ماذا يحمل لنا ترامب في حقيبة هدايا أعياد الميلاد؟

في ديسمبر الماضي سأل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طفلة عمرها سبع سنوات، ضمن فعاليات الاحتفال بأعياد الميلاد، إن كانت لا تزال تؤمن بوجود سانتا كلوز، وقالت الطفلة إنها تعتقد في وجوده. 

وفي 13 أغسطس الجاري، قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية إن ترامب يريد أن يلعب دور سانتا، وهو يعلن عن تأجيل واحدة من قذائف حربه التجارية التي دأب على إرسالها إلى الصين منذ العام الماضي، فقد كان الرئيس يخطط لتطبيق رسوم جديدة في مطلع سبتمبر على سلع صينية ذات طابع استهلاكي يفضل الأمريكيون شرائها في أعياد الميلاد، ثم قرر تأجيل هذه الرسوم إلى منتصف ديسمبر حتى لا يفسد موسم العيد، بحيث يكون التجار قد انتهوا فعليًا من استيراد تلك السلع.

لكن هذا الإجراء لم يجعل ترامب يظهر في صورة سانتا كلوز الوديعة كما هي في مخيلة الأطفال الأمريكيين، فمن ناحية قررت الصين الرد فورًا على تلك القذائف وأعلنت فرض رسوم جديدة على بضائه أمريكية أول الشهر المقبل.

كما أرسلت الأسواق المالية إشارة لقلقها على أحوال الاقتصاد الأمريكي. في 14 أغسطس انخفض العائد على سندات الخزانة بأجل 10 سنوات إلى مستوى أقل من العائد الموازي للسندات بأجل عامين. يطلق العاملون في المجال المالي على هذه الظاهرة اصطلاح منحنى العائد المقلوب ( inverted yield curve)، وتعد مؤشرًا على توقع المتعاملين في سوق السندات أن يتجه الاقتصاد إلى الركود. 

فإلى أين يقود ترامب اقتصاد أمريكا ومعه اقتصاد العالم؟ سؤال نحتاج للتفكير بشأنه في مصر، رغم أن دور بلادنا في التجارة العالمية محدود للغاية، لكنها تتأثر بقوة بتداعيات هذا الصراع والتباطؤ الاقتصادي الناتج عنه. وقبل أيام صرحت مصادر حكومية مصرية للصحافة عن احتمالية أن تقوم وزارة المالية بمراجعة توقعاتها للنمو خلال العام المالي الجاري لتخفيضها نصف في المئة بسبب التباطؤ العالمي المتوقع.

جاء ترامب للرئاسة ومعه تصورات واضحة للغاية عن رؤيته لعلاقة أمريكا بالعالم، وكانت الملامح الأساسية لهذه الرؤية تتصادم بشكل واضح، ليس فقط مع الثوابت الأمريكية، ولكن مع التصورات الأساسية التي رسختها بلدان العالم المتقدم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. 

ففي أعقاب انهيار الكتلة الشرقية ونموذجها الاشتراكي، كان العالم يندمج بشكل أكبر في منظومة من التجارة العالمية، وأهم ما يميز هذه المنظومة هو الميل للانفتاح بأكثر من الميل للحماية، واتباع قواعد ثابتة لا يسهل تغييرها ويكون الأساس فيها التحرر وليس التقييد.

وقد اصطدم ترامب بهذه الروح التحررية في الأيام الأولى من حكمه، عندما قرر خروج بلاده من اتفاق «ترانس باسيفيك» الذي يستهدف تيسير التجارة داخل تكتل اقتصادي ضخم، والذي خاضت أمريكا التفاوض بشأنه خلال حقبة الرئيس السابق باراك أوباما.

اعتبر ترامب أن اتفاقيات التجارة الحرة متعددة الأطراف تضر أمريكا أكثر مما تفيدها، ولذلك أعاد التفاوض أيضًا على شروط الاتفاق التجاري الذي يربط بلاده بالمكسيك وكندا منذ 1994 والمعروف بـ «نافتا». 

كان واضحًا أن الرئيس الأمريكي يمثل نزعة قوية داخل الولايات المتحدة بشأن الرغبة في إعادة تقسيم كعكة الاقتصاد العالمي، وتخصيص حصة أكبر للولايات المتحدة تساعدها على توفير المزيد من الوظائف وتحقيق معدلات نمو أكبر.

ولم يجد ترامب مجالًا لإعادة صياغة عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي غير التهديد بفرض رسوم جمركية، لذا بدأ في سلسلة من التهديدات والتطبيقات الفعلية للرسوم الحمائية مع كل الشركاء التجاريين البارزين لبلاده، وفي نفس الوقت فتح الباب للتفاوض على إعادة شروط تقسيم التجارة العالمية. وكان ذلك هو الصدام مع المبدأ الثاني السائد في الاقتصاد العالمي، وهو التجارة وفق قواعد تقوم على التحرر.

كانت البداية الفعلية لما عرف بالحرب التجارية في مارس 2018، عندما فرض ترامب رسومًا حمائية على واردات بلاده من الصلب والألومنيوم. وقد برر هذا الإجراء بأن تلك الواردات تهدد الأمن القومي للبلاد، وشرعن هذه الفكرة بالاستناد لقانون أمريكي يعود إلى حقبة الحرب الباردة (1962).

طبّق الرئيس الأمريكي هذا الإجراء على مختلف شركاء أمريكا التجاريين، لكن الصين كان البلد المستهدف بشكل أساسي من هذا الإجراء، لم تكن بكين بطبيعة الحال حملًا وديعًا، فقد استطاعت أن تخترق الأسواق الأمريكية بمنتجاتها المعدنية بفضل الدعم الذي تحظى به شركاتها، ويرى محللون أن أمريكا كانت قادرة على كبح النفوذ الصيني من خلال تشريعات منظمة التجارة العالمية إلا أن هذا المسار كان سيأخذ وقتًا طويلًا، لذا اختار ترامب أن يحارب الصين خارج هذه المنظمة.

بمعنى آخر كان هذا الإجراء بداية انعتاق الولايات المتحدة من الشرعية القديمة لنظام التجارة العالمي وبناء شرعية جديدة. ليس غريبًا إذًا أن يهدد ترامب بالخروج من هذه المنظمة. 

وخلال الأشهر التالية من 2018 ركز ترامب نيران حربه التجارية على الشريك الأكبر لبلاده، الصين، مدعيًا أن بكين تقوم بممارسات تجارية غير عادلة مثل سرقة التكنولوجيا من الشركات الأمريكية، ووضع الرئيس هدفًا رئيسيًا لهذه الحرب وهو الحد من العجز التجاري الضخم لبلاده. 

بدأت الحرب بقذائف صغيرة، حيث أعلنت الولايات المتحدة في أبريل عن مخططات لفرض رسوم بـ 25% على سلع صينية بخمسين مليار دولار، يمثل هذا المبلغ نسبة صغيرة من مجمل ما تصدره بكين لواشنطن والذي تتجاوز قيمته 500 مليار دولار.

ثم توسعت الحرب الأمريكية، وكذلك الردود الانتقامية من الصين، ليكشف ترامب في يوليو عن مخططات بفرض رسوم 10% على سلع بـ 200 مليار دولار.

أقلقت هذه الحرب المستعرة العديد من الأطراف في الاقتصاد العالمي، وعلى رأسهم صندوق النقد الدولي الذي حذر مرارًا من أن حرب ترامب تفتح الباب للتنافس بين البلدان على فرض الرسوم الحمائية مما يهدد حرية التجارة ويقود الاقتصاد العالمي لمسار من التباطؤ. 

فعندما تغلق الولايات المتحدة أبوابها أمام الصين لا يعني ذلك بالضرورة أن بكين ستقلص من نشاطها الإنتاجي، ولكنها ستوجه بضائعها لأسواق بديلة، وستدخل المنتجات الصينية في منافسة مع منتجات بلدان أخرى أقل قدرة على التصنيع، مما يؤدي في النهاية إلى تعطل العديد من الطاقات الإنتاجية في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يقود لتباطؤ النمو.

لذا عندما التقى الرئيسان، الأمريكي والصيني، في بيونس آيرس في ديسمبر 2018، وبدا أنهما اقتربا من التفاهم على اتفاق تجاري يرضي الطرفين، استشعر العالم شيئًا من الطمأنينة، خاصة وأن ترامب أعلن عن هدنة 90 يومًا من الحرب التجارية. 

وظلت الوفود بين البلدين تتبادل الزيارات خلال الأشهر الأولى من العام الجديد، وتصرح للصحافة تصريحات ودية عن التفاهم بين الجانبين، حتى فاجأت الولايات المتحدة العالم بالإعلان عن فشل المفاوضات، وفرض رسوم بـ 25% على حزم السلع التي تصل قيمتها إلى 200 مليار دولار في مايو 2019، لتدور رحى الحرب التجارية من جديد.

ثم كانت محاولة أخرى في قمة العشرين بأوساكا للوصول لاتفاق تجاري، والتي لم تحقق انجازًا يذكر، أعلن ترامب عن نيته فرض رسوم بـ 10% على حزمة سلع بـ 300 مليار دولار.

وأخيرًا جاء تأجيل ترامب لتطبيق الرسوم التي أعلنها بنسبة 10% على نصف السلع التي تصل قيمتها لـ 300 مليار، رغبة منه في الحد من ارتفاع أسعار السلع الصينية قبل أعياد الميلاد.

لكن الصين لم تتأثر عاطفيًا بهذا الإجراء وأعلنت عن رد انتقامي على سلع أمريكية بـ 75 مليار دولار، وخلال الشهر الجاري نوهت الولايات المتحدة أيضًا إلى أن الصين تعمل على خفض قيمة عملتها أمام الدولار للنفاذ بشكل أكبر لسوق الولايات المتحدة، وهي المزاعم التي تنفيها بكين.

وهو ما أخرج ترامب من حالة السلام في أعياد الميلاد، وبدا وكأنه يكشف عن مدفعيته الثقيلة من تحت حلة سانتا الحمراء المبهجة وهو يعلن عن نيته رفع الرسوم المفروضة على سلع صينية بـ 250 مليار دولار بنسبة 25% إلى 30% وزيادة الرسوم المقررة في أول سبتمبر ومنتصف ديسمبر من 10 إلى 15%. 

لم تكن معركة ترامب مع الصين وحدها، ولكن مع صيغة حرية التجارة العالمية في مجملها، وما تسببت فيه من انتقاص دور أمريكا في الاقتصاد العالمي، فقد أبدى الرئيس الأمريكي انزعاجه أيضًا من انتشار السيارات الأوروبية في بلاده، ولوح بفرض رسوم حمائية عليها. 

يمثل فرض رسوم على السيارات الأوروبية صفعة قوية لاقتصاد هذا التكتل الذي يحاول بالكاد الخروج من منزلق التباطؤ الاقتصادي الذي تعثر به منذ الأزمة المالية العالمية. لذا كانت أوروبا منفتحة على تقديم الوعود وأبرمت مؤخرًا اتفاقًا لشراء اللحوم من أمريكا بشكل أكبر.

وصلت نيران الحرب التجارية أيضًا إلى المكسيك التي أعلن ترامب في 30 مايو عن فرض رسوم عليها، كأداة للضغط بشأن الحد من تدفق المهاجرين المكسيكيين لبلاده، ثم عاد وعلق هذه الرسوم في السابع من يوينو. كما ألغى أيضًا اتفاق المعاملة التجارية التفضيلية مع الهند.

وخلال مراحل تصاعد الحرب التجارية، كان هناك رأيان بشأن نتائجها، رأي يرى أن ترامب يدرك جيدًا أهمية ما يفعله وأنه يحقق انتصارات لاقتصاد بلاده ستمكنه من الاستمرار في منصبه لفترة ثانية، خاصة وأنه نجح بالفعل في الوصول لاتفاقات تجارية جديدة بها امتيازات أكبر للولايات المتحدة، مثل اتفاق «نافتا» الجديد مع المكسيك وكندا المعروف باسم «أوسمكا». ورأي آخر يرى أن أمريكا تخسر علاقاتها بشركائها التجاريين من خلال أدوات التهديد والرسوم الحمائية، كما أنها لا تقدر على أن تكتفي ذاتيًا وستظل في حاجة للاستيراد من الخارج، سواء منتجات كاملة الصنع أو مواد خام، وهو ما سيجعل من تلك الرسوم أداة لزيادة السعر النهائي للمنتج المباع للمستهلك الأمريكي. 

وتعج الصحافة الأمريكية هذه الأيام بحجج كلا الفريقين، فمثلًا مستشار ترامب بيتر نافارو والذي تطلق عليه الصحافة لقب مهندس الحرب التجارية، يقول إن عامًا قد مرّ على فرض أمريكا رسومًا على بضائع صينية بقيمة 250 مليار دولار ومع ذلك لم تشهد أمريكا ضغوطًا تضخمية قوية كما كان في مخيلة المتخوفين من زيادة سعر المنتج النهائي للمواطن الأمريكي بسبب هذه الرسوم.

ويفسر ذلك بأن الصين تحملت جزءًا كبيرًا من أعباء هذه الرسوم عبر وسائل عدة مثل خفض أسعار منتجاتها أو خفض قيمة العملة الصينية. 

ويدافع ترامب عن هذه الرؤية وهو يقول في أحد تغريداته «إننا نكسب وقتًا كبيرًا ضد الصين. الشركات والوظائف تهرب والأسعار بالنسبة لنا لم تزد، وفي بعض الحالات انخفضت».

ولكن هناك مَن يرون أن المظهر الخارجي للاقتصاد الأمريكي لا يعبّر عن حقيقة ضعفه وهشاشة موقفه في الحرب التجارية، فالـ «نيوزويك» مثلًا تنقل عن جيم بيريم، رئيس مؤسسة الأعمال الزراعية في ولاية متشجان، ما قاله عن آثار الرسوم العقابية التي فرضتها الصين على صادرات بلاده من فول الصويا «لقد فقدنا فرصًا سوقية. نحن لا نصدر فول صويا حول العالم بالمعدلات المعتادة. نحن لا نصدره للصين. الصين كانت أكبر مستهلك لفول الصويا». 

وكانت الصين قد فرضت رسومًا انتقامية على وارداتها من الولايات المتحدة من الفول الصويا ضمن الإجراءات التي اتبعتها للرد على حرب ترامب التجارية.

المقال الذي عرض حالة صادرات الفول الصويا الأمريكية، كان يطرح فكرة مفادها أن الديمقراطيين لن يقدرون على هزيمة ترامب في الانتخابات، ولكن الحرب التجارية هي مَنْ ستهزمه.

كما يشير مقال في صحيفة الـ «فاينانشال تايمز» إلى أن الشركات الصينية الكبرى المملوكة للدولة تراجعت مؤخرًا عن التعامل مع شركة «سيسكو» الأمريكية للمنتجات الإلكترونية. 

وتنقل الصحيفة البريطانية عن رئيس الشركة قوله «نحن غير مدعوين للمزايدة، وغير مسموح لنا حتى بالمشاركة بعد الآن». وتشير الصحيفة كذلك إلى أن الإجراءات العقابية التي وضعتها الولايات المتحدة على شركة «هواوي» تهدد مبيعات شركات الرقائق الأمريكية. 

وفي مايو الماضي ضمت أمريكا شركة «هواوي» لقائمة الشركات التي يحظر على الشركات الأمريكية التوريد لها بدون موافقة حكومية.

«برودكوم، على سبيل المثال، باعت رقائق تساوي 900 مليون دولار إلى شركة معدات الاتصالات (هواوي) في 2018. خسارة هذه المبيعات مع عدم اليقين الناتج عن الحرب التجارية تسبب مؤخرًا في تراجع التوقعات بتعافي الإيرادات هذا العام». 

ويرى مارك زاندي، كبير الاقتصاديين بوكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني، أن الحرب التجارية كان لها أثرًا سلبيًا على حركة الاستثمار في العالم كله.

ويقول: «العام الماضي كان متوسط نمو الوظائف في الولايات المتحدة قريبًا من 225 ألف… خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وبغض النظر عن تقلب البيانات كان نمو الوظائف 140 ألف للشهر»، وإذا انخفضت المؤشرات تحت 100 ألف وظيفة في الشهر «فإن البطالة ستبدأ في الارتفاع».

وإذا ما نظرنا للعالم في مجمله، فإن حرب ترامب تتزامن مع العديد من الأزمات التي تهدد اقتصادات العالم المتقدم، فألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، غارقة في التباطؤ الاقتصادي، وقد سجل اقتصادها انكماشًا في الربع الثاني من العام الجاري. 

واليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، تعاني من ضعف التضخم (أقل من 2%) بالرغم من كل الإجراءات المحفزة على زيادة الطلب التي يطبقها البنك المركزي. ويعد ضعف مستوى التضخم مؤشرًا سلبيًا على عجز اقتصاد البلاد عن النمو بشكل صحي، لذا تجاهد السياسات الاقتصادية في البلاد لرفع الأسعار بوتيرة أسرع.

وكوريا الجنوبية، التي تعد من أكبر مصدري العالم بقيمة صادرات تجاوزت 600 مليار دولار في 2018، تتجه هذه الفترة لتنويع مصادر دخلها بحيث لا تركز على التصدير في ظل تأثير الحرب التجارية على هذا النشاط. 

وكلا البلدين، اليابان وكوريا، وقعا في حرب تجارية مع بعضهما، حيث قالت اليابان إن كوريا الجنوبية سربت معلومات حساسة لكوريا الشمالية، وعلى أثر ذلك قررت تشديد إجراءات تصدير مواد كيماوية تستخدم في صناعة أشباه الموصلات، وهي أحد المنتجات الرئيسية التي تصدرها كوريا وتستخدم بشكل واسع في صناعة الإلكترونيات.

باختصار يتجه العالم إلى الحمائية، بينما يتجه التوافق الذي ساد بين الدول المتقدمة لعقود طويلة حول ضرورة سيادة حرية التجارة إلى التآكل، ولا يتضح حتى الآن كيف سيكون شكل العالم الجديد بعد انتهاء هذه المعركة التجارية. 

وبينما يتصارع العالم في حرب شرسة على إعادة تقسيم كعكة الاقتصاد العالمي، سواء من جانب الكبار مثل أمريكا والصين وأوروبا، أو حتى بلدان نامية مثل الهند والمكسيك تخوض نفس الصراع بأدوات متعددة، فإن بعض الدول ذات الموقع الهامشي جدًا من التجارة العالمية، مثل مصر التي لا يتجاوز نصيبها من تلك التجارة 0.083%، قد تخسر الكثير من وراء هذا الصراع.

وتظهر هذه الخسائر في الأثر المباشر للرسوم الحمائية الأمريكية على الصادرات المصرية، مثل صادرات الصلب التي كانت قد استفادت من تعويم الجنيه في 2016 وتوسعت بقوة في السوق الأمريكي، ثم جاءت رسوم الحماية لتحد من فرص هذا التوسع. 

كذلك تتأثر الصادرات الموجهة إلى الشريك التجاري الأكبر لمصر، الاتحاد الأوروبي، بتراجع حرية التجارة، ﻷن السياسات الحمائية تؤدي لتباطؤ الاقتصاد الأوروبي، مما يؤثر على معدلات طلبه للسلع المختلفة. 

وبصفة عامة فإن عالمًا يميل إلى الحماية أكثر من الانفتاح، وتتصارع فيه القوى الكبرى على كعكة التجارة، هذه البيئة الدولية تمثل تحديًا كبيرًا لمصر ولقدراتها التجارية المحدودة. 

فما زالت مصر بعيدة عن تحقيق طفرة مناسبة في مجال الصادرات، وتضيف الحرب التجارية الجارية مزيدًا من المصاعب أمام تحقيق هذا الهدف، في الوقت الذي لم تتمكن فيه من تحقيق الفائدة المثالية من تعويم عملتها، والذي أفقد الجنيه أكثر من نصف قيمته أمام الدولار، بما يمثله هذا الإجراء من فرصة لأنه يقلّل من سعر المنتج المصري في السوق الدولية، ومن ثم يساعد على تسويقه بشكل أكبر، لكن هذه الفرصة لم تحقق نتائجها بالقدر المتوقع كما أشار تقرير صادر عن البنك الدولي الشهر الماضي.

وقد زادت هذه الصادرات غير البترولية بنحو 30% فقط في الفترة بين العام المالي السابق على التعويم إلى العام التالي له، 2017-2018، بينما زادت الصادرات النفطية بنحو 55% في نفس الفترة.

ويكشف ضعف قدرتنا على تنمية الصادرات خلال تلك الفترة عن ضعف في المزايا التنافسية التي يتمتع بها المنتج المصري، ليس فقط بسبب تأخرنا في مجالات الصناعة والتكنولوجيا، ولكن كذلك نتيجة اعتمادنا القوي على استيراد مدخلات الإنتاج من الخارج، والذي يجعل السعر النهائي للمنتج المصري عند تصديره يظل مرتفعًا نسبيًا. 

في ظل هذا الضعف في القدرة على المنافسة قد تزداد بطبيعة الحال صعوبة إيجاد أسواق بديلة في حالة ما تأثرت أي من الأسواق التقليدية التي نصدر إليها بالحرب التجارية.

أما إذا سعى القطاع الخاص المصري إلى اتخاذ السوق المحلي كبديل لتسويق منتجاته بدلًا من تصديرها فسيواجه منافسة قوية من الواردات الآتية من الأسواق الناشئة، ﻷن هذه الأسواق ستبحث أيضًا عن بدائل إذا ما تسببت رسوم ترامب في غلق أبواب التجارة في وجهها، وقد يكون السوق المصري بديلًا متميزًا في نظرها.

القذائف التي يطلقها ترامب في أمريكا على بكين قد تنتقل شظاياها إلى أسواق صغيرة مثل مصر إذا ما اتسع نطاق الحرب التجارية ليشمل مناطق أخرى من العالم وعددًا أكبر من السلع. 

اعلان