لم يضم ألبومهم الأول «مطلوب زعيم» أغانٍ جديدة، إذ كان يحتوي على أغانٍ أغلبها تم إنجازه قبل انطلاقة الفريق التاريخية مع أمير عيد في إنتفاضة يناير في 2011. لذا كان ألبومهم الثاني «وأنا مع نفسي قاعد» في يونيو 2012 هو أول ألبوم يضم أغانٍ جديدة بعد 2011. لم يقدم الألبوم جديدًا، بخلاف موسيقى خفيفة، تعتمد بشكل أساسي على الجيتار (الخشبي) بعزف أمير عيد، ويمكن بالفعل تصنيفها كروك مستقل.

المدهش أن تجارب الفريق في الأغاني المنفردة، في هذه المرحلة، أغنى وأفضل من أغاني الألبومات؛ «اثبت مكانك» و«إحنا الشعب» و«أنا مش منهم»  تجارب فريدة في التلحين وفي استغلال مساحات موسيقية جديدة باستخدام آلات تقليدية كالعود وآلات أخرى حديثة.

أما ألبوم «السكة شمال» الذي صدر في 2014 فيعتبر محطة مميزة، وغير مكررة في تاريخ الفريق. هو الألبوم الأول بعد انحسار المد الثوري في يونيو 2013. هذه الحالة انعكست على موسيقى الألبوم، فيسيطر الطابع الجهير للروك البديل على نصف موسيقاه المصاحبة لحالة عنيفة من الرفض والتمرد. اللاعب الأساسي هنا هو الجيتار الكهربي يليه الطبول بينما انحسر دور الجيتار (الخشبي) بعزف أمير عيد. شهد هذا الألبوم بداية تعاون الفريق مع نجوم غناء آخرين باستثناء زاب ثروت بالطبع، مثلًا مع سعاد ماسي في أغنية «أجمل ما عندي» التي أضافت لكايروكي، ولم تضف لمسيرة سعاد، وأيضًا أغنية «غريب في بلاد غريبة»  التي أعادوا توزيعها مع النجم عبدالباسط حمودة.

مع ألبوم «ناس وناس» سنة 2015 بدأ نمط موسيقى الفريق في التغير. شارك أعضاء آخرون في الفريق أمير عيد في بالغناء، كما سمح الفريق لنفسه باعتماد شكل موسيقي جديد في بعض الأغاني بإستخدام أدوات إلكترونية لإنتاج موسيقى إلكترونية راقصة وخفيفة كما في أغنية «مربوط بأستك» و(ريمكس) أغنية «جينا الدنيا في لفة»، أيضًا جربوا الأغنية الشعبية كما في «الباكا باكا»، أو بالشكل التقليدي الرتيب لأغنية «الروك الشرقي» كما يسمونها، في أغنية «ناس وناس». أيضًا لم يكتب أمير عيد أكثر من ثلثي كلمات الأغاني خلافًا للألبومات السابقة، باستثناء أغاني أحمد فؤاد نجم والأبنودي وعمر طاهر.

رغم تولى كلا من الأخوين ساري هاني وأحمد الهادي الإنتاج الموسيقي للألبوم مع عمر الديب، إلا أنه لا يخفى تورط شريف مصطفى في التوزيع والإنتاج، وهو ما أصبح جليًا في الألبوم اللاحق «نقطة بيضا»، الذي تولى توزيع موسيقاه كليًا، والذي يلاحظ فيه التغير الأكبر في المسيرة الموسيقية للفريق، والذي كان للمفاجأة من أكثر الألبومات رواجًا في الساحل في صيف 2017.

في هذا الألبوم أصبح التنوع في طبيعة الأغاني أكثر وضوحًا، والتغير في النمط الموسيقي أكثر ثباتًا لاسيما في تجربة الموسيقى الإلكترونية، كما في أغنية «ليلى» و«ديناصور» و«نقطة بيضا»، استطاع الفريق أيضًا أن يجد طريقه لمزج الموسيقى الشعبية التقليدية بأسلوبهم الخاص كما في «السكة شمال في شمال» أو التعاون مع نجوم هذا اللون من الموسيقى كما في «الكيف» و«عم غريب». كتب أمير عيد كلمات تسع أغان في «نقطة بيضا» من أصل 11 أغنية.

خلال مسيرة كايروكي برز وانحسر دور الآلات الموسيقية المختلفة فمنذ ألبوم «ناس وناس» في 2015 أصبح الكيبورد والإلكترونيات بما فيها الطبول الإلكترونية أو «الدرام باد» اللاعبين الرئيسيين، بعزف شريف مصطفي المنتج والموزع الموسيقي للفريق الآن، بينما كان جيتار «شريف الهواري» الكهربي هو المسيطر في الفترة ما بعد صدور الألبوم الثاني للفريق في 2012 حتى صدور الألبوم الرابع في 2015 بعدما كان الجيتار الخشبي بعزف أمير عيد هو الآلة الأهم منذ بداية الفريق وليس فقط ضابطًا للإيقاع.

أما الألبوم الأخير، «أبناء البطة السوداء» الذي صدر في مارس العام الحالي، بسبع أغاني جديدة فقط، وهو العدد الأقل من بداية الفريق، فيعتبر الألبوم الثالث لكايروكي الذي يبتعد عن البوب روك بمفهومه التقليدي، فينتقل بين البوب والروك والموسيقى الإلكترونية والشعبي. وهو الألبوم الأول الذي يشارك فيه كل أعضاء الفرقة تقريبًا بالغناء. لم يتعاون الفريق في هذا الألبوم مع فنانين آخرين، كما كان الحال في الألبومات الثلاثة السابقة، باستثناء أغنية «حب حب» التي لم تضف شيئًا للألبوم، والتي تعاونوا فيها مع المغني والموزع حسام حسني، و الملفت أيضًا أن هذا هو الألبوم الثالث الذي لم يتعاونوا فيه مع زاب ثروت.

بذل شريف مصطفى جهدًا لا يستهان به في إنتاج الموسيقى كما في «يا أبيض يا أسود» حيث استخدم سنثات مركبة مع استغلال كل من الباص جيتار و الجيتار الكهربائي. تعتبر هذه أنجح تجارب الفريق بعد «السكة شمال في شمال» في أداء أغنية شعبية دون الاستعانة بفنانين آخرين سواء في الإنتاج أو الغناء، ميلوديا جذابة و طازجة على أذن المستمع.  وفي «كان لك معايا» يتبنون تركيبًا موسيقييًا جديد تمامًا على كايروكي باستخدام إيقاع ينتمي لجنرا (نوع) الراب، ثم يدخل مقطع متكرر من أغنية «أنساك» لأم كلثوم ما يعد شجاعة عالية من الفريق، نظرًا لهالة القدسية التي تحيط بالست، إضافة إلى مشاكل حقوق الملكية الفكرية التي قد تأتي لاحقًا.

في «أنا السيجارة» جاء أداء أمير عيد جيدًا ومتسقًا إلي حد ما مع جو الأغنية الشعبية، أما شريف مصطفى فأصبح يتقن الأورج الشعبي بعد عدة تجارب معقولة، لكن جاء لحن الأغنية مكررًا، وبدت وكأنها إعادة إنتاج لأغنية «الكيف» من الألبوم السابق.

هكذا يضم الألبوم الأخير لكايروكي، أغنيتين مؤدتين على طريقة الأغنية الشعبية، والتي ازدادت شعبيتها مع أواخر الألفينيات، وامتد تأثيرها، بعد 2011، لتخترق السوق الموسيقي الرسمي وحتى إعلانات التلفزيون. تأثر كايروكي وأمير عيد تحديدًا بهذا التغير، خاصة وهو يصرّح في أكثر من لقاء بأنه يعتبر أحمد عدوية من مطربيه المفضلين. وبدأ الفريق بتبني مسار للون الشعبي في 2014 بالإستعانة بعبدالباسط حمودة ثم بفنانين آخرين كطارق الشيخ في «الكيف»، ولاحقًا بإنتاج شكل جديد لأغاني روشة ذات طابع شعبي واضح.

خلال هذه السنين، تطور كلا من أمير عيد كمؤدٍ أساسي للأغاني وشريف مصطفى كموزع ومنتج للموسيقى، في الألبوم الأخير أصبح صوت أمير أكثر إتساقاً و خبرة في اللحن الشعبي كما في «السيجارة» و «يا أبيض يا أسود» كما أصبح شريف مصطفى أكثر إلمامًا بتنويعات الأورج أو «السنث الشعبي» والإيقاعات وكيفية تطويع آلات دخيلة على هذا النوع كالجيتار الكهربي والبايس. في المجمل، تأتي محاولات كايروكي الشعبية التي يصنعونها على طريقتهم مثل «السكة شمال في شمال» أو «يا أبيض يا أسود»، أكثر اتساقًا، من تلك التي يحاولون فيها تقليد مغنين شعبيين آخرين، مثل «غريب في بلاد غريبة».

الكلمات

يتشكل القاموس اللغوي للمغني المؤلف، كما في حالة كايروكي، من وعيه بنفسه وبالعالم. كايروكي ابن لحظة سياسية واجتماعية معيّنة، أنتجت وعيًا، وبسبب الظروف، غير مكتمل التبلور، منقطع عن ما قبله، فلم يختمر جيدًا بسبب سنوات تجريف التُربة أيام مبارك، وأيضًا لم يصل لتمام نضجه بسبب انقطاع الخيط فجأة في يونيو 2013. كايروكي شديد الإخلاص للتعبير عن هذه اللحظة. لم يتجه مثلًا لإنتاج أغانٍ خفيفة كشارموفرز، ولا للحديث عن تجربة شخصية، ولكنه مستمر في ربط نفسه بهذه الحالة، كمعبّر عن ذات جمعية بشكل ما، أو بمعنى أدق، الذات الجمعية لقطاع واسع من الشباب والمراهقين، والتي تشكلت خبرتها من هذه اللحظة. ذات في طور التشكّل، جنين في مراحله الأولى بلا ملامح مميّزة له كفرد. بدوره يعبر عنها كايروكي بشكل مطلق وبصفة عامة.

 قاموس كايروكي يعبر عن ذات مرتبكة، في لحظة توهانها وتخبطها. حتى الأغاني ذات صبغة «احلم وعافر» أقرب لشخص يقول الكلام لكي يسمعه لنفسه بصوت عالي، لأنه مرتبك حيال ما يريد قوله، فيرتد لأقرب نموذج مقبول ممتدح في ذهنه، وليس بالضرورة قادم من حكيم واثق ممتلىء بنفسه، لكن شاب يحاول، قدر الإمكان، أن يكون صالحًا.

حالة التعبير عن الارتباك والتوهان والقلق الداخلي ستصاحب الفريق طوال مسيرته: في أغنية «تايه» من ألبوم و«أنا مع نفسي قاعد»، يقول أمير: أصل أنا تايه وسط الأيام تايه مش لاقى مكان.. وكل يوم أقول بكرة البداية. وأيضًا حالة الشك والازودواجية كما في أغنية «يللا نغني» من الألبوم الأخير: «كرهت الأمل ولا هو عايش ولا بيموت، سألت نفسي كل الأسئلة البديهية، إنت مين إنت ليه جاي الدنيا ديّا، بتغني للشهرة فلوس ونجومية ولا صاحب قضية مصدّق فعلًا، في أغانيّ الإجابات كلها عكس ­عكاس، إجابة من دماغي والتانية بالإحساس، والتالتة متوسطنة على الميزان بالمسطرة». أو كما في أغنية «أنا الصوت» من الألبوم نفسه، والتي كتبها نور عبد الله: أنا العاقل أنا عكسي/ أنا المُبهج أنا المُزعج.

 

يولّد هذا الارتباك تصورًا عامًا وواسعًا، وفي أحيان كثيرة ساذجًا، عن النفس والعالم، ما يجعل قاموس كايروكي بسيط لغويًا، وصادقًا في الوقت نفسه، محتشد بكلمات مطلقة كالحرية والأمل وغيرها، عصارة أكثر الاستيتهوات والتويتات والتدوينات تشييرًا في لحظة معينة.

 تقع كلمات الفريق عادة في منطقة وسط بين تعبيرها عن قضية عامة بشكل بسيط مثل «فى وسط النفاق و الطمع .. طلع الجدع قال كلمته.. وهى دى كانت تهمته، ورا القضبان اتشد.. والتهمة كلمة حق» (ياما في الحبس مظاليم-ألبوم السكة شمال- 2014)، وبين كلمات تبدو ذاتية «نفسي أكسر الحواجز.. في مكاني متكتف وعاجز» (يعدي الصيف– ألبوم مطلوب زعيم 2011)، ولكن حتى الأغاني من هذا النوع، والتي تستخدم ضمير الأنا، فإن الذات فيها لا تعبر عن نفسها بوصفها شخص مُفرد، لكن بوصفها «حالة»، يمكن أن تنطبق على أي أحد.

 في إطار بحثنا، حاولنا البحث عن أكثر الكلمات شيوعًا في قاموسه. كلمة «حلم» مثلًا هي من أكثر الكلمات المتكررة في ألبومات الفريق، التي وصلت لأعلى درجات استخدامها في ألبومي «مطلوب زعيم» وألبوم «ناس وناس» . وكان من اللافت أيضًا أن نكتشف أن كلمة «الكلام» تتكرر بشكل مكثف في ألبومات الفريق، وهي بدورها تشير لمعنيين مختلفين، الأول عن التعبير والرغبة في أن يُسمع، أما المعنى الآخر، فيأتي بشكل سلبي ليدل على الرغي والهري الذي لم يعد يصدقوه من الأجيال الأقدم.

كايروكي ليس مثل فريق مشروع ليلى مثلًا، ونضعهما هنا في مقارنة، لأن بخلاف اشتراكهما في البداية بنوع الروك الموسيقى، فمشروع ليلى، يعبر أيضًا عن عن طائفة شباب واسعة، لكن رغم أنها أكبر من شريحة كايروكي جغرافيًا، تمتد للمنطقة العربية كلها، إلا أن قاموس «ليلى» يستخدم كلمات أكثر ثقة، أكثر وضوحًا وتحديدًا، نابعة من وعي أكثر تبلورًا ونضجًا، تجعلهم أكثر جرأة في وضع بصمة شخصية: كان بودي خليك بقربي، عرفك عأهلي وتتوج لي قلبي، أطبخ أكلتك، أشطف لك بيتك، دلع ولادك، أعمل ست بيتك (شم الياسمين– ألبوم مشروع ليلى- 2009). وفي التعبير بكلمات ومواقف أكثر تحديدًا: بعده قاعد بمحله، يعده مسمر ماسك فرده، شعره مزبط هيدا همه، يا عكروت يا شرموط وينك رايح يا زنتوت. (عالحاجز– ألبوم مشروع ليلى-2009).

قاموس كايروكي قاموس مشذب خارج من قاموس الطبقة الوسطى المتعلمة القاهرية، ينتمي لفترة تنامي الأجواء الثقافية الخفيفة التي ميّزت فترة ما قبل الثورة مباشرة وما بعدها مباشرة، ودخول الإنترنت. تأتي محاولاتهم للغناء بالطريقة الشعبية، تحديدًا عند تعاونهم مع مغني كطارق الشيخ، أقرب لنسخة عن نسخة، أكثر منها أغنية أصلية، خارجة بشكل طبيعي منهم، ولا تخلو من محاولات فكاك من القاموس المنمق ولكنها تلف وتعود له في المحصلة الأخيرة.

ومثل موسيقى كايروكي، نلاحظ نضوجًا في قاموسهم من الألبوم الأول للأخير، الذي نعثر فيه هو والألبوم السابق «نقطة بيضا» على محاولات للنقد الذاتي، مثل أغنية «أنا الصوت» والتي تحوي سخرية على كلمات الأغاني الإعلانية التي غنوها هم أنفسهم في مراحلهم المبكّرة: إنت جامد إنت تقدر، دنيا حلوة عبي غنوة اعمل فلوس اعمل Views ، احلم وطرمخ على الكابوس بيبعوا لك الهوا،  بيحطوا السم في الدوا. أو أغنية «هات لنا بالباقي لبان» ذات الأجواء العدمية.

رغم النضج النسبي، لم يبرح كايروكي  بعد منطقة التوهان والأسئلة التي مازالت بالنسبة لهم في منطقة عدم الحسم، مستمرين في تمثيلهم لذات جمعية، لم تحسم بدورها الأسئلة التي طُرحت نتاج الحراك السياسي والاجتماعي الحاصل: شايل من زمان أنا في قلبي ألف سؤال، أسئلة كتير والضمير بيأكل ويأنب.. وقعت في بير ، بنده وصدى صوتي مغطي عليّا. (يا أبيض يا أسود- أبناء البطة السوداء-2019). 

بطة سوداء أم بيضاء؟

كايروكي من الفرق الناجية.

لا نتكلم على مستوى تطويرهم المستمر لموسيقاهم وكلماتهم، أو اتساع شريحة جمهورهم بشكل مضطرد،  لكنهم من الفرق الناجية، إلى حد ما، في علاقتهم بالدولة المصرية، في أيام مبارك أو أيام السيسي، ليس عن طريق إعلان ولاءهم، أو تقديم تنازلات مثلما فعل فريق مسار إجباري والذي غنى لحث المواطنين على المشاركة الإيجابية في استفتاء الرئاسة  عام 2018، أو فريق بلاك تيما والذي قدّم أغنية دعائية لمؤتمر الشباب؛ فقط هم لا يجعلون أنفسهم في مرمى النيران، بمواجهة عنيفة. لكن رغم ذلك لن تتركهم الدولة في حالهم.

بدأت مناوشاتهم مع الدولة  حتى قبل حراك يناير، فمثلًا في مهرجان الكوربة 2010، جرى تحذير الفريق من غناء «سلام يا مان» لأنها تحوي جملة: الواد جمال بقى اسمه جيمي. وذلك خوفًا من أن تُفهم تلقيحًا على جمال مبارك.

في 19 يناير 2011، عندما سيصدر الفريق أغنية على يويتوب باسم «ساكتين ساكتين» كرد على مهزلة انتخابات برلمان 2010، ستُحذف في اليوم التالي مباشرة. وفي ألبوم «السكة شمال»، الذي صدر أوائل عام 2014، ستعترض الرقابة على أغنية «نفسي أفجّر» بدعوى تشجعيها على الإرهاب قبل أن توافق على تمريرها. كان بالألبوم درجة غضب كبير على ما آلت إليه الأوضاع السياسية. في حوار مع عيد، أجرته ياسمين زهدي في أهرام أونلاين، عقب صدور الألبوم، قال: كان من المشين أن هناك أناسًا يحتفلون بالتحرير، بينما آخرون يُقتلون في  اشتباكات في كل أنحاء البلاد. شعرنا أن علينا التعبير عن موقفنا. كان من المهم بالنسبة لنا، أن يعرف الناس أننا لسنا خائفون من الكلام، وأننا لم ولن نتغير.

لكن في 2017، وبعد استقرار نظام السيسي سيكون أول اصطدام جدي لكايروكي مع الدولة الجديدة.

أرسل الفريق كلمات ألبوم «نقطة بيضا» للجهات الرقابية للموافقة عليه، رفض الجهاز أربعة أغان وهم: ديناصور، آخر أغنية، هدنة، السكة شمال في شمال، لم يناقِش جملًا معينة فيهم، وإنما رفضهم في مجملهم. مرة أخرى لعب كايروكي بطريقته، لم يصطدم اصطدامًا عنيفًا يجعله يخسر كل ما له وما عليه، ولم يخضع تمامًا. بحث عن طريق ثالث، فأتاح الألبوم كاملًا مجانًا على يوتيوب وساوند كلاود، وأتاحه للبيع إلكترونيًا. عدّى الموقف، لكن رفض الجهاز أن يغني الفريق الأربعة أغان في حفلات حيّة.

ليس معنى قرار الفريق بعدم المواجهة العنيفة، أنهم لا يقرأون المشهد جيدًا. في حوار له مع «مدى مصر»، في 2017، قال أمير عيد واصفًا أجهزة الدولة: هذه الشبكة المعقدة بأكملها موجهة لتدميرك أوتوماتيكيًا حالما تبلغ حدًا معينًا للنجاح دون الحاجة للتدخل الواعي من أي شخص. وفي الحوار نفسه صرّح عيد أنه يظن أن الغرض الحقيقي من الجهاز هو إخفاء الفنانين الذين لا تفضلهم الدولة. «لديك ملايين المستمعين إلى موسيقاك والمشترين لألبومك، لكنهم يريدون إبقاءك في تلك الزاوية، لتظل مجرّد فريق صغير يحاول أن يعتلي سلم البقاء» هذا قبل أن يشرح ملخص فلسفته في التعامل مع الدولة:«لكننا غير مهتمين بأن نكون ضحايا، ولا نرغب في هدر وقتنا وطاقتنا في محاربة أشباح. نحن نرغب فقط في الاستمرار في صنع الموسيقى كما فعلنا دائمًا».

في العام نفسه، تعرض كايروكي لسلسلة من إلغاء حفلاته الموسيقية، أهمهم حفلة «كايروكي إمباير» في كايروفيستفال التجمع الخامس التي بيعت كل تذاكرها وجاء قرار الإلغاء قبل أيام من موعد الحفل لأسباب أمنية، ثم يعلن الفريق أن الحفل سيكون في فبراير 2018، ثم يتم تأجيله مرة أخرى، حتى يتمكنون من إقامة حفلتهم في مايو 2018، في كايرو فيستيفال، لكن أتبعتها بحفل آخر في أكتوبر نفس العام، في قاعة المنارة التابعة للقوات المسلحة.

يحافظ كايروكي على موقعه كمعبر عن أوسع طائفة من شباب الطبقة الوسطى بمصر. تزيد قاعدته الجماهيرية يومًا بعد يوم، ولولا أن التقسيمة التقليدية لأنواع الموسيقى في مصر تجاوزت، أو في طريقها لتجاوز تقسيمة مين استريم- فن بديل، لقلنا إن كايروكي أصبح بالمفهوم التقليدي للمين استريم مين استريمًا. وبعد شريحة الشباب الذين كانوا في أوائل عشريناتهم وقت يناير، تتكوّن الآن النواة الصلبة لجمهور كايروكي الحالي من المراهقين بشكل أساسي. أيضًا اتسعت القاعدة الطبقية للفريق، لتمتد للشريحة الأولى للطبقة المتوسطة، وحتى للشرائح الأعلى من الطبقة الفقيرة. لا نعرف كيف سيصمد الفريق في مواجهة تضييقات الدولة؟ لكن من بروفايله نستطيع التخمين أنه سيحاول إيجاد طريقة ما، للتواجد، بدون تنازلات مخجلة ولا صدامات عنيفة في الوقت نفسه.

في المحصلة، لا يريد كايروكي أن يكون ابنًا للبطة السودا، يخاف من أن يصير مختلفًا جدًا، أو تجريبيًا جدًا. ليس نحتًا لكلاسيك المين استريم، وليس خيارًا راديكاليًا، لكنه يلعب في المنطقة الوسط. مشغول بالوصول لشرائح أوسع، لكن في الوقت نفسه لا يرغب في أن يكون ابنًا للبطة البيضا على طريقة مؤتمر الشباب، ومثلما قالها أمير عيد نفسه: عادي عادي عايشها في النص رمادي.

اعلان
 
أحمد الصباغ 
أحمد رحال 
ليلى أرمن