مدخل شخصي للفجر في الخصومة

1

عند خروجي من السجن، تلقيت التهنئة مرارًا و تكرارًا على خروجي في صحة جيدة. ربما تعبر تلك اللفتات عن إحساس بالراحة لعدم تطابق الواقع مع تصور مسبق أن السجون بالضرورة مدمرة للصحة، أو هي مجرد محاولة للبحث عن أي إيجابيات يمكن اﻹشارة إليها. أيا ما كان، لا مانع لدي في اعتبار عبوري المحنة بأقل خسائر جسدية إنجاز استحق عليه التهنئة. لم يكن الأمر سهلًا، بل استدعى جهدًا وقلقًا وتكلفة وتركيزًا وانتباهًا يصل لدرجة الهوس.

لا يخلو الأمر في عالمنا الرقمي من كارهين عبروا عن استيائهم لخروجي في صحة جيدة. هؤلاء بالتأكيد لديهم تصور مسبق أن الغرض من السجون هو تدمير الصحة. أفزعتني كلمات لا من تمنى لي الأذى واستنكر عليّ الصحة، وإنما من اعتبر حالتي وقت الخروج دليل على كذب الحديث عن تدهور حالة مساجين آخرين. صدمتني تحديدًا تدوينات تربط بيني وبين عبدالمنعم أبوالفتوح. في أي سياق غير السجون، هل يمكن اعتبار جسد في عقده الرابع مكافئ لجسد في عقده السابع؟ من منا لم يعرف أجسادًا تتباين في حالتها الصحية؟ فهذه العمة تصاب بالحساسية في الربيع، وهذا الجد تشتد عليه الآم الروماتيزم في الشتاء، وهذا الطفل كثير المرض بينما أخته نادرًا ما تمرض. حياتنا اليومية مليئة بتفاصيل كهذه. من المسلم به أن أجسادنا متباينة، ولكل جسد صفاته وخصائصه وتاريخه. لم يصدر عن أسرتي طوال 60 شهرًا أي كلام عن حالتي الصحية، بينما تحذر أسرة أبوالفتوح ومحاميه من خطورة حالته من اللحظة الأولى. إن أضفنا عامل السن وتأثير الحبس الانفرادي، تصبح المقارنة بلا معنى بالمرة. ما أن  يُحجب المرء خلف أسوار السجن، يتحول إلى جسد مقولب بلا تاريخ ولا خصائص ولا احتياجات متفردة، مثله مثل كل المساجين، وينتفي تمامًا أي تأثير لصوته وما يحكيه الصوت عن الجسد.

2

في هذا اليوم المشهود، انخفضت درجة الحرارة ليلًا وانخفض معها نشاط الحشرات الزاحفة في الكشك الملحق بقسم الدقي الذي أقضي عقوبة المراقبة فيه. استغرقت في نوم عميق بعد صعوبات دامت أسبوعان. استيقظت مبكرًا بدون تعب، بدأت تمارين الصباح بنشاط، خرجت من كشك عزلتي متجهًا للحمام متفائلًا باليوم الجديد. أحاول تعويد نفسي على تجاهل تفاصيل الحياة في قسم شرطة. لا أريد معرفة ما يدور حولي، فقدت فضولي تمامًا فيما يخص الدولة المصرية وخصوصا أجهزتها المتسيدة على أجسادنا. وبينما يحاول ذهني جاهدًا تجاهل ما يدور حولي، أدرك جسدي خللًا ما وبدأت عضلات كتفي في الانقباض. بعد أقل من ساعة كان موعد إطلاق سراحي. توجهت بشكل تلقائي لسيارتي أحمل على كتفي المنقبض فرشتي التي أتنقل بها طوال اليوم. لمحت عيناي استنفارًا أمنيًا وأسلحة آلية مشرعة ومدرعات. تجاهل عقلي التفاصيل لكن قلبي انقبض، وتطور التشنج حتى رقبتي. بصعوبة، قدت السيارة إلى وجهتي القريبة، أحل ضيفًا على الفطور في منزل كثير الأطفال والبهجة، لكن آلام جسدي تحرمني من المشاركة بفاعلية. بعد ساعتين، أنتبه أخيرًا إلى عشرات الرسائل من أصدقاء قلقين علي، بعضهم يحذرني من الحديث أو التعليق أو الكتابة أو البوح. شيء ما حدث أثناء عزلتي واحتجازي، شيء ما يخصني؟ يخصنا؟ على من يعود الضمير؟ أهل؟ أصدقاء؟ رفاق الثورة؟ ألق نظرة سريعة على تويتر. مات محمد مرسي! يدرك عقلي أخيرًا ما أدركه جسدي منذ الفجر.

أنفر من اللغة الرسمية للمواقع الاخبارية، لكن عبر مواقع التواصل الاجتماعي تداهمني سجالات ونقاشات حول تقييم انتخابات 2012 ومظاهرات 2013 ومواقعنا منها. أريد أن أصرخ فيهم، في أصدقائي، في رفاقي، القصة ليست عنا يا أغبياء، لكن جسدي يصرخ في.. ربما، ولكن هناك قصة ما عنك مطبوعة على جسدك، والقادم مرعب، والمستقبل مقبض.

3

أول درس تتعلمه في السجون، لا تمرض. الهاجس سيتملكك أيا كانت حالتك الصحية وظروف حبسك. لا لأن السجون المصرية مليئة بأناس غلاظ القلوب بلا رحمة، بالعكس قد تجد مساحات تراحم تتخطى مخاوفك وتوقعاتك. أخطر ما في السجون في مصر البيروقراطية الشديدة والبارانويا المفرطة. يتطلب العلاج أو الجراحة إجراءات طويلة وبطيئة تبدأ أولًا بإقناع سجانيك أنك لا تكذب ولا تتحايل ولا تتمارض. طبيبك غالبًا ضابط أو ابن ضابط، وفي النهاية لن يكتب تقريره الطبي بدون الرجوع لرئيس المباحث والمأمور، لأن قرارات النقل لمستشفى أو توفير علاج أو إجراء جراحة أو حتى عمل تحاليل تخضع لاعتبارات أمنية ولوجيستية وبيروقراطية تفوق في أهميتها صحتك.

الكارثة الكبرى إذا حدث طاريء ما أثناء الليل بعد غلق السجن. لا يملك المسجون وسيلة لتنبيه سجانيه إلا الصراخ. الطرق على الأبواب الحديدية أسهل وسيلة لإحداث ضجة كفيلة بلفت انتباه سجان نائم، لكن الطرق على الأبواب مخالفة جسيمة لارتباطه غالبًا بتمرد المساجين. لا يهم إن كان زميلك يحتضر، يمكنك الصراخ وربما يصل صوتك، أو حاول أن تسعفه بنفسك. إذا مات، لن يحاسب أحدًا. لكن إذا طرقت على الأبواب ستعاقب أنت وكل نزلاء العنبر. إذا نجحت في لفت انتباه السجان، ستمر دقائق طوال حتى يتسلم السجان المفاتيح، وستمر ساعات طوال يتفحصك فيها مخبرين و«شوايشية» وسجناء في محاولة لتشخيص خطورة الحالة وهل تستدعي إيقاظ الضابط المقيم (والقائم بأعمال المأمور في غيابه)، ثم انتظار أن يقرر الضابط المقيم إن كان الأمر يستدعي التصعيد والاتصال بالمأمور ورئيس المباحث، وبدورهم عليهم أن  يحسموا إن كان الأمر يستدعي تنبيه قيادات أعلى حتى نصل أخيرًا لمحطة اتخاذ قرار بانتقال طبيب من أقرب مستشفى تابع لمصلحة السجون إلى السجن المغلق. ربما يتصادف ملائمة تخصص الطبيب وخبرته للحالة الطارئة، وربما تكفي إمكانيات عيادة وصيدلية السجن للتعامل معها. نظريًا، إن لم تتحقق تلك المصادفات، يمكن تصعيد الأمر لقيادة ما بغرض نقل الحالة الطارئة لسجن بمستشفى مجهز أو لمستشفى خارجي. لكن قرار النقل معقد لدرجة أنه أثناء 60 شهرًا قضيتها في السجون، لم اسمع عن حالة واحدة نقل فيها مسجون إلى غرفة عناية مركزة ليلًا. لكن سمعت عن -وشهدت- حالات وفاة عديدة.

لا يعزل عبدالمنعم أبوالفتوح وأحمد دومة في زنازين انفرادية كوسيلة للعقاب المغلظ أو بغرض تدمير صحتهم وعقولهم. بالعكس، من منظور قيادات مصلحة السجون، هؤلاء نزلاء مرفهين وفرت لهم ظروف أفضل من عموم المساجين. الغرض من العزلة أساسًا حماية إدارة السجن وقيادات مصلحة السجون وضباط الأمن الوطني المسؤولين عن «العناصر اﻹثارية» من المسائلة في حال ظهر اتهام بأن المسجون السياسي الفلاني اتصل بوسيلة ما بالخارج. يتملك الهوس بمنع الاتصال بعالم خارج الأسوار تمامًا من القائمين على السجون رغم نص اللائحة صراحة على حقوق الزيارة والاتصال والمعرفة والتواصل. لم يثبت أبدًا، ولا منطق أصلًا، في فكرة إدارة تحركات سياسية من داخل السجون، لكنها فرية منتشرة وسط أبواق  السلطة وفضائياتها. وبالتالي، قد تحاسب السلطة رجالها على أساس تلك الفرية. لذا يحتاط رجال السلطة بمنع الاتصال. لا يهم إن كان الخطر حقيقيًا أم لا، ولا يهم أثر تلك اﻹجراءات الاحترازية على صحة المساجين. المهم إرضاء القيادة السياسية وحماية المنصب والنفوذ.

كان هذا المنطق حاضرًا في مصير محمد مرسي. فحالته الصحية، وفقًا للتقارير الرسمية، لا يحددها نتائج تحاليل وإشارات حيوية يبثها جسده، ولا يحددها طبعًا سرده هو لآلامه وأوجاعه. حالته الصحية تقرر رسميًا يوم ظهرت تقارير إعلامية تتحدث عن أكله البط والعكاوي في زنزانته. ما أن انتشرت تلك القصة، صار اﻹنكار المسبق لأي مشاكل صحية سياسة رسمية، وصار مستحيلًا على أي فريق طبي خاضع لأوامر الدولة أن يقر بعكس ذلك. لو أرادت رئاسة الجمهورية معرفة الحالة الصحية الحقيقية للرئيس السابق، قد يستدعي الأمر استيراد فريق طبي أجنبي من بلد محايد، فالطبيب في السجون يستأذن المأمور ورئيس المباحث قبل كتابة التقرير.

4

لم يكن هذا اليوم استثنائيًا. ورغم أن قسم الشرطة يستنفر لأسباب قد لا تبدو منطقية للمدنيين أمثالي (كخروج المنتخب من بطولة إفريقيا)، إلا أن الحدث هذه المرة لم يسترع انتباه الجهات السيادية، فالفقيد لم يكن رئيس جمهورية. لا أتذكر لحظة قراءة الخبر أول مرة، غالبًا في الصباح المبكر، تجاهلته في محاولة لتجاهل كل الأخبار المقبضة، لم أركز في هوية الضحية. ولكن على نهاية يومي، وأنا في الطريق لتسليم نفسي مجددًا لقسم الشرطة، بدأ الألم في عضلات الفخذ بعد ليلة عصيبة نمت فيها نومًا متقطعًا بحثًا عن وضع مريح لجسدي ثم نهار مشحون بمشاوير تزايدت معها صعوبة قيادة السيارة. انهارت مقاومتي ولجأت للمسكنات. في اليوم التالي أخيرًا، تركت لذهني العنان مع أخبار الدفن وإدراكي للعلاقات المتشابكة والمتقاطعة مع عمر عادل، الشاب الذي انهار قلبه بدون أي تاريخ مسبق مع المرض بسبب استحالة التنفس في زنازين التأديب بسجن طره تحقيق. تذكرت ليلة قضيتها في نفس عنبر التأديب عندما كان عمري 25 عامًا، مثل عمره. كانت محاولة لكسر إضراب جماعي عن الطعام على ما أذكر. تذكرت خطبة جمعة قادها نزيل زميل افتتحها بأن وجودنا في السجن يعني أننا نمر بأصعب تجربة بعد القبر. زنازين التأديب كالقبور فعلًا لا مجازًا. وكأن عمر دفن حيًا.

5

نجوا جميعًا من أبشع مقتلة. قضوا أربع ليالٍ من الرعب بدأت بالتشوين في استاد القاهرة الدولي وتخللها التنقل بين أماكن احتجاز مؤقتة عديدة. داخ أهاليهم بحثًا عنهم بين الجثث في المشارح والمستشفيات الرسمية و الميدانية. كانت لحظة اكتشاف اعتقالهم وقرار نقلهم إلى السجن مصدر راحة للجميع. حياة السجن قاسية لكنها، نظريًا على الأقل، مستقرة وآمنة في لحظة فوضى عارمة حلت بالبلاد. السجن أفضل من الخوف من مصير غامض. والمهم أنهم نجوا من المقتلة. بقي لهم محطة واحدة فقط في رحلة الأهوال. ترحيلة واحدة من قسم شرطة مصر الجديدة إلى سجن أبو زعبل العسكري، وبعدها يمكنهم أن يستريحوا. لم يتصور من حضر فض رابعة أن بانتظاره أسوأ مما شهد.

تنفرد محرقة سيارة ترحيلات أبو زعبل بوضوحها وغياب اللبس عنها. قرار إطلاق قنبلة غاز مصممة لتفريق تجمهرات كبيرة في أماكن مفتوحة تجاه مساجين مقيدي الحرية، محيدي الخطورة، محشورين في عربة مغلقة يبدو قرارًا صريحًا بالقتل. لكن الحقيقة أن ما حدث بدأ بلا أي قرارات على الاطلاق. مجرد سلوك عقيم يعرفه كل من عاش تجربة الانتقال بسيارات الترحيلات. أي ترحيلة لمساجين يتخللها فترات انتظار طويلة بلا داع وطبعًا بلا تفسير. تُستدعى لحضور جلسة مثلًا، إن لم تكن تعلم بها مسبقًا غالبًا لن يخطرك أحد بوجهتك. فقط سيصدر أمر بنقلك لقفص معد خصيصًا لانتظار الترحيلات. غالبًا يطول الانتظار رغم تواجد السيارة ربما لأن قوة التأمين لم تكتمل بعد. بعدها تصعد أخيرًا للسيارة وتغلق أبوابها، لكنها لا تتحرك لفترة، ربما لأن موظف ما تأخر في تحرير محضر ما في مكان ما. ثم تتحرك قليلًا وتتوقف فجأة ربما أمام سجن آخر. بعد ساعة قد يصعد زميل إن سألته سيقسم أنه جاهز وينتظر السيارة منذ ساعات. وهكذا يتكرر الأمر إلى ان تصل وجهتك، وبعدها تنتظر لفترة. ربما يشرب السادة الضباط الشاي، لا أحد يعرف، لكن المشهد معتاد. كثيرًا ما يصل المساجين بعد انصراف القضاة. لا يهم، أنت مسجون ووقتك ليس ملكك وأصلًا وقتك لا قيمة له. نفس المنطق البيروقراطي الذي يعطل إنهاء أي معاملة حكومية ويحولها لمشقة ممتدة بلا داع ولا تفسير. الفارق أنك مقيد الحرية في صندوق معدني خانق بلا فرصة للراحة أو الانسحاب.

تركت سيارة الترحيلات في هذا اليوم تحت شمس أغسطس لأربع ساعات على الأقل. أكثر من  40 جسدًا مكدسًا في مساحة لا تحتمل نصف عددهم بلا تهوية ولا ماء ولا سبب ولا منطق ولا داع. كانوا بالفعل داخل منطقة السجون. لكن وصول جسد إلى مكان ما لا معنى له طالما لم يلحق بالجسد مجموعة الأختام واﻹمضاءات الضرورية ليتحول الوجود المادي لحقيقة رسمية. قطعًا كان بإمكان الضباط المرافقين للترحيلة أو ضباط السجن إنهاء معاناة السجناء بإنزالهم من السيارة أو حتى فتح الأبواب وتوفير شربة ماء، أو برفض الانتقال بسيارة مكدسة فوق طاقتها أصلًا، أو برفض الحركة قبل انكسار الحر، أو بإنهاء الإجراءات بشكل عاجل، أو بخيارات أخرى تبدأ أصلًا بالتخلص من أسطول سيارات الترحيلات السويسرية العجيب هذا واستبداله بوسائل تنقل طبيعية و آدمية.

لكن الشرطة أصلًا غير مكلفة باحترام احتياج أجساد البشر، حتى الاحتياج للهواء والماء والراحة – بدليل التعنت الشديد في إدخال مراوح أو ثلاجات للمساجين كل صيف وقطع المياه عن المساجين نصف اليوم بشكل دوري، الشرطة مهمتها هي منع الهروب ومنع الاتصال بالعالم الخارجي فقط. يحاسب الضابط على مدى سيطرته على أجساد المساجين فقط.

لا يمثل قرار إطلاق قنبلة غاز على سيارة مغلقة للسيطرة على مساجين يصرخون بسبب عدم قدرتهم على التنفس استثناء رغم بشاعته. القنبلة أطلقت بعد أن بدأت المحرقة بساعات، والمحرقة لم تكن بقرار وإنما فقط تطبيق لعرف سائد وسياسة راسخة لا تسمع من صوت المسجون إلا غثاءً، ولا ترى من جسده إلا جمادًا. إن ادعى مسجون أنه يحتاج للتنفس مثله مثل سائر الكائنات الحية، فهو بالتأكيد يكذب.

أغلبنا يعتبر الحكم بخمس سنوات سجن على نائب مأمور قسم مصر الجديدة والحكم بسنة مع إيقاف التنفيذ على ثلاثة ضباط في جنحة بسيطة مثالًا ﻹهدار العدالة. أغلب رجال الداخلية توافقنا، ففي نظرهم هذا حكم ظالم شديد القسوة ضد رجال التزموا بمهام وظيفتهم على أكمل وجه.

6

لم أنتبه للحدث لحظة وقوعه هذه المرة، نبهتني إليه نشرة «مدى مصر» في اليوم التالي. خبر عن محاولة هروب في سجن الصف العمومي عن طريق إشعال النيران في البطاطين بأحد العنابر. تملكني غضب عارم وفقدت التحكم في ردود أفعالي. صرخت في صديقة معترضًا على نقل صياغة النيابة العامة والمصادر الأمنية كما هي بلا مُساءلة. حرق البطاطين لا يساعد على الهروب. غالبًا محاولة تمرد بعد سخط على الأوضاع وانغلاق كل سبل الحل. ماذا يملك المسجون غير جسده وفرشته؟ لا مجال للعصيان إلا بحرق الفرشة أو أذى الجسد طالما أن الشكوى لا تسمع، والصوت لا يصل.

تهمة محاولة الهرب دارجة رغم أن محاولات الهروب فعليًا نادرة. تدرج التهمة كوسيلة ردع لتغليظ العقوبة بصفتها من أكبر الجرائم التي يمكن أن يرتكبها مسجون. وتسمح ﻹدارة السجن بتبرير استخدام عنف مفرط وتسهل عملية التخلص من سجين مشاكس، إما بتغريبه لسجن نائي أو نقله لسجن شديد الحراسة.

الصحفيون لهم زملاء وأحباب في السجون، وطالما أبدوا تعاطفًا وتضامنًا. المسألة ليست في اختيار انحياز مناوئ ولكنها السجون نفسها. ما إن تحجب وراء أسوارها وتنفى إرادتك، ينفي أيضًا صوتك. وطبعًا بما أنك منعدم الأهلية رسميًا، تتراجع الثقة في أهليتك شعبيًا حتى يصير أمرًا طبيعيًا أن تنقل الصحافة خبرًا عن محاولة هروب غير منطقية ومستحيلة النجاح بدون أي اهتمام بمتابعة تبعات الأمر على أجساد السجناء.

7

مات محمد مرسي أثناء محاكمته في قضية متفرعة من مسألة فتح السجون في الأيام الأولى للثورة. تتمسك الدولة بسردية عبثية عن مؤامرة قامت بها حفنة عناصر من حماس وحزب الله بمشاركة اﻹخوان المسلمين لتهريب معتقليهم وإطلاق سراح المساجين لبث الفوضى والرعب في أنحاء البلاد، وتقويض النظام والسلم. يتمسك قطاعًا واسعًا من جمهور الثورة ومعارضي السلطة بسردية بديلة (لا تقل عبثية) عن مؤامرة قامت بها الداخلية بفتح السجون لتهريب المجرمين الخطرين وإشاعة الفوضى والرعب في البلاد لردع الثورة. تستند السرديتان على فرضية أن المسجون لحظة إطلاق سراحه يتحول لوحش كاسر سرعان ما يبدأ في سلسلة من جرائم القتل والنهب والاغتصاب.

لا تتناقض تلك الصورة مع واقع السجون المصرية وتركيبة المساجين وتشكيلة التهم الغالبة عليها فقط، بل تتناقض مع أبسط قواعد المنطق. فكل مسجون في النهاية سيطلق سراحه آجلًا أم عاجلًا، بل أغلبهم سيستفيد من قواعد اﻹفراج الشرطي وسيفرج عنه قبل إتمام مدته كاملة. بديهيًا ندرك أن ما يصل للمحاكم هي نسبة من الجرائم المرتكبة، ونظام العدالة المصري معروف بتفشي ظاهرة الأحكام الغيابية وعجز الأجهزة الأمنية أو تجاهلها تنفيذ الأحكام. منطقيًا مفترض أن ندرك جميعًا أن مجتمع السجون لا يشكل إلا عينة صغيرة من المجرمين وفي أي لحظة زمنية يكون الطلقاء من المجرمين “الخطرين” أكثر من السجناء. وفي الوعي الشعبي، نعلم علم اليقين أن «ياما في الحبس مظاليم». ومع ذلك، شيطنت كل الأطراف المتصارعة المساجين الهاربين في لحظة ثورة عارمة وصل فيها السخط الشعبي ضد هيئات الأمن مداه.

لم أدرك أثر تلك الشيطنة إلا بعد عودتي لسجن طرة تحقيق في خريف 2011، وملاحظة آثار الرصاص الآلي على كل الجدران والأسوار الداخلية. مثل أغلب سجون مصر وفي سلوك نمطي متوقع ومتكرر عبر التاريخ محليًا وعالميًا، تفاعل السجناء مع ما يصلهم من أخبار العصيان والتمرد والثورة خارج الأسوار بالعصيان والتمرد داخل الأسوار. وصل التمرد ذروته بعد بث خبر فتح سجن أبوزعبل على الراديو. حطمت أبواب العنابر وتحرر السجناء جزئيًا. في منطقة سجون طرة، استعادت قوات الأمن السيطرة من خلال إطلاق الرصاص الحي من أبراج المراقبة بكثافة وعشوائية. قُتل عشرات المساجين أثناء السيطرة على التمرد. حُكم السجن لأيام من الأبراج، استخدم فيها الرصاص الحي كأداة الردع الوحيدة. ظل المساجين معزولين عن العالم بلا طعام ولا أدوية ولا مياه لأيام طوال.

لم يكن حظ الخارجين من سجون فتحها الأهالي عنوة أفضل كثيرًا. واجه الهاربون من وادي النطرون دوريات مدرعة ومروحيات حصدت أرواحهم حصدًا. من نجى منهم (بالاختباء تحت جثث زملائه مثلا)، تولت أمره اللجان الشعبية المستنفرة لحماية البيوت من رعب المجرمين الهاربين الخطرين حاملي فيروس الفوضى. سعيد الحظ من تسلمه الجيش بعد حفلة تنكيل ليواجه محاكمات عسكرية.

قابلت أحد الخارجين من سجن فتحه حراسه (غالبًا لعدم استعداد الضباط لفرض سطوتهم على المساجين في ظل وضع أمني وسياسي منهار، وبعد انقطاع الاتصال مع قياداتهم وتوقف الإمدادات). نصح السجناء بتسليم أنفسهم لأقرب تمركز عسكري. واجه من اتبع تلك النصيحة الأهوال أثناء تجميعهم وتشوينهم ونقلهم لسجون عسكرية وأماكن احتجاز مؤقتة غالبًا في سيارات نقل مدنية غير معدة لنقل البشر. هلكت أعداد غير معروفة أثناء رحلة الأهوال تلك. هكذا تزامن مشهد دخول محمد مرسي الدراماتيكي لمسرح الثورة لا مع مكالمة بهاتف ثرية لقناة الجزيرة (تفصيلة تافهة تشكل لسبب غامض لب المؤامرة المزعومة)  إنما مع مذابح واسعة لسجناء لم يهتم بأمرهم أحد إلا ذويهم.

8

في كل شتاء منذ الاعتقال أكون عرضة لآلام في العضلات والمفاصل في الجانب الأيمن من جسدي. قد تظهر الأعراض في جزء معزول (غالبًا الكتف) أو تمتد من القدم للرقبة ثم تتراجع مع تأقلم الجسد مع برد الشتاء. أعرف أن جذور آلامي هذه في ليلة الاعتقال. بعد اقتحام المنزل بقوات خاصة مدججة بالسلاح والملابس الواقية للرصاص، وبعد سرقة أجهزة الموبايل واللابتوب، وبعد الاعتداء على زوجتي بالضرب، وبعد ضربي وسحلي، انتهى بي المطاف ملقى على بلاط بارد في مكان مجهول. كنت حافي القدمين لا أرتدي إلا بيجامة خفيفة. قُيدت يداي من الخلف وعُصبت عيني بقماش قذر. قضيت الليلة اتقلب بحثًا عن وضع مريح. خاصمني النوم، لكني أنهكت واستسلمت راقدًا على جانبي الأيمن. تسرب برد ورطوبة الخريف إلى عظامي. بعد حوالي 12 ساعة، وجدت نفسي أمام وكيل النائب العام، وعرفت أخيرًا أنني في مديرية أمن القاهرة. أصريت على التحقيق معي كمجني علي أولًا، وبالفعل أثبت المحقق آثار الدماء والتهاب العين وسجل مظهري العام، وشكواي بالاعتداء والسطو المسلح (لغياب إذن بالتفتيش من النيابة)، ثم أرسلني للطب الشرعي. لكن طبعًا لم يُستدعَ أي من أفراد قوة الضبط للتحقيق معهم ولم توجه اتهامات إلا لي ولزملائي.

بعد التحقيق، نُقلت إلى سجن ليمان طرة. عند دخول مسجون جديد إلى السجن، يحرم من الزيارة لمدة 11 يومًا «إيراد». جاء الشتاء هذا العام مبكرًا مصحوبًا بموجة صقيع، وانتشرت صور البرد والثلج الذي هبط على طرقات القاهرة. حتى بعد السماح بالزيارة، تعنتت اﻹدارة في إدخال الملابس الدافئة بحجة مخالفتها للوائح. النتيجة أن الرعشة التي أصابتني من النوم على البلاط البارد في المديرية استمرت معي أغلب الشتاء. لم تختف تلك الرعشة إلا مع خبر تفجير المديرية. خيل إلي فجر هذا اليوم أني سمعت الانفجار واستيقظت فزعًا في الفجر. ثم شعرت بالدفء أخيرًا.

الآن تعود آلامي في ذروة حر الصيف متزامنة مع أخبار أجساد من لا يزالون في السجون. ربما لم أخرج من التجربة بكامل صحتي مثلما يظن الأصدقاء والأعداء.

9

تسمى فترة الحرمان من الزيارة «إيراد»، وتقضيها غالبًا في زنزانة مخصصة للإيراد، مكدسة قذرة بلا نزلاء مستقرين وبلا أي أدوات للنظافة، ولا إمكانيات للاعتناء بالصحة. من حين لآخر، يجمع النزلاء بواقي الطعام والجرائد القديمة ليرسلونها كصدقة لزنزانة الايراد. رسميًا، وفقًا للوائح وقوانين السجون، تشكل هذه الفترة حجرًا صحيًا، أي أنها نظريًا فترة عزلة للتعرف على حالتك الصحية واكتشاف أي أمراض معدية. لكن اللوائح تلك تخلو من أي إجراء فعلي يمكن أن يؤدي للتعرف على الحالة الصحية. عمليًا، ما يشغل ادارة السجن ليس حالتك الصحية وإنما وضعك الاجتماعي والطبقي، ونوع اتصالاتك وحجم مواردك. هذه الاعتبارات هي ما سيحدد أسلوب معاملتك ومكان تسكينك. يمكن للكل أن يتعرض للعنف في السجن، لكن العنف الصريح غالبًا نادر. الأسوار والأبواب والأقفال وفقدان الأمل وحدها كفيلة باخضاع المسجون. الغرض الحقيقي من اﻹيراد هو كسر نفس المسجون حتى يتقبل حياة جديدة مسلوبة اﻹرادة تمامًا، وفرصة أيضًا لمرور وقت تتلاشى فيه آثار أي إكراه بدني قد يكون المسجون تعرض له أثناء التحقيقات والقبض عليه أو حتى أثناء نقله.

لحظة الدخول لها خصوصية شديدة في عملية كسر الروح تلك. إذا صُنفت على أنك بلا ظهر، ستخضع لمهانة وعنف شديد منذ لحظة دخولك السجن. تتناقص حدة المهانة مع مرور الزمن ولكن لن يتلاشى أبدًا تأثير رعب الأيام الأولى. أقسى صور إذلال المستجدين تسمى التشريفة. يزحف النزلاء الجدد على الأرض بين صفين من المخبرين، وينهال سيل من الركلات والضربات و الشتائم على الكل أثناء الزحف بلا تمييز. حضرت واقعتين تطورت فيهم التشريفة بشكل غير مقصود. في الأولى، توفي رجل مسن غالبًا قلبه عليل في منتصف التشريفة. لم يسأله أحد عن حالته الصحية قبلها. انقبضت أرواح السجناء ليلتين، وخيم علينا حالة من الوجوم، لكن لم يتغير روتين السجن بأي شكل، ولا رأينا قيادات تستطلع الأمر. موت سجين عمومًا لا يستدعي إلا أبسط اﻹجراءات (ربما يتصور القائمين على الأمور أن تبسيط إجراءات إطلاق سراح جثة نوع من الرحمة). في الواقعة الثانية، ضل أحد الشباب ذوي المكانة الاجتماعية العالية طريقه إلى  التشريفة غالبًا لأنه لم يتعود على بروتوكولات استدعاء النفوذ لحسن تربيته أو سذاجته في افتراض أن نظام العدالة في بلادنا مشغول أصلًا بسؤال من المذنب ومن البريء. فكان نصيبه تشريفة بسبب خطأ في التشخيص الطبقي أدت الى إذلال لا يجوز وفقًا للأعراف الراسخة. ترتب على هذا الخطأ تحركات محمومة لقيادات عليا وجهود للاعتذار وتصحيح الأوضاع. طبعًا في الحالتين، لم تنتقل النيابة للسجن للتحقيق ولا تعرض أحد لمحاسبة على أحد أشكال التعذيب الممنهج، ولم تتوقف التشريفة. لكن تظل الحقيقة ساطعة. موت مسجون لا يستدعي أي شكل من أشكال المحاسبة، ولا يسبب أي قلق للضباط المسؤولين. لكن أشياء أخرى تخص منطق المؤسسات الحاكمة والسيادية الأمني أو الطبقي أو السياسي أو حتى البيروقراطي الصرف هي ما تحكم اعتبارات كل العاملين في السجون بمن فيهم الأطباء.

10

يظهر على الكثير من المساجين أعراض مشابهة لاضطراب ما بعد الصدمة عند الإفراج عنهم. لا ترتبط تلك الأعراض بتفاصيل عنيفة في خبرة السجن بقدر ارتباطها بصعوبة التأقلم مجددًا على الحياة الطبيعية خارج الأسوار. يتبدى السجن كله كواقعة عنف متصلة تسلب من قدرات المسجون الاجتماعية والعملية.

اختارت الدولة المصرية لأسباب لا يمكن تفسيرها إلا بالفجر في الخصومة أن تُعَقِّد عملية الاندماج والتعافي تلك لأعداد متزايدة من معتقليها عن طريق اختراع عقوبة غير مسبوقة وغير منصوص عليها في القانون تسمى زورًا «المراقبة». أصعب ما في المراقبة التواطؤ المطلوب من المراقب في قمع نفسه. لا ترسل قوات خاصة لاعتقالك كل مساء، ولا تنقل في عربة ترحيلات. تتعاون أنت مع السلطات في ضمان وصول جسدك ليحجب طوال 12 ساعة.

أحاول أن أتفادى دخول الحمام أثناء المراقبة. الحمام الوحيد المتاح لنا حمام عمومي يستخدمه جمهور قسم الشرطة والسجل المدني وكل العاملين عدا الضباط. حمام قذر لا ينظف إلا نادرًا (غالبًا يفرض على أحد المراقبين تنظيفه بالمخالفة للقانون). بابه لا يغلق، بلا إضاءة ولا حنفيات مياه.

في السجون، كما في المراقبة، الانتقال من خارج السور إلى داخله دائمًا لحظة توتر بسبب التفتيش. لا تنتبه المنظومة العقابية لجسدك إلا لحظة التفتيش، فالجسد يشكل من منظور السجان مخبأ محتمل للممنوعات. إذا حاول المسجون حماية جسده برفض الخضوع لتفتيش مهين، يكون هذا دليلًا على أن المسجون يخفي شيئًا ما. إذا لم يعترض، لكن ظهرت عليه أعراض التوتر من غلظة التفتيش أو اقتحامه اماكن حساسة، فهذا أيضًا دليل على أن لديه ما يخفيه. بل إن فشل المخبر في أن يجد ممنوعات هو في حد ذاته دليل على دهاء السجين. بما أن قائمة الممنوعات تشمل حقوقًا ينص عليها القانون، وتشمل احتياجات أساسية لا يوفرها السجان، يصبح كل سجين مُهرب بالضرورة.

تَحَمُّل ثقل تسليم نفسي وتوتر التفتيش اليومي و الهرولة لضمان عدم التأخر على موعد المراقبة ومحاولات التحكم في مواقيت عمليات الهضم واﻹخراج يستهلك حيزًا كبيرًا من طاقة اليوم. النتيجة توتر دائم يستقر في أمعائي. مؤخرًا، بدأ جسدي في الانسحاب من وعيي. لا أشعر بالجوع أو العطش، فأنسي أن آكل وأشرب. يحتاج دخول الحمام في ساعات الحرية لطقوس مطولة في مواعيد محددة يضطرب ذهني وجسدي طوال اليوم إذا لم التزم بها.

11

أتذكر في بداية حبسة 2011 قبل نقلي لمنطقة سجون طرة، كنت في زنزانة صغيرة في دور مخصص «للدواعي الأمنية» بسجن الاستئناف. لم يكن بالزنزانة حمام. تفتح الأبواب مرة واحدة صباحًا لمدة ربع ساعة يتزاحم فيها مئات المساجين على قضاء حاجتهم في كبائن قذرة بلا أبواب ولا ستائر. بعد أول تجربة، امتنعت عن الطعام لمدة خمسة أيام. لا كإضراب عن الطعام. فقط حتى لا أحتاج دخول الحمام.

من منظور مصلحة السجون، أنا سجين مرفه. العادي أن يستباح الجسد تمامًا أثناء التفتيش. والمتعارف عليه ألا يحق لسجين أي قدر من التحكم في جسده بما فيها الهضم واﻹخراج.

كما في الايراد، الكل معرض للإهانة أثناء التفتيش. لكن الاعتبارات الطبقية حاكمة في مدى الاستباحة. عند العودة للسجن من جلسات أو في حالة الشك في حيازة ممنوعات أو الوشاية، يفرض على أغلب المساجين التقيؤ والتبرز علنًا باستخدام مشروب عجيب مزيج من زيت وماء وصابون (رابسو) ورماد سجائر و ما خفي كان أعظم.

تزامنت عودتي للسجون بعد الثورة مع مقتل عصام عطا داخل منطقة سجون طرة أثناء تفتيشه عنوة بعد رفضه الخضوع لهذه العملية المهينة. أصرت اﻹدارة على أن لديها معلومات بوجود شريحة تليفون بحوزته. وعندما فشلوا في التوصل لمخبأها، صار لازمًا تفتيش أحشائه. اعتبر رفضه علامة على إدانته، فتطورت الأمور لضربه و سحله ثم تقييده وضخ المزيج السحري بخراطيم محشورة في جسده. تتمسك الداخلية إلى اليوم بأن هذه إجراءات تفتيش عادية لا عملية تعذيب وإذلال منهجي. جسد عصام عطا هو المخطئ لأنه لم يفرز الشريحة المزعومة رغم توجيهات السيد رئيس المباحث، والأدهى أنه فارق الحياة رغم أن اﻹجراء روتيني.

12

لسنوات، حُرمت مجموعة من المساجين، وخصوصًا معتقلي سجن العقرب، من الزيارة. فجأة، قبل إطلاق سراحي بشهرين، قررت مصلحة السجون (أو قُرر لها) أن يشمل المنع كل المعتقلين السياسيين، بما أن الموقف الرسمي هو أن كل السجناء جنائيين ولا يوجد سجناء سياسيين، لا تنشر الصحف تلك القرارات. وبما أننا، كسجناء سياسيين، غير موجودين رسميًا، لا يُسمح لنا إلا بمتابعة الصحف القومية، لم يخطرنا أحد بهذا القرار. فجأة توقفت الزيارات. لم أعلم أصلًا أن القرار يشمل مساجين غيري لأنني كنت السياسي الوحيد في عنبري. لمدة أسبوع نازعتني المخاوف أن مصابًا خطيرًا عطّل أسرتي. ثم فجأة، استدعيت للإدارة ليلًا. وفجأة، بدون أي مقدمات، وجدت نفسي في سيارة ترحيلات مصحوبة بقوة تأمين مسلحة. ثم، بعد عشرات الأمتار، توقفنا مجددًا، ووجدت نفسي في سجن العقرب الشهير. لم أفهم أنني هناك للزيارة فقط إلا بعد مرور ساعتين. طوال خمس سنوات لم تشكل فيها زياراتي المنتظمة أي خطر على الأمن العام. تحولت فجأة إلى معضلة تستدعي استنفار قوات وعتاد وقيادات.

دخلت والدتي أخيرًا كابينة الزيارة متكئة على عكاز. لم تصاب أمي في حادثة سير كما تخيلت، كل ما في الأمر أنها قضت أسبوع معسكرة أمام بوابة السجن، وفي يدها تصريح زيارة صادر عن النيابة العامة. خمسة ليال في العراء في عز الشتاء تسببت في خشونة في الركبة استدعت علاج خمسة أشهر. ومع ذلك، لم يكلف أي من السادة الضباط واللواءات والمخبرين المستنفرين لتأمين هذا الحدث الجلل نفسه عناء أن يجلب لها كرسي لترتاح أثناء الزيارة أو أثناء الانتظار. لم يخجل أحد من آلام سيدة كبيرة السن تطلب فقط حقها القانوني في أن تطمئن على سلامة ابنها. يمتد تجاهل أنين اﻷجساد إلى أجساد أهالي السجناء مثلما تتجاهل التشريعات واللوائح والمحاكم حقيقة أن السجن عقاب للأبناء والأزواج والأخوات واﻵباء، وليس المجرم المزعوم وحده.

لا مفاجأة. سبق لهم أن كذبونا عندما طالبنا بإخلاء سبيلي أنا وأختي أثناء فترة الحبس الاحتياطي لمرض والدي. أنكروا تراجع حالته الصحية حتى بعد أن فقد وعيه داخل منطقة سجون طرة أثناء وقوفه في طابور انتظار الزيارة. استمر التكذيب حتى بعد احتجازه في مستشفى جامعي حكومي بعد أن صارت أخبار مرضه في حكم العلم العام ومثبتة بأوراق رسمية.

أدت حالة الغضب من خبر وفاة والدي أثناء احتجازي أنا وأختي إلى موجة تضامن واسعة نتج عنها قرار بالسماح لنا بالخروج لحضور الدفن وتلقي العزاء. لم يفهم اللواء المشرف على عملية انتقالي سبب سخط المعزين على رجال الداخلية المنتشرين ولا هتافهم عند لحظة عودتنا إلى السجون وطرقهم على السيارات التي نقلتنا. بالنسبة له، موقعي كسجين ينفي عني أي مشاعر ويرفع عن معارفي أي تضامن. أليس الأصل انسحاب المسجون تمامًا من وعي الناس؟ ألا يتلاشى هو وذويه في بحر من الأجساد المتماثلة؟ ألا يشكل تنازل أولي الأمر وسماحهم لنا بتلقي العزاء كرم كبير يستحقون عليه الثناء والاحتفاء؟

الدرس الوحيد الذي خرجت به منظومة العدالة المصرية كان عدم تكرار السماح لسجناء بتلقي العزاء. فالمساجين وأهاليهم والمتعاطفين معهم فاقدو الأهلية والعقل ولا يستحقون.

13

احتفلنا في ميادين الثورة بأحكام اﻹعدام في قضية استاد بورسعيد بدون أن ندرك مغزى أن الأحكام المغلظة الوحيدة لصالح شهداء الثورة كانت ضد مدنيين. لكن في بورسعيد نفسها، كان لأهل المدينة قراءة مختلفة. تجمع أهالي المحكوم عليهم أمام السجن، وتجمع معهم مئات من أهالي المدينة. بدأت المذبحة بتجاهل أن للمتهمين أهل وأصدقاء، والأهم أن لهم سردية مخالفة لسردية النيابة، سردية لها شعبية داخل المدينة بعد عقود من الغبن والتهميش. تجاهلت السلطات وجود أي سياق تحيا فيه تلك الأجساد المسجونة. لذا جاءت خطة النقل والتأمين (بل وقرارات الهيئات القضائية نفسها) وكأنها تطبق على جمادات لا بشر. من منظور مؤسسات السيادة، محا حبسهم وجودهم، حكم اﻹعدام تحصيل حاصل. لذا لم يكلف أحد نفسه بمخاطبة أهل المدينة، ولا بالتخطيط ليوم عصيب، ولا حتى بالتحضير لخطط أمنية تستوعب الغضب المتوقع (أو حتى على اﻷقل تنقل المتهمين خارج المدينة قبل الحكم بفترة).

تطورت الأمور من تجمع غاضب يهدف لعرقلة نقل المتهمين إلى مشاحنات، إلى ما بدا وكأنه محاولة لاقتحام السجن.

ردت قوات الأمن لا بأدوات تفريق التجمهرات وإنما بالضرب العشوائي في مقتل. تساقط عشرات الجرحى والقتلى بما فيهم من تواجد على مسافات بعيدة عن أبواب وأسوار السجن. كانت لحظة شديدة الالتباس بالتأكيد، ويمكن إلقاء اللوم على سوء التخطيط والتقدير. لكن ما حدث اليوم التالي رفع كل اللبس. تحولت جنازات القتلى لمظاهرات ضخمة. كان مشهد التضامن الشعبي وحده كفيل بتأكيد أن أهل المدينة لم يتقبلوا ما حدث ولا تفسيره بأن القتلى كلهم بلطجية. اعتبروا شهداء دمهم يخص المدينة كلها. وبدلًا من احترام مصاب الناس، أو على الأقل اتقاء غضبهم، قررت الشرطة فتح النار على موكب الجنازة ليتضاعف القتلى والجرحى، وبدون حجة حماية السجن هذه المرة. فاندلعت الفوضى في المدينة وانتشر الجيش لتأمين المباني الحيوية.

يومها انشغل الرئيس محمد مرسي، لا بالضحايا، وإنما بالتغطية على حقيقة تحرك الشرطة والجيش بدون أوامر صريحة من القيادة السياسية. جاء خطاب «قلت سأفعل وها أنا أفعل»، لينسب لنفسه المسؤولية عن أزمة صنعها غيره. وعطل مكتب اﻹرشاد محاولات لحل الأزمة بادر بها أحد القيادات المحلية لجماعة اﻹخوان.

من داخل تلك المذبحة، انطلقت أولى دعوات تفويض الجيش بعزل مرسي. ومع ذلك، لم يحاكم الرجل عنها ولا طبعًا وجهت أي اتهامات لأي أفراد أو جهات أمنية. قد يحاكم المرء لخروجه من السجن، أو لاستخدامه هاتف ثريا. لكن لا أحد يحاكم على مقتل مساجين وذويهم.

14

عند دخولي سجن ليمان طره لأول مرة لاحظت لافتة تشير لافتتاحه عام 1886، أي بعد أربعة أعوام من هزيمة الثورة العرابية. كان أول سجن على الطراز الحديث، و كان نزلاؤه الأوائل من بواقي معتقلي العراببين. رغم إنكار الدولة أننا معتقلين سياسيين، نُقلت إلى عنبر للزنازين الانفرادية مكتوب على مدخله عنبر سياسي 1/أ. مبنى قديم مبنى من الطوب لا الخرسانة. قيل لنا أن هذا أقدم مباني السجن. مر على نفس الزنزانة خصوم سياسيين للدولة منذ زمن هزيمة الثورة العرابية إلى زمن هزيمة ثوار يناير.

منذ أن تأسست الدولة، استخدمت السجون لحجب المعارضين والمتمردين ودمج أجسادهم في جسد واحد مهمل ومهدد. كل من حكم مصر، بما فيهم حكومات حزب الوفد وحكومة محمد مرسي، استخدمت نفس السجون ونفس المحاكم ونفس ترسانة القوانين (حكمت المحكمة عليّ بكوكتيل قوانين من 1914 و 1937 و 1945 و 1998 و 2011 و 2014). منذ أن اندلعت الثورة وفتحت السجون استبيحت أجساد المساجين المنمطة المخفية حتى صار قتلها أمرأ معتادًا لا يهم إلا أصحابها وذويهم. منذ أن انهزمت الثورة، توسعت الدولة في تكديس السجون وبناء أخرى جديدة لاستيعاب أعداد أكبر مع استمرار الاستباحة.

آجلًا أم عاجلًا، سيخرج أغلب المساجين من السجون. لكن كل المساجين تغلق عليهم الأبواب باحتمالية أنهم باقون وراءها حتى الممات. تكشف ردود الأفعال الباردة من الدولة وأبواقها تجاه مقتل محمد مرسي أن الغرض من حبسه لم يكن أبدًا الوصول إلى حقيقة، والقصاص. لو كان الغرض من حبسه ينتمي لأي من الأهداف السامية المفترضة لمنظومة العدالة الجنائية، لكانت أحسنت رعايته لضمان إتمام محاكمته. غالبًا لم يرغب القائمون على النظام في هذه النهاية الدراماتيكية، لكن بالتأكيد كانت الخطة هي ألا يخرج من السجن حيًا. ما أزعج السلطات هو أن العالم لم ينساه قبل وفاته.

آجلًا أم عاجلًا، سيخرج أغلب المساجين من السجون. لكن كل المساجين تفتح لهم الأبواب باحتمالية أنهم فقدوا جانبًا لا يعوض من أرواحهم وصحتهم. تكشف ردود الأفعال الباردة من الدولة وأبواقها تجاه تواتر مقتل المساجين أن الغرض من حبسهم لا علاقة له بشعارات اﻹصلاح والتهذيب والتقويم أو حتى الردع. لو كانت السجون موجودة لحماية المجتمع، لكان من باب أولى الاهتمام بصحة المساجين. فأجسادهم ستتفاعل مع أجساد ذويهم وأحبابهم، وآثار تلك الجراح لن تُحتوى داخل أسوار السجن.

بعد موت رئيس سابق على الهواء بهذه الصورة الدراماتيكية، وبينما يختفي رفاقنا يوميًا في غياهب السجون، منهم من لن يخرج إلا إلى القبر، ومنهم من سيخرج إلى عالم انتقل فيه أحبابه إلى القبور وتركوه وحيدًا، هل يمكن اعتبار قصة أجساد المساجين تلك قصة فردية تخصني وتخص فقط من يشاركني تجربة الحبس والمراقبة والتهديد الدائم بإعادة الاعتقال؟

القصة لا تخص صحة المساجين بل صحة الوطن نفسه. القصة في أدوات قمعية تورث منذ أجيال مضت، وفجر في الخصومة سيورث لأجيال قادمة. النفي التام للصوت والجسد هو لب الفجر في الخصومة. نتصور أن الكلمة تعني قرارًا صريحًا بالتمادي في العداء والأذى. لكن إذا كنت تراني وتسمعني، تظل فرص التراجع والتهدئة مفتوحة. وإن لم نستفد منها، نستمر على الأقل في حالة ندية. قمة الخصومة هي ألا تراني ولا تحاول أن تفهمني؛ أن أتحول إلى مادة فقط للإزاحة أو اﻹبادة أو الحجب أو النفي أو اﻹقصاء، أن أتحول إلى رمز أو فزاعة بلا وجود جسدي مادي. الفجر في الخصومة ميراث تدفع ثمنه كل الأجساد، وتظل تدفع ثمنه حتى بعد انقضاء الخصومة.

خرج المساجين في يناير و لم يعودوا وإن عادت أجسادهم. ورغم أن أغلبنا تجاهل ذبحهم و شارك في شيطنتهم إلا أن شيئًا ما في السجون انكسر فلم تعد ناجحة في إخفاء وتنميط الأجساد؛ صرنا نسمع أنين السجناء وإن كان مكتومًا. الاستباحة الكاملة لأجساد المساجين وذويهم، والتوسع في بناء وتكديس السجون ما هي إلا محاولة ﻹخضاع أجساد تمردت وإن كان تمردها مجرد إفصاح بالألم. خرجت مؤخرًا من السجون رسائل تنادي بإغلاق ملف المعتقلين بأي ثمن. من منظور الخصومة السياسية، هذه الرسائل تعبر عن انكسار يهدد مستقبل التنظيم، لذا جاء رد الفعل الناكر لها من قيادات جماعة الإخوان منطقيًا ومتوقعًا. لكن خروج تلك الرسائل، وانتشارها، والجدل حولها، وتحولها لمناسبة لاستعراض الآلام، كل هذا لا يصب في مصلحة السلطة. والآن علينا أن نسأل أنفسنا بجدية، كيف نحمي أجساد أبنائنا من ميراث السجون هذا؟ اﻹجابة لا تنتهي عند إطلاق سراح المعتقلين، بل يجب ان تبدأ عند إطلاق السراح وتصل إلى خيال يمحي السجون نفسها لا المساجين.

اعلان
 
 
علاء عبد الفتاح