3- «الإنسان يبحث عن معنى» لفيكتور فرانكل.. أو «يا هُدى الحيران في ليل الضَنا*»
 
 

سمعتُ مرَّة أنَّ كل قارئ لديه كتب يخجل من وجودها في مكتبته، لكنه لا يطاوعه قلبه على التخلص منها. ربما يكون هذا صحيحًا، لكنني لا أخجل من كتاب لديَّ مَهما كان موضوعه أو عنوانه، وتأكيدًا على ذلك اخترتُ بضع عناوين قد يراها بعض الزملاء من الكتَّاب أٌقرب ما يكون إلى الخزعبلات، أو على أهون تقدير يعتبرونها خارج نطاق اهتماماتهم. 

الكتب الأربعة التي سأشير إليها في هذه السلسلة الصغيرة لا تعد بأي معرفة من العيار الثقيل، بمعايير العلوم الإنسانية المتخصصة، ولكنها تعد بمعرفة من نوعية مختلفة، صحيح أنها تقدم وعودًا ورؤى تجعلها تتشابه في معظمها مع بعض كتب التنمية البشرية، لكنها تعلو عليها باتساع أفق ومقاصد إنسانية نبيلة.

أكشف هُنا، عبرَ هذه السلسلة، عن بعض خزعبلاتي الجميلة، وعن منابعها الأصلية، لا أدعو أحدًا للاعتقاد بها، ولا لأطرحها باعتبارها حقائق راسخة مستقلة عمَّن يؤمن بها، بقدر ما أعتبرها سيناريوهات محتملة لتأمُّل لغز الوجود، أو اقتراحات لحَل هذا اللغز، الذي لا بدَّ أن يبقى لغزًا مع هذا، رغم يقين المؤمنين وأشواق الفلاسفة وطموحات العلماء، لأنَّ في استمرار هذا اللغز وحده يتجدّد دمُ الحياة، وتبقى نشوتها بالسؤال المفتوح على اللانهاية. 

تضم الكوكبة كتاب «قوة الآن» لإيكهارت تول، في الحلقة الأولى هنا، وكتابين يعرضان مذهب الـ«زن» أحد مذاهب البوذية في الحلقة الثانية هنا، بالإضافة لكتاب «الإنسان يبحث عن معنى» في هذه الحلقة. 

منذ أن صدرَ كتاب Man’s Search for Meaning في 1946، ظلَّ يجد طريقه إلى قارئ جديد مع كل يوم. يرجع ذلك في اعتقادي لسببين: أوَّلهما خصوصية المحنة الشخصية الرهيبة التي يسردها كاتبه بلا دراما وبلا دموع، والسبب الثاني بساطة وعُمق طَرحه النظري المستقى من خبراته تلك.

النسخة العربية من الكتاب صدرت أولًا عن دار «القلم» في الكويت عام 1982، بترجمة طبيب النفس المصري طلعت منصور، تحت عنوان الإنسان يبحث عن المعنى (مقدمة في العلاج بالمعنى – التسامي بالنفس)، وأعادت دار «الأنجلو» المصرية طباعتها مع تغيير طفيف في العنوان (الإنسان والبَحث عن المعنى -معنى الحياة والعلاج بالمعنى)، لكن أظن أن المتن الأساسي واحد.

مؤلف الكتاب، Vector Frankl فيكتور فرانكل (1905-1997) طبيب أمراض نفسية وعصبية من النمسا، وهو أحد الناجين القلائل من محارق ومعتقلات الهولوكوست [الكلمة التي قد تعني في أصلها اليوناني بالمناسبة holókaustos احتراق الجميع، أو بقدر من التحريف البرئ: كلنا ملسوعين بنفس النار]. وهكذا مخطئ مَن يقول إن النار لا تحرق مؤمنًا، فلسنا جميعًا النبي إبراهيم الذي سيأمر الله النار لتكون بردًا وسلامًا عليه، ولعلَّ أهمية هذا الكتاب الأساسية تنبع مِن اقتراحاته كيف نتعامل مع لَسْع النار بكبرياء وكرامة ومسؤولية. لقد نجا صاحبنا فكتور فرانكل هذا مِن معسكر اعتقال نازي ظلَّ فيه فترة طويلة، ظلَّ في كل ساعةٍ منها لا يعرف إن كان سيُكتَب له العيش لساعة أخرى أم أنه (سيأخذ الصابونة) ويُوجَّه مع آخرين لأفران الغاز بحجة الاستحمام لكي يتمّ إغلاقها عليهم وإحراقهم فيها. مرَّ على أكثر من معسكر اعتقال من بينها أوشفيتز صاحب السمعة السيئة الشهيرة كأكبر مورّد جثث للآخرة.

المساهمة الأبرز لفرانكل هي نظريته حول العلاج بالمعنى أو logotherapy، ويمكن اعتبارها شكلًا من أشكال التحليل النفسي الوجودي، وتوصف بأنها المدرسة النفسية الثالثة في فيينا من مدارس التحليل النفسي، بعد مدرستي فرويد وآدلر، وبعيدًا عن الفروق بين تلك المدارس يكفي أن نقول إنَّ طرح فرانكل لا ينفي أو يستبعد أساليب وطرائق المدارس التحليلية السابقة عليه، طَالما ظلت ناجعة مع مرضاه، ولكنه فقط يرفض أن يحصر النفس الإنسانية في الطاقة الجنسية المكبوتة أو عُقَد الطفولة، كما لا يوصد الباب بالمرة أمام الخبرات الروحية والدينية كوسيلة محتملة للتسامي بالذات (والتسامي كلمة مركزية في منهجه) وبلوغ الإنسان لمعنى حياته. وربما كان طرحه هذا هو البذرة الأصلية وراء أعمال عديدة تالية، استلَهمت نظريته بطرائقها المختلفة، منطلقة من الفكرة المركزية وهي أنَّ على الإنسان أن يخلق بنفسه معنى حياته من غير أن ينتظر العثور على ذلك المعنى مكتملًا ونهائيًا ومتروكًا له أمام عتبة داره ذات صباحٍ رائق.

في القِسم الأوَّل والأطول من كتابه هذا، يروي فيكتور فرانكل خبرته الشخصية كما عاشها منذ لحظة اعتقاله وحتَّى تحرره ونجاته نهائيًا، ليس بأدق التفاصيل بطبيعة الحال، ولكن بسرد واضح وحي للأوضاع العامة في تلك المعتقلات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، والأهوال التي يتعرض لها السجين بدنيًا ونفسيًا، والتي ربما تعجز أي وسيلة عن نقلها بأمانة عبر كلمة أو صورة، ولا يمكننا حيالها إلَّا أن نتخيَّل فقط ذلك الكابوس متكامل الأركان، والذي قد لا يبتعد كثيرًا عن كوابيس أخرى متنوعة يعيشها ملايين البشر في الوقت الراهن مشردين ولاجئين وأسرى جماعات مسلحة ومطحونين وسط أطراف متقاتلة، وبالطبع أيضًا ضحايا احتلال، احتلال صريح ومباشر وآخر ضِمني وغير مباشر، بدأ يأخذ طبيعة الأمر الواقع.

لكن بعيدًا عن سرد وقائع المعسكرات، وهي كافية لإنتاج نص مهم، يتمثل طموح هذا العَمل الأساسي في رصد ما يحدث داخل نفوس هؤلاء الأشخاص، وكل تلك التغيرات التي تطرأ على نفسية السجين بالأساس، من مراحل مختلفة قد تتطور من الصدمة إلى الإنكار والتوَّهم ثم مواجهة الحياة كوجودٍ متجرد وعارٍ تمامًا (والعُري هنا يشمل المعنيين المادي والنفسي على السواء)، ثم هناك نمط غريب من المرح والعبث الذي يشارف لحظات اليأس وبالطبع الأفكار الانتحارية وتمني الموت والإحساس بانعدام القيمة والمعنى، وليس انتهاءً بالبلادة وحالة (السُبات الثقافي) بتعبير فرانكل. ويشرح المؤلف كل مرحلة بلا إسهاب، في انعكاسها عليه وعلى مَن حوله، انتهاءً إلى مرحلة ما بعد النجاة من الموت والإفراج عن السجين وصعوبة استعادة علاقة (طبيعية) بالحياة كَما كانت قبل الكابوس.

بطبيعة الحال لا يُمكننا مقارنة حياة سجين في معسكر اعتقال نازي خلال الحرب العالمية الثانية بحياة أيٍ منَّا، ولا حتَّى من باب (اللي يشوف بلاوي الناس…)، لكن الفكرة الأساسية التي تصل من وراء هذا السرد هي الهيكل العظمي الواحد للمِحنة الإنسانية (على تنوع أشكال وألوانها وتغيرها باختلاف الأزمنة والأماكن)، وكذلك المدارات الواحدة للآليات النفسية التي يتبعها الإنسان عمدًا أو عفوًا عند مواجهته تلك المحن، وأهمية شعوره بحرية اختياره رد فعله إزاء معاناته، وكيف يمكنه أن يستخلص منها معنى خاصًا به ويحوّلها إلى شيء آخر يتسامى به عن الحضيض الذي ألفى نفسه فيه، وشعوره بالمسؤولية نحو نفسه ونحو الآخرين المحيطين به والمحتاجين لعَونه ودعمه.

قد تتضح علاقة المِحن الإنسانية شديدة الوطأة مِن هذ النوع قاسية بمدرسة العلاج النفسي مِن خلال السؤال الذي اعتادَ أن يطرحه د. فرانكل على مرضاه بعد أن يسردوا له محنهم النفسية البالغة، وهو: «لماذا لم تنتحر حتَّى الآن إذن؟»، قد يجيب أحدهم إن السبب هو أبناءه أو حبه لشخص ما أو ارتباطه بعمل أو مشروع، وغالبًا ما تكون هذه الإجابة هي أوّل الخيط نحو العلاج، فإن بساطة طرح د. فرانكل تقول إن ما يمنعنا من الموت يجب أن يكون هو نفسه ما يحضنا على الحياة، بتركيز الاهتمام نحوه والعمل على تغذيته وتحويله لطاقة تغيير داخلية. ويستشهد المؤلف في هذا الصدد بمقولة نيتشه التي تقول «إنَّ مَن يجد سببًا يحيا به، فإنَّ في مقدوره غالبًا أن يتحمَّل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل». 

وإذا كان بعض الناس يطرحون أسئلتهم على الحياة، في تكاسل وعَدَمية، أسئلتهم حول معناها ومغزاها ولا يجدون منها ردًا، فإن مؤلف هذا الكتاب يفترض العكس تمامًا بأن الحياة هي من تطرح علينا هذا السؤال حول معناها في كل يوم وفي كل ساعة، فالمسألة ليست ما نتوقعه من الحياة بقدر ما تتوقعه الحياة منَّا، على ألَّا تكون إجاباتنا على سؤال الحياة كلامًا وتأملات طيبة، بل حركة وعملًا ومسؤوليات واضحة.

لا يعني هذا أن فرانكل ومدرسته في العلاج تشجع على أن يؤمن الناس جميعًا بمعنى واحد للحياة، تقدمه كيانات متعالية ومؤسسات خارجية، روحية أو اجتماعية، فقد يكون هذا أبعد شيء ممكن عن مقصده، والمراد هو أن يصنع كل فرد معنى حياته انطلاقًا من تجربته الخاصة وظروفه وإمكانياته وطبيعة الأسئلة التي تطرحها عليه حياته. وقد يتشكَّل هذا المعنى ويُعاد تشكيله مراتٍ لا تحصى مع تغيّر محطات حياة المرء نفسه فهو ليس صنمًا يُعبَد أو نشيدًا يُحفَظ، بقدر ما هو بوصلة هادية يسترشد الإنسان بها وسط عواصف البحار أو متاهات الصحارى، فالشيء الصغير الذي قد يشكّل معنى هائلًا في حياة أحد السجناء مثلًا قد لا يكون له قيمة كبرى في حياة المرء نفسه بعد خروجه من الحبس، لكن حريته الداخلية والتمسُّك بها وتحقيق المزيد منها ستكون نجمته الهادية سواء كان مقيدًا بالأغلال تغوص قدماه في الثلوج أو في قلب حديقة عامة في مطلع الربيع.

* من أغنية أم كلثوم (أقبلَ الليل)، كلمات الشاعر أحمد رامي.

اعلان
 
 
محمد عبد النبي