«حميدتي».. رجل الديكتاتور في سلطة الثورة
 
 

«رجل السودان القوي» و«الرجل الذي يدير الأمر فعليًا» و«الرجل صاحب دائرة النفوذ الإقليمي الأوسع». هكذا يصف الكثيرون من السودان وخارجها محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي (تصغير محمد في اللهجة السودانية – ما يوازي حمادة بالعامية المصرية).

رغم الغبار الكثيف الذي أثير حوله محليًا ودوليًا وإعلاميًا، احتل حميدتي موقعه كعضو في المجلس السيادي الذي سيدير شؤون البلاد لمدة ثلاث سنوات وفقًا للاتفاق المبرم بين المجلس العسكري الانتقالي الذي شغل منصب نائبه، وقوى الحرية والتغيير ممثل المعارضة السودانية، في 17 أغسطس الماضي. تم اختيار حميدتي كعضو في مجلس السيادة ضمن خمسة عسكريين آخرين كانوا أعضاء المجلس العسكري الانتقالي من أصل 11 عضوًا بينهم ستة مدنيين.

الرجل الأربعيني مواليد عام 1974 يعد أصغر قائد سوداني عسكري يصل لذلك المنصب. تحرك حميدتي بعدما تمكن من تقوية مركزه في ساحة القوى في السودان، بل وفي محيطها أيضًا للإطاحة بعمر البشير، ديكتاتور السودان الذي حكم البلاد لـ 30 سنة متتالية شهدت انقسام البلاد إلى شمال السودان وجنوبها بعد حرب أهلية مريرة، كما شهدت فظائع وانتهاكات موثقة دوليا أبرزها مجازر دارفور بين عامي 2003 و 2005.

ارتبط اسم حميدتي المنحدرة أصوله من قبيلة الرزيقات التي تعد إحدى أكبر القبائل ذات الأصول العربية في إقليم دارفور المضطرب، غرب السودان، بالمجازر التي وقعت في الإقليم حين ظهرت حركات تمرد احتجاجًا على القمع والافقار والتهميش في أوائل القرن.

عمل الرجل تاجرًا للجمال قبل أن ينضم لميليشيات كونها البشير في 2003 لقمع حركات الاحتجاج، واعتبر المجتمع الدولي أعمالها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بل جرائم إبادة جماعية. عمل حميدتي أولًا في النسخة الأولى من قوات الجنجويد بقيادة زعيم قبيلة «المحاميد» موسى هلال فيما عرف رسميًا بقوات «حرس الحدود» سيئة السمعة في الإقليم. وصٌعد سريعًا بمباركة ديكتاتور السودان السابق ليكون رئيسًا للنسخة الثانية من قوات الجنجويد التي شكلها البشير في العام 2013، والتي عرفت بقوات الدعم السريع بعد تمرد هلال على البشير واتساع رقعة المناطق العسكرية، بعد أن نقلت قوات التمرد مسرح عملياتها إلى إقليم كردفان واحتلت بعض المدن الصغيرة مثل «ابوكرشولا» و«أم روابة».

تتفاوت التقديرات حول أعداد قوات الدعم السريع من 30 إلى 50 ألف مقاتل. كانت رواتب القوات وحوافزها المالية الكبيرة سببًا في انضمام طوعي للآلاف من الشباب السوداني المرهق من أوضاع اقتصادية بائسة، والتي كانت من ناحية أخرى الدافع الأساسي للثورة على البشير التي بدأت في ديسمبر من العام الماضي وانتصرت مرحليًا في أبريل مع إزاحته عن الحكم.

وفي عام 2017 استجاب البشير لطلب أجهزة الاستخبارات والأمن الوطنية السودانية، بدمج ميليشيا حميدتي في القوات المسلحة السودانية، ولكن بدلًا من الحفاظ على التسلسل العادي للقيادة، أصدر البشير مرسومًا لضمان وضع «الدعم السريع» تحت قيادته المباشرة. وفي نفس العام حارب حميدتي بأوامر من البشير، موسى هلال الذي يعد الأب الروحي لميليشيات الجنجويد، واستطاع هزيمته وإلقاء القبض عليه حيث لا يزال معتقلًا في أحد السجون العسكرية في الخرطوم حتى الآن.

وواصلت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي ذات النهج السياسي والعسكري الذي اتبع في السودان في مراحل مختلفة باللجوء إلى الجماعات شبه العسكرية لشن هجمات من أجل «مكافحة التمرد» في المناطق الحدودية للبلاد. وفي العشر سنوات الأخيرة تمكن حميدتي بمباركة البشير الذي كان يلقبه مازحًا «حمايتي» من خلق وضعية استثنائية له ارتبطت بالدور المتعاظم لقوات الدعم السريع، التي بنت تحالفات قبلية واسعة من خلال شراء ولاءات بأموال من تجارة ذهب غير مشروعة لا سيما في منطقة جبل عامر بدارفور، والتي كانت بابًا لثروة كبيرة للرجل مكنته من الاستقلالية عن البشير والدولة.

الوضعية الاستثنائية لقوات الدعم السريع ورئيسها حميدتي لم تكن محلية فقط، إذ لم يكن الدور الإقليمي لقوات الدعم السريع أقل أهمية. فقد كانت له أدوار خارجية أيضًا لكل من يناوئ البشير ودعم كل من يقدم للبشير المعونة. فبحسب دبلوماسي إفريقي، نفذ الرجل مهام معقدة يمكن وصفها أنها مهام لها طابع مخابراتي في تشاد وليبيا في مراحل مختلفة. فهو الرجل الذي درب القوات التي ذهبت لليمن لتحارب ضد الحوثيين نيابة عن السعودية وكانت ضمانة ولائه للسعودية في ظل سحب مباغت للقوات الإماراتية من الحرب الدموية. كما أسهم حميدتي أيضًا بقوات في عمليات المراقبة واقتناص المهاجرين الأفارقة غير الرسميين في منطقة الساحل والصحراء، قبل أن يصلوا إلى أوروبا. واتهمت جهات مختلفة الاتحاد الأوروبي بتوفير تمويل غير مباشر لتلك القوات مقابل منعها المهاجرين من الوصول إلى أوروبا عن طريق قوة كبيرة تجوب الصحراء في المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا وتتمركز رئاستها في مدينة دنقلا بشمال السودان.

كما أرسل حميدتي مؤخرًا بحسب نفس المصدر بطلب إماراتي وإقرار مصري نحو  خمسة آلاف محارب ليكونوا ضمن صفوف قوات خليفة حفتر قائد ما يسمى بالجيش الوطني الليبي والذي يقود حملة منذ أبريل الماضي للاستيلاء على العاصمة طرابلس التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.

وفي يونيو من العام الجاري ارتبط اسم حميدتي مجددًا بالعنف ضد المتظاهرين المنادين بالديمقراطية حين فضت قوات لا يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت تابعة للقوات المسلحة أو تابعة لقوات الدعم السريع اعتصامًا سلميًا للمتظاهرين السودانيين أمام مقر القيادة العامة في الخرطوم، الأمر الذي تسبب بمقتل العشرات، ونقلت فيديوهات لنشطاء من السودان صورًا لجثث بعضهم طافية على مياه نهر النيل في العاصمة السودانية.

وفي حديث مع إحدى القنوات التلفزيونية المملوكة للسعودية بعد أيام من فض الاعتصام، انفعل حميدتي على محدثه الذي طرح السؤال حول دور قوات الدعم السريع في الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة وقال «ولماذا يجب أن تكون قوات الدعم السريع؟ ولماذا لا تكون قوات أخرى من الجيش أو الشرطة وهم أيضًا يرتدون الزي الرسمي؟  لماذا الدعم السريع دون غيرها؟». ويعلق مصدر بقوى الحرية والتغيير، تحدث من الخرطوم، على تساؤل قائد قوات الدعم السريع قائلًا «حميدتي بالطبع يقول إن دم كل سوداني هو دم غالي ولكن تاريخ الرجل معروف فهو يقتل صباحًا ويتبسم مساءً لذوي ضحاياه».

برأت اللجنة القضائية المسؤولة عن التحقيق فيما عرف في الأوساط السودانية بـ «مجزرة القيادة العامة» المجلس العسكري بما في ذلك قوات الدعم السريع من التورط بصورة منهجية في القتل الجماعي.

وبعد نحو  أربعة أشهر من إزاحة البشير، وفي أعقاب زيارة قام بها حميدتي إلى القاهرة في 28 يوليو  وصفه مصدر مسؤول مصري بـ «رجل السودان القوي – الآن وربما لفترة طويلة قادمة». وقال إن القاهرة كانت «تقليديا» تفضل التعامل مع عبدالفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة والقائد الحالي لمجلس السيادة لأنه «عسكري نظامي» ولأن «لا غبار عليه فيما يخص» مشاكل لها طابع دولي مثل دارفور. وأضاف المصدر «لكن لا يبدو أن البرهان تمكن من حسم الأمور لصالحه فالكلمة الآن هي لحميدتي. على الأقل داخل المجلس العسكري».

وبحسب نفس المصدر فإن قرار الرئاسة المصرية استقبال حميدتي «رغم كل التعقيدات التي تحيط بالرجل» لم يكن ليتم لولا تقدير القاهرة أن المعركة بين العسكريين حسمت لصالح حميدتي.

بعدما دعم حميدتي البرهان وذلك في أعقاب التخلص من البشير ثم أحمد عوض بن عوف وزير الدفاع الأسبق الذي تولى الحكم لمدة يوم بعد إزالة البشير، همش حميدتي فعليًا البرهان، إضافة إلى إزاحة أعضاء من المجلس العسكري كانوا يناوئونه بدعوى سعيهم للانقلاب وإعادة عجلة حكم البشير، وذلك بحسب أحد المصادر الدبلوماسية في الخرطوم ومصدر بقوى الحرية والتغيير.

وكان حميدتي، بحسب مصدر قوى الحرية والتعبير، طرفًا أساسيا في صياغة بعض مواد الاتفاق الحالي خاصة تلك المتعلقة بتحصين أعضاء المجلس العسكري من المساءلة إلا بموافقة ثلثي الحضور من أعضاء المجلس التشريعي، وكذلك بجعل قوات الدعم السريع غير تابعة للمجلس التشريعي الذي سيكون للمدنيين فيه نسبة ٦٧%، بل للقائد العام للقوات المسلحة والذي يمثله حاليًا القائد الحالي لمجلس السيادة البرهان نفسه.

وقال مصدر قوى الحرية والتغيير «إن حميدتي بالطبع يسعى ليكون هو القائد العام لتبقى سيطرته على قوات الدعم السريع حتى بعد أن يتم إدماجها المرتقب -بحسب الوثيقة الدستورية- في القوات المسلحة لتتخلص من صفاتها غير النظامية». وأضاف المصدر الذي فضل حجب اسمه، «الأمر يتعلق بالصراع الدائر خلف الكواليس بين أعضاء المجلس العسكري والذي يلقي بعض أعضائه دعمًا من قوى إقليمية فيما يلقي البعض الآخر دعمًا من قوى إقليمية أخرى، كما أنه يتعلق بما ستقرره عواصم دولية رئيسية وعلى رأسها الولايات المتحدة». وخلص قائلًا «في النهاية لا يمكن استبعاد وصول حميدتي إلى هذا المنصب».

خلال هذه السنوات الثلاث، وهي عمر الفترة الانتقالية المتفق عليها، بحسب مصدر الحرية والتغيير، سيسعى حميدتي لصياغة محكمة لموقعه قد لا تجعله حتما على رأس السلطة التنفيذية ولكنها قد تنتهي به الحاكم الفعلي للبلاد على رأس القوات المسلحة ليأت من يأتي إلى رأس السلطة التنفيذية.

وبخصوص الفصل القادم من مسيرة حميدتي، قدر المسؤول المصري أنه  «من الواضح بما لا يخفى عن الأعين اطلاقًا» وصول حميدتي لسدة الحكم بـ «صورة أو أخرى». ولكنه أضاف بالوقت نفسه «أن تعقيدات الوضع الداخلي في السودان لا يجب أن يتم التعامل معها ببساطة لأن الصراع الإقليمي سواء من قوى عربية مؤثرة أو من قوى إفريقية ترغب في أن يكون الجالس على كرسي الحكم في السودان مواليًا لها هي أمر لا يستهان به».

وأوضح «نعم ترغب السعودية كما ترغب الإمارات في وصول حميدتي للحكم لكن هذا ليس بالضرورة موقف إثيوبيا وليس بالضرورة موقف أوغندا. المسالة معقدة».

بحسب دبلوماسي غربي في القاهرة يتابع الشأن الإفريقي يعتبر وصول حميدتي لحكم السودان هو أمرًا شائكًا للغاية، موضحًا أن الأمر ليس في يد السعودية والإمارات فقط  فدعم حميدتي لن يكون مثل دعم السيسي في 2013، لأن السيسي حينذاك كان وزيرًا للدفاع سبق له أن درس وتعلم في الغرب وكان يلقى احترامًا ما في عواصم عديدة كما أنه كان في نظر الكثير من المصريين بطلًا شعبيًا أنقذ البلاد من حكم الإخوان، وحتى مع أقتران اسم السيسي بما جرى أثناء عملية فض اعتصام (الإخوان وأنصارهم) في رابعة العدوية «فلا يمكن بحال مقارنة ذلك بتورط حميدتي في دافور» وذلك بالرغم من الجهود التي يقوم بها حميدتي حاليًا لشراء ولاءات واسعة في دارفور بما في ذلك من بعض القبائل التي تضررت كثيرًا من جرائم الجنجويد قبل 15 سنة.

وبينما يقر الدبلوماسي الغربي أن للسعودية والإمارات قدرة لا يستهان بها على التأثير على قرارات البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب تتجاوز تلك التي كانت في عهد سابقه باراك أوباما عندما تمكن سعود الفيصل وزير خارجية السعودية الراحل ومحمد بن زايد الحاكم الفعلي للإمارات من إقناع الإدارة الأمريكية بقبول الانتقال السياسي في مصر، يؤكد الدبلوماسي بالوقت نفسه أن هذه الزيادة في التأثير والتي تأتي من خلال صفقات لا نهاية لها لشراء الاسلحة والسيطرة على أسعار النفط لا يمكن لها أن تتجاوز واقع الهوة الكبيرة في المقارنة بين السيسي وحميدتي. مؤكدًا «لو كنا نتحدث عن البرهان كان ذلك ممكنًا أما حميدتي فهذا أمر صعب للغاية. نحن نتحدث هنا عن مجرم حرب فعليًا وهذا ما لا يمكن وصف السيسي به».

الصعوبة في القبول بحميدتي رئيسًا للسودان يتفق فيها المصدر بقوى الحرية والتغيير مع الدبلوماسي الغربي، مضيفًا أن الأمر سيكون صعبًا حتى من منظور توازن القوى الداخلية في السودان لأن حميدتي في النهاية لا ينتمي للقبائل الكبيرة، بل هو ليس من أبناء المدن الكبيرة التي تقع على ضفاف نهر النيل. فهو من إحدى قبائل دارفور، مؤكدًا أن هذا أمرًا لا يجب التقليل من شأنه.

ومع ذلك، وبحسب نفس المصدر فإن المقارنة بين علاقات حميدتي بالداخل السوداني اليوم بما كان عليه الحال في اليوم التالي لإنهاء حكم البشير تقول إن الرجل تمكن بالفعل من تحسين علاقاته بالمال وبالوعود، بما في ذلك العلاقة مع جنوب السودان.

وهكذا يعيد رجل الميليشيات السابق صياغة دوره من مراهق مهمش لشاب مرتزقة ثم قائد ميليشيا، وصولًا إلى رجل يسعى لتحقيق السلام.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان 
محمد الأمين