كيف نتعلم؟ تأملات في مناهجنا: الجسم السليم في حصة الألعاب
 
 

كرة القدم للبنين – التمرينات الفنية الإيقاعية للبنات – ألعاب القوى – الكرة الطائرة – كرة السلة – كرة اليد – الجمباز. هذا ما يتضمنه المنهج الدراسي للتربية الرياضية للمرحلة الإعدادية. بجانب المنهج، الطالب مُلزم بتعلم أساسيات الألعاب كافة، ويختار إحداها يتخصص فيها طوال فترة الدراسة. يتم تدريس مقرر التربية الرياضية بواقع حصتين أسبوعيًا زمن كل حصة 45 دقيقة.

ولكن، الوضع مختلف على أرض الواقع.

«اللي أعرفه أن العيال عندهم حصتين ألعاب في الأسبوع بس مش مطلوب منهم لبس معين للعب، زي ما كان بيحصل معانا زمان. وكمان هما مش بيلعبوا رياضة في الحصة. هي المدرسة بتاعتهم بتسيبهم في الحوش يجروا ورا بعض أو يقعدوا وخلاص ده بالنسبة للبنات. لكن الولاد أحيانا بيلعبوا كرة قدم»، تقول مريم سمير، أم لثلاثة أطفال، اثنان منهم في المرحلة الإعدادية، وواحد في الابتدائية وجميعهم في المدرسة الحكومية ذاتها.

«طبعا حصة التربية الرياضية كما قال الكتاب وكما يجب لا تنفذ إطلاقا. وفي النهاية يطلبوا مننا نعمل أنشطة وتصفيات وكلها عبارة عن كرة قدم يعني مفيش أنشطة حقيقية تطلع أطفال عندهم لياقة بدنية حقيقية»، يقول أحمد حشيش، مدرس تربية رياضية بأحد المعاهد الأزهرية للمرحلة الابتدائية في المنصورة، لـ «مدى مصر». مضيفًا: «حصة التربية الرياضية في مصر بينظر إليها وكأنها درجة ثالثة بعد العربي والحساب وغيرها من المواد».

ويتابع حشيش: «احنا مطلوب مننا نكتب المنهج في دفاتر لشغلنا. لكن المناهج دي عفى عليها الزمن ومفيش تطوير أو استخدام أي وسائل تكنولوجية».

وفقًا لـ «وثيقة التربية الرياضية لمرحلة التعليم الأساسي الصادرة عن مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية سنة 2012 (المركز هو جهة حكومية أنشئت بقرار وزاري عام 1988) فمنهج التربية الرياضية إذا ما تم تطبيقه كما هو فهناك فرصة كبيرة للطالب أن يتعلم رياضة ما على مدار سنوات التعليم، وهو ما لا يحدث، ولكن الوثيقة تقول «لا يخفى على أحد أن التقدم السريع والتطور الذي حدث في الفترة الأخيرة على مستوى العالم كله يستوجب إعادة النظر في مناهج التربية الرياضية لتواكب هذا التقدم، فمناهج التربية الرياضية بحاجة إلى تطوير نوعي بما يتناسب مع التقدم العلمي والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتغيرات العالمية».

المناهج البالية امتداد لمشاكل هيكلية في التعليم في مصر. تشهد المدارس الحكومية زيادة في الكثافة الطلابية كل عام، ويصل عدد الطلاب في فصولها أحيانًا لأكثر من سبعين طالب، الكثافة التي دفعت ببعض المدارس لاستغلال الفناء أو الملاعب لبناء فصول جديدة تستوعب الزيادة، الأمر الذي قلص من المساحات المفتوحة والمتاحة للطلاب لممارسة الرياضة واللعب.

يضاف إلى ذلك عدم توفر ميزانيات للعملية التعليمية في حد ذاتها.

«ميزانية التربية الرياضية في السنة 200 أو 300 جنيه، يعني متجبش كورتين مش أدوات وأجهزة. ومفيش قدامي غير إني أسيب الطلاب الذكور يلعبوا كرة قدم والبنات يقعدوا جنبي، لأن أنا واخد أوردر أن البنات متلعبش عشان المفروض يكون في معلمة هي المسؤولة عنهم في النشاط، لكن لأن في نقص فبيقولوا لي البنات تقعد وخلاص»، يقول حشيش.

في ظروف كهذه، ليس هناك حافز قوي لمدرس أو مُدرسة الألعاب لتطبيق المنهج أو حتى إبداع أنشطة بدنية بديلة أثناء حصة الألعاب.

محمد زكريا، مدير صالة ألعاب رياضية في منطقة العبور، يحكي عن عمله كمدرس ألعاب في بداية حياته العملية. «أنا خريج كلية تربية رياضية، ومن 8 سنين اشتغلت مدرس ألعاب في مدرسة ثانوي حكومي بـ 150 جنيه في الشهر مش عارف بكام دلوقتي. وكان المطلوب مني أدي الطلبة الكرة يلعبوا. وحتى لو عندي أفكار طموحة لا مرتبي ولا المساحة المتوفرة لي تسمح بأي ابتكار وأي مدرس ألعاب بيجي بيشوف اللي قبله عمل ايه وبيعمل زيه».

التدريب الذي جاء منه مدرسي التربية الرياضية في الجامعات ينقصه الكثير، بحسب زكريا. «أنا درست إدارة أندية وعملت ماجيستير فيسيولوجي بعدها، ولما قارنت المادة العلمية اللي درسناها باللي بعرفه دلوقتي عرفت أد إيه المادة بتاعتنا قديمة لأن المادة العلمية من سنة 1985. أنا عرفت معنى التمرين الصح بعد ما اتخرجت وأخدت كورسات مختلفة. و كل كورس كلفني حوالي 8 آلاف جنيه عشان بس أوصل للمعرفة الصح».

ويتابع زكريا: «مفيش أي مجال للابتكار لأن المعيدين والدكاترة في الكلية بيطبقوا المادة العلمية اللي في الكتب عشان الامتحان وخلاص، لكن محدش بيأهلنا بجد».

الوضع يختلف بعض الشيء في المدارس الخاصة وغير الحكومية.

يقول الكابتن رفعت السويسي، مسؤول طاقم التربية الرياضية بمدرسة العائلة المقدسة «الجيزويت»، لـ «مدى مصر»: «الوضع مختلف عندنا لأننا بنهتم جدا بحصة الألعاب، وده يبدأ بأن عندنا طاقم من الكباتن المتخصصين ومعينين بشكل دائم ودورهم الاهتمام بحصة التربية الرياضية».

«مع بداية الموسم الدراسي، يتم تعيين مدرب متخصص لكل لعبة وهو تعيين مؤقت ينتهي بنهاية الموسم الدراسي، ولابد أن يكون الكابتن حاصل على شهادة تخصص، بالإضافة إلى ممارسته تدريب اللعبة في أحد الأندية».

كلام الكابتن السويسي عن النظام المتبع في المدارس الخاصة تؤكده رنا ممدوح (تعمل في «مدى مصر»)، أم لثلاثة أطفال في مدرسة «نيو رمسيس كوليدج»، وتقول: «احنا بندفع المصاريف وبناخد الوصل بيكون فيه جزء للأنشطة». وتوضح رنا أن أبنائها منذ الصف الأول الابتدائي يشترون ملابس خاصة بالألعاب وهي في الصيف شورت وتيشيرت وفي الشتاء بنطلون وجاكيت.

وتضيف أن المدرسة تهتم بالمتفوقين رياضيًا في الأندية، بمعنى أن الطالب الذي يلعب إحدى الرياضات في نادٍ خاص ومتفوق فيها يتم تكريمه في المدرسة وإعلان اسمه.

بالنسبة لحشيش، بالرغم من أن ممارسة الرياضة يمكن أن تأتي لاحقًا، أي بعد سنوات المدرسة، إذا ما توفر المال لذلك، إلا أن للمدرسة دور محوري في خلق هذا الاهتمام بين الطلبة.

«في الحقيقة، البدء في ممارسة الرياضة ملهوش سن بس محتاج فلوس كتير، لأن اشتراك الأندية غالي وميقدرش عليه غير أسر قليلة. وبشكل عام المجتمع اللي الطفل فيه متعلمش من صغره يحب الرياضة وده دور المدرسة وأنها جزء من حياته صعب يكون عنده جسم رشيق .لأن في مصر ممارسة الرياضة لا تذكر في الطبقة الفقيرة وهي الطبقة الأكبر»، يقول حشيش.

سارة كار، مدربة رفع أثقال، تتفق مع حشيش في دور المدرسة في بناء لياقة الأطفال. «الحصص المدرسية للألعاب مهمة جدًا بمعنى أنه إذا لعب الطفل لمدة ساعتين أسبوعيًا ثماني مرات في الشهر فهي مدة ليست سيئة حتى يحصل على لياقة بدنية. ولكن بالطبع هو في حاجة لممارسة الرياضة بشكل خاص، ولكن على الأقل توفير تلك الفرصة في المدرسة مهم”».

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم من 5 إلى 17 عامًا ينبغي أن يزاولوا الرياضة بإجمالي 60 دقيقة على الأقل يوميًا من النشاط البدني المعتدل، المتمثل في اللعب أو المباريات أو الألعاب الرياضية أو التنقل أو الترفيه أو التربية البدنية أو التدريب المخطط في إطار الأسرة والمدرسة والأنشطة المجتمعية. وتنطبق تلك التوصيات على الجميع ذكورًا وإناثًا مهما كانت أصولهم أو أعراقهم أو مستويات دخلهم.

وإذا فات الشخص فرصة المدرسة، فما تبقى من فرص قليل.

يقول حشيش: «حتى الانتماء ﻷحد مراكز الشباب والرياضة يظل قاصرًا في أغلب الأوقات في حال وجودها على الرجال والشباب، ويندر فرص تواجد مساحات للنساء من أجل ممارسة أي رياضة. لأن في مصر حتى وإن كانت الرياضة مجرد المشي فهي محتاجة الاشتراك في نادي رياضي، خاصة بالنسبة للنساء، لأن الشوارع لا تمثل مساحات آمنة للسير أو الجري».

وتستكمل كار: «النشاط البدني في مصر تحدي كبير جدًا، لأن الشوارع مفيهاش أماكن للجري أو للعجل وده تحدي مضاعف أصلا للستات كمان. ممارسة الرياضة في مصر تحدي بكل الصور».

ويضيف السويسي: «خلينا نكون واقعيين، الطالب اللي عنده مشاكل في جسمه مش حصة الألعاب اللي هتخليه يتخلص منها لأنها موجودة ومرتبطة بالأكل اللي بياكله، لأنه بيقضي 6 ساعات في المدرسة وبيلعب في حصة الألعاب ساعتين في الأسبوع فلو مش مشترك في نادي بره أو جيم فالتخلص من سمنته مش سهل. يعني حصص المدرسة خطوة يكملها الاشتراك في نادي».

أما كار فتقول إن هناك مشكلة أكثر عمومية فيما يخص الوعي بالصحة العامة وليس فقط اللياقة البدنية، وهو ما لمسته من تجربتها في تدريب الكبار على رفع الأثقال. «من كلامي مع الناس، عرفت أنهم لم يتلقوا في حياتهم أي توعية بخصوص أجسامهم والتغذية السليمة وممارسة الرياضة. مفيش أي معرفة مفيش في المدارس أي تعاليم صحة عامة بالأساس. ومفيش في أي مكان تلاقي جهود للحكومة للتوعية، رغم أن حملات التوعية سهلة جدا بس المهم إنها تقول للناس تعمل إيه بجد مش تلومهم زي اللي بيحصل طول الوقت».

من ناحيتها، عبرت سمير عن أمنيتها بأن يمارس أولادها رياضة حقيقية في حصة التربية الرياضية خاصة في ظل عجزها عن الاشتراك في أحد الأندية الخاصة، وتقول «الولد عندي بينزل يلعب كرة في الشارع..  بس احنا كمان بنعتمد على نادي الكنيسة اللي فيه كرة قدم أو سلة أو طايرة. لكن البنات مفيش رياضة، فبنقعد في البيت نعمل حاجات يدوية».

لم ير الرئيس عبد الفتاح السيسي ذلك عند قوله أثناء افتتاح عدد من المشروعات التنموية في ديسمبر 2018: «هخلي الرياضة مادة أساسية للنجاح. المرحلة محتاجة كده. الناس كلها مهتمة تودي أولادها بالعربية وتعلمهم كويس، لكن محدش مهتم يعلم أولاده رياضة. عشان الأبهات تاخد عيالها ويلعبوا رياضة طالما مش عارفين نعملها في نوادينا ومدارسنا».

اعلان
 
 
كارولين كامل