فصلٌ من تاريخ البورن على الإنترنت
 
 

نُشر الأصل الإنجليزي في أبريل 2019، في مجلة وايرد Wired، بعنوان[1]  موجز تاريخ البورن على الإنترنت A Brief History of Porn on the Internet وهو فصل من كتاب «پلايرز بوول: رجل عبقريٌّ، وآخر نصّاب، والتاريخ السرّي لصعود الإنترنت» الصادر في التوقيت نفسه عن دار نشر simon schuster. الترجمة منشورة بإذن من المؤلف.

***

«إلهنا المعظّم، نحمدك على التطوّر في وسائل الاتصال المحوسبة التي ننعم بها في وقتنا الحاليّ. لكن، للأسف، هنالك مَنْ يملأون طريق المعلومات السريع[2] هذا بمواد إباحيّة بذيئة، وفاحشة، ومُدمّرة».

كان التاريخ وقتها 14 من يونيو عام 1995، في قاعة مجلس الشيوخ في العاصمة واشنطن، عندما بدأ جيم إكسون، أحد أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيّين عن ولاية نيبراسكا، وذو الشَّعر الرماديّ والنظّارة الطبيّة، خطابَه لزملائه في المجلس بتلاوة صلاةٍ كُتبتْ لهذه المناسبة من قِبل زميله تشاپلن. وقف إكسون وقفته هذه ليشجّع زملاءه على تمرير المقتَرَح الذي تقدَّم به رفقةَ أحد الأعضاء عن ولاية إنديانا، دان كوتس، لتعديل قانون آداب وسائل الاتصال، أو ما يُعرف اختصارًا بالـ(CDA)، والذي سوف يعزّز صلاحيّات قوانين الفحشاء ومعاداة البذاءة، الموجودة أصلًا، لكي تشمل «خدمات الحاسوب التفاعليّة» الخاصة بعصر الإنترنت الآخذ في الازدهار. وتابع إكسون تلاوة صلاته قائلًا: «الآن، وجِّه [يا إلهي] أعضاء مجلس الشيوخ وهم يفكّرون في وسائل للسيطرة على التلوّث المنبعث من وسائل الاتصال المحوسبة، وفي كيفيّة الحفاظ على إحدى أهمّ مواردنا: عقول أطفالنا، والمستقبل، والقوّة الأخلاقية لأمّتنا. آمين».

وبينما كان أعضاء مجلس الشيوخ يشاهدون ما يحصل بوجوههم التي لا تقول شيئًا، قدّم إكسون للمجلس ملفًّا أزرق حذَّر من احتوائه على العديد من «المواد الإباحيّة المنحرفة» التي «تقعُ على بُعْد بِضْعِ كليكّاتٍ» على الشبكة. قال إكسون: «لا، ولن، أستطيع أن أُرِي هذه الصور للمجلس، حيث لا أريد لكاميراتنا أن تلتقطها»، ولكن تابع بقوله: «أتمنّى من جميع زملائي، إن كانوا مهتمّين، أن يجيئوا إلى طاولتي ويشاهدوا هذه المواد المقزّزة».

لقد كانوا مهتمّين.

واحدًا تلو الآخر، قلّبوا بين صفحاتِ «الموادّ المقرفة»، كما وصفها دان كوتس، التي أنماها الإبداع. أشارَ [إكسون] إلى أرقام -بالرغم من الشكّ في صحّتها- مقتبسةٍ عن دراسةٍ وَجَدَتْ أن ما يزيد على 450 ألف صورة إباحيّة على الشبكة قد شوهدتْ ما يقارب الستّ مليون مرّةٍ العام الفائت. كان مصدرها الرئيس مجموعات الأخبار الحرّة -أمثال Alt.sex وAlt.bestiality- وغيرها من المصادر، التي احتوت على مشاهد وحشيّة من اللحم والرِّجْس. «عندما كانت تكنولوجيا الإنترنت في بدايتها، كان عرضُ صورة بصريّة والبحث عنها أمرًا يتطلّب مجهودًا»، قال كوتس مبرّرًا موقفه، وتابع منذرًا: «تكنولوجيا الإنترنت الحديثة، مثل متصفحّات الويب، تجعل تلك الأمور أسهل».

رغمًا عمّا بدا عليه الأمر من إلحاح وآنيّة بالنسبة لمجلس الشيوخ، إلا أن مثل هذه الهموم حول الإباحيّة وعلاقتها بالتكنولوجيات الجديدة بعيدةٌ كلَّ البُعْد عن الجِدَّة. جون تيريني، المنخرط في برنامج الزمالة لدى جامعة كولومبيا، والذي درس الأثر الثقافي للتكنولوجيا، تتبّعَ ما أسماه «الدافع الإيروتيكيّ للتكنولوجيا» رجوعًا نحو 27 ألف سنة، وكانت إحدى أقدم الأشكال الطينيّة التي اكتُشفت من ذلك الزمان هي لنساء بصدورٍ ومؤخّرات ضخمة. كتبَ تيريني في مقالتهِ لجريدة «النيويورك تايمز» عام 1994 قائلًا: «أحيانًا، كانت الإيروتيكا قوّةً دافعةً للإبداع التكنولوجيّ (..) معظم الأحيان، منذ منحوتات العصر الحجريّ حتّى الـcomputer bulletin boards[3]، كانت تلك هي أولى الاستخدامات لأيّ وسيطٍ [تعبيريٍّ] جديد».

من المتوقّع أنّ مثل هذه التصويرات ظهرتْ مع كلّ حدثٍ تكنولوجيٍّ جديد. مع فنّ الكهوف، ظهرت رسومات لنساء عاريات مستلقيات على جدران كهوف المجدليّة منذ 15 ألف سنة قبل الميلاد. وعندما اكتشف السومريّون كيفيّة كتابة اللغة المسماريّة على الألواح الطينيّة، مَلَؤُوها بشتّى الأشياء؛ من الأشعار حتّى فروج النساء. وكانت إحدى أول الكتب المطبوعة على طابعةٍ من نوع غوتنبرغ[4] عبارة عن مجموعةٍ تعود للقرن السادس عشر من الوضعيّات الجنسيّة المبنيّة على أشعار الرجل الذي يُعَدُّ أول ممثّل إباحيّ، أريتينو، وقد منع البابا ذلك الكتاب. كلُّ وسيطٍ [تعبيريّ] جديد اتّبعَ نمطًا مشابهًا من الإبداع، والپورن، والوحشيّة. أحد أول الأفلام التي أُتيحت للمشاهدة من قِبل العامّة كان فيلم القُبلة عام 1900، بتوزيع تجاريّ من قِبل توماس إديسون، والذي يعرض 18 ثانية من تبادل القُبُلات بين حبيبين.

كتب أحدُ النقّاد عن الفيلم قائلًا: «كان المشهدُ المطوّل لتغذّي البطلين على شفاه أحدهما الآخر بالحجم الطبيعيّ بغيضًا بما فيه الكفاية على المسرح، فما بالك بتضخيمه إلى حجم كبير وإعادة عرضه ثلاثة مرّات، يا للقرف!» لكن في المقابل، احتفى [توماس] إديسون بقدرة الفيلم على «إمتاع جمهور المسرح كلّ مرّة». صدرَ أوّل فيلمٍ إيروتيكيّ عام 1896، وهو فيلمُ التعرّي المسمّى Le Coucher de la Mariée[5] الذي كان يُشعل حماس الجماهير أيضًا.

نهاية الخمسينيات، وضعَ خروجُ فيلم الثمانية ملّي إلى الضوء سلطةَ الپورن في أيدي الجميع، وأعلن بدء صناعة الپورن الحديثة. وعندما دخلت مسجّلات كاسيتّات الفيديو البيوت بعد 20 سنة من ذلك الوقت، كان 75% من الكاسيتّات التي بيعتْ پورنًا. وصار من المعروف أن قرار [شركة] سوني بحظر الپورن من على مشغّل الكاسيتّات الخاصّ بها، Betamax، أدّى إلى اندثاره تمامًا. حديثًا، عند تفكيك نظام الهاتف عام 1984[6]، غذّى ذلكَ انتشار 900 رقم مخصّص للجنس الهاتفيّ. بناء على ذلك، لم يكن مفاجئًا أنّ بزوغ فجر الإنترنت كان يصاحبه بزوغ نفس النوع من الإبداع، والرغبة، والوحشيّة التي كانت تعتمل منذُ دهور.

بدأ هذا السخط على المحتوى الإباحيّ للإنترنت عند نشر دراسة في مجلّة Georgetown Law كان عنوانها: «تسويقُ الإباحيّة على طريق المعلومات السريع». ادّعتْ هذه الدراسة التي تبدو سلطويّة، والتي كتبها مارتي رِمْ، الطالب في جامعة كارنيجي مِيلَن، أنها «مسحٌ لـ917 ألف صورة، ووصف، وقصة قصيرة، ورسمة، حُمّلتْ جميعها 8.5 مليون مرّة من قِبل المستهلكين في ألفين مدينة موزّعة على أربعين دولة، ومقاطعة، وإقليم». وأكّد رِم على أنّ 80% من الصور المنشورة في مجموعات الأخبار، مستودَعِ الصور الرئيسيّ على الشبكة، كانت پورنًا.

جذب ذلك الرقم الصادم اهتمام مجلّة «التايم» التي نشرت مقالًا على صفحتها الرئيسة في الثالث من يوليو، عام 1995، في الوقت المناسب لمحبّي القراءة في العطل[7]، تذكرُ فيه النتائج التي سوف تُعلن قريبًا. أظهرت صورة الغلاف طفلًا يجلس أمام كيبورد، ويغطّيه ضوء أزرق، أعينه مشدوهة، وفمه المفتوح يُنبئ بالارتعاب. «الپورن السيبراني»، عنوانُ الصورة يصرخُ في وجه القرّاء. ويتابع العنوان، مقتبسًا عن كاتب المقالة، قائلًا: «دراسةٌ جديدة تُظهر مدى انتشاره وجموحه الحقيقيّ. هل نستطيع حماية أطفالنا، وحريّة التعبير؟». وأضاف الكاتب داخل مقالته قائلًا: «إن كنتَ تعتقد أن الأمر جنونيّ الآن، فتريّث حتى يضع السياسيّون أيديهم على تقريرٍ سوف يصدر هذا الأسبوع».

لقد كان الكاتب محقًّا. بالرغم من احتجاج الليبراليين المدنيين والمشكّكين (كتب مايك غادوِن في مجلّة «هوت-وايرد» قائلًا: «ما ضمّنه رِم في دراسته حول إمكانيّته تحديد «نسبة الصور الإباحيّة من مجموع الصور المتاحة على منصّة Usenet[8] في يوم معيّن» كان وهمًا خالصًا»)، فإن دراسة رِم صارت الأساس الذي يرتكز عليه مشروع قانون آداب وسائل الاتصال (CDA). وكانت مسؤوليّة مجلس الشيوخ، كما وصفها [جيم] إكسون، خلال جلستهم، واضحة. برغم الاعتراضات المتعلّقة بتقييد حريّة التعبير، استهدف مشروع الـ CDA مروّجي الپورن على الشبكة وسوقهم المزدهر، حيث سيصيرون عُرضة للحبس مدّة سنتين جزاء نشر مواد بذيئة يمكن لمَنْ هم دون الـ 18 الوصول إليها. وعندما أُخذت الأصوات، كانت النتيجة ساحقة: صوّت مجلس الشيوخ، ومن بعدهم مجلس النوّاب، على قبول مشروع القانون.

إلا أنه، أثناء صيف [1995]، فقدت الأساسات التي ارتكز عليها القانون مصداقيّتها تمامًا. حيث وُجد أن ورقة رِم، التي هاجمها النقّاد بقوّة، نُشرت دون مراجعةٍ من قِبل الأقران (peer review)، مغذّيةً نظريات المؤامرة لدرجة أنها كانت حاضرةً في كلّ مكائد نشطاء معاداة الپورن. نبذت «النيويورك تايمز» الدراسة باعتبارها «مبالِغة» وممتلئة «بتحليلات مضلّلة، وتعريفات غامضة، وخلاصات غير مدعومة بأدلّة». بعد أن هاجمه ترولّات (trolls) الإنترنت، اختفى رِم عن الأنظار. إلا أن عمله، وعمل مجلس الشيوخ، كان قد انتهى.

يوم الثامن من فبراير، عام 1996، صدق الرئيس بِل كلينتون على قانون آداب وسائل الاتصال، حيث قال: «اليوم، وبجرّة قلم، سوف تلتحق قوانيننا برَكْب المستقبل». بالنسبة لإكسون وآخرين غيره، لم يخطر في أجمل أحلامهم أن يحصل الأمر بهذه السرعة، فقد حثّ [جيم إكسون] زملاءه في جلسة الاستماع قائلًا: «إن لم يقم أحدهم باتخاذ خطوة، سوف تصير الإباحيّات الفائدة الرئيسيّة من الثورة المعلوماتيّة».

في إحدى الأيام، في مدينة بوكا راتون في ولاية فلوريدا، في شهر مايو من عام 1996، تلقّى جوردان ليڤنسِن، مالك شركة AIS للتسويق، وهي شركة ناشئة تعمل في تنسيق الإعلانات على مواقع البالغين، اتصالًا هاتفيًّا من رجل أراد الاستفادة من العالم السفليّ للثورة المعلوماتيّة الآخذ في الازدهار. كان اسمه ستيڤِن كُوِن.

ليڤنسِن، الذي عمل مع والده على إدارة شركة جنسٍ هاتفيّ، كان قد صادفَ في يومه العديد من الفشلة العاملين في مجال الإباحيّة، ولقد شَعَر، كما يصف ذلك لاحقًا، أنّ كُوِن «لم تبدُ عليه سمات المعرفة في مجال هذه الصناعة». إلا أن كُوِن امتلك شيئًا قيّمًا: الدومين الوحيد الذي سوف يكتب اسمه كلُّ مَنْ يمتلك حاسوبًا وموديمًا ويبحث عن الپورن؛ www.sex.com. بعدها، عقد ليڤنسِن مع كُوِن صفقةً لشراء، وبيع، واستقطاب الإعلانات من أجل ما تعهّد به كُوِن بأنه سيكون الوِجهة الوحيدة العظمى «للمصّ والنّيك» أونلاين.

بالرغم من القانون الفيدراليّ، ببساطة لم يكن بالإمكان إيقاف سيل الپورن على الشبكة، أو على الأقلّ تحديد عُمْر المستخدمين. وقتها، عدد البشر الموجودين أونلاين أكبر من أي وقت مضى. وفقًا لمكتب الإحصاءات الأمريكيّ، عدد المنازل التي احتوت على حاسوب كانت في ارتفاع، حيث اقتربت نسبتها من 36% من إجمالي بيوت الأمريكيّين، في زيادة على نسبة 22.8% الخاصة بعام 1993، ونسبة 8% الخاصة بعام 1984. واحد من كلّ خمسة أمريكيّين كان يستخدم الإنترنت حينها.

ضمن المشمولين في النسبة، قيل إن معظمهم يستخدمون الإنترنت لقراءة الإيميلات، وفقًا لتصنيفات مكتب الإحصاءات، أو «من أجل تحصيل المعلومات المتعلّقة بالحكومة، والأعمال، والصحّة، والتعليم». إلا أنه في ذلك الوقت، أيُّ شخص موجود أونلاين كان يعرف ما الذي يبحث عنه الناس، مثلما فعلت الأجيال السابقة في كلّ وسيط جديد من قبلهم. بل إنهم، كما عَلِم كُوِن لاحقًا، كانوا مستعدّين لدفع المال مقابل الپورن. عندما أطلق sex.com باعتباره مشروعًا تجاريًّا في ربيع عام 1996، تسابق أفرادُ عالمٍ سفليّ من المجرمين، والمبدعين، والرياديّين على الاستثمار [في الموقع]. لكن كان عليهم أولًا أن يفعلوا شيئًا لم يفعله شخص مسبقًا على نحوٍ موثوق: أن يعرفوا كيفيّة تحقيق الربح أونلاين.

بينما كان كُوِن يبيع اشتراكات العضويّة في موقعه -حيث يستوفي من الزوّار أجرًا شهريًّا مقابل النفاذ إلى الصور، والفيديوهات، وما إلى ذلك- أكّد ليڤنسِن أن التحدّي يكمن في إقناع المتصفحّين بالضغط على عمود الإعلانات، لوحة الإعلانات التفاعليّة الخاصة بطريق المعلومات السريع، وزيارة الموقع المُعلِن. استفاد المُعلِنون في الاتجاهين: «الظهور»، الذي يعني عدد المرّات التي حُمّلت فيها الإعلانات للزوّار حتى يروها، و«الكْلِكْسْ» التي تعني عدد المرّات التي ضغط الزوّار فيها على الإعلان الذي يقودهم بدوره إلى موقع المُعلِن. يصف ليڤنسِن الأمر بقوله: «إنهم يدفعون من أجل الإعلان (…) يدفعون من أجل تثبيت عمود الإعلانات خاصّتهم». سوف يصير ليڤنسِن مسؤول الإعلانات لدى كُوِن؛ يبيع، ويشتري، ويجمع المال، كلُّ ذلك مقابل 15% [من الأرباح]. ما القدر الذي يستطيع كُوِن جَنْيَهُ؟ ظنّ ليڤنسِن أنّ موقعًا مثل sex.com قد تصل أرباحه مقابل كلّ إعلان إلى 30 ألف دولار.

أدرك كُوِن أنه لا يحتاج حتّى لإنتاج الپورن لكي يجني المال. إنه يستطيع جَنْيَهُ عن طريق ترويج الإعلانات على موقعه ومقايضة المحتوى الذي يرسله للآخرين بالمال. نظرَ كُوِن إلى صفحة الويب الفارغة خاصّته وعرفَ بالضبط ما الذي أراد فعله: أن يبيع أكبر قدر ممكن من المساحات الإعلانيّة وأن يجني الأرباح جرّاء ذلك. كلّ ما كان عليه فعله هو إيصال الخبر بأنه متاح للعمل إلى الناشئين من منتجي الپورن أونلاين. والمكان المناسب لفعل ذلك هو ڤيجاس.

تجمّعت الأعداد المتزايدة من عمالقة ومعجبي پورن الإنترنت في ڤيجاس من أجل معرضهم السنويّ AdultDex، والذي تزامن مع Comdex، معرض الحواسيب الذي اجتذب [وقتها] 200 ألف محبّ للتكنولوجيا إلى تلك المدينة. لطالما كان الپورن مُرَحّبًا به في معارض الإلكترونيّات منذ أن غذّى عملية انتشار أشرطة الفيديو في الثمانينيات. لكنّ الزمن وقتها كان يتغيّر. قبل عامين، مُنع المساهمون في معرض AdultDex من المشاركة في معرض Comdex بسبب احتواء الأول على الكثير من العريّ، في السيديهات التي يعرضونها وفي مقصورات ممثّلي الپورن شبه العراة. (عندما رفضت شركات الپورن مغادرة المعرض، اضطر منظمو Comdex إلى أن يفصلوا الكهرباء عنهم لكي يدفعوهم للمغادرة). «بضاعتهم بذيئة، ولا نحتاجهم» قال متحدّث باسم Comdex أثناء حديثه مع جريدة «لاس ڤيجاس سَنْ» بعد المعرض عام 1995، وإن عنى ذلك خسارتهم لـ 500 ألف دولار مقابل أجر المقصورات، فليكن ذلك.

رفضتْ AdultDex أن تتوقّف للأبد، مما خفّف وطأة ذلك على روّاد Comdex. في نوفمبر من عام 1996، بدلًا من المشاركة في ذلك المعرض، انتقل المساهمون في AdultDex وحواسيبهم، رفقة الإذلاليّات (dominatrixes)، إلى الجهة المقابلة من الشارع، تحديدًا إلى «صحارى»، الفندق / الكازينو ذي الثيمة المغربيّة الذي اكتسب شهرته في الخمسينات من خلال الرات پاك[9]. كان كُوِن متواجدًا ضمن الحشود الداخلين والخارجين من البوّابة الضخمة عند المدخل، تحت الضوء الساطع للمنارة الصفراء المقبَّبة.

على امتداد الطابق الممتلئ بالدخان في الفندق، كان هؤلاء أصدقاء كُوِن: عمالقة [الأعمال] سريعي الكلام صحبةَ محافظهم المتضخّمة وهواتفهم المحمولة الثقيلة، والممثّلون والممثّلات الإباحيّات بملابسهم الضيّقة المثيرة يقفون عند طاولاتهم، بالإضافة لجمهور معرض Comdex المشدوهين، القادمين من ولاية أيُوَا يطوون أسماءهم الملصقة على صدورهم لكي يخفوها. في الطابق الصغير المخصّص لعرض المنتجات، استعرض جميعهم أسماء برمجيّاتهم على شاشات مشوّشة؛ «بيت الدمى»، و«رجالٌ أثناء قيامهم بعملهم»، و«العذراوات، الجزء الثاني». في مقصورة أخرى، كانت إحدى الشركات تشرح عن  Showgirls Live، منصّة بثّ فيديوهات حيّة، بطيئة بشكل مزعج، تُظهر راقصة تعرٍّ تخلع ملابسها على الشاشة. تجربةٌ يُمكن للمرء أن يخوضها مقابل خمسة دولارات لكلّ دقيقة. بينما كانت جِنا جايمسِن، الشقراء الممتلئة سوداء العيون وأشهر ممثّلة إباحيّة في هذه الصناعة، تتجمّل لالتقاط الصور أثناء مديحها لعجائب البريد الإلكترونيّ؛ «دعني أُخبرْك، إنه أسهل من [التعامل مع] بريد المعجبين [التقليديّ]» قالت لمراسل الـ CNN.

بالنسبة لكُوِن، كانت تلك فرصته لأن يغدو ملكًا. وأصرّ، كُوِن، على أن يكون المَلِك لأنه امتلك أكثر نادٍ مرغوبٍ على الشبكة، النادي الذي سوف يغدو المحطّة الأولى لأهل أيُوَا وأقرانهم من على الشبكة. لقد امتلك Sex.com، وسوف ينحنون له [تقديرًا]. من بين أولئك الذين كانوا يبحثون عن فرصة تعاون مع كُوِن كان ييشاي هيباري، موسيقيٌّ إسرائيليّ تحوّل لإدارة موقع للبالغين أراد أن يرتّب لنشر إعلانات على موقع كُوِن. تقولُ الإشاعات أن حركة الزوّار على موقعه تضاعفت ثلاث مرّات. عندما استرجع لقاءه بكُوِن، قال هيباري أنه رأى ما بين ممثّلات الپورن اللواتي يرتدين البيكّيني والرجال الذي يسرّحون شعورهم إلى الخلف، شخصًا «ضحوكًا ريّانًا، تعتلي وجهه ملامح الأهميّة»، يقود أمامه كلبَ تشيواوا صغيرًا يرتدي طوقًا أحمرَ حول عنقه. لطالما كان كُوِن منطلقًا في الحديث وودودًا، لم يره أصدقاؤه يومًا بمزاج سيّئ. قال له هيباري: «سمعتُ أنك تمتلك Sex.com».

«لا أعلم»، ردّ عليه كُوِن بغموض.

لم يستطع هيباري أن يفهم السبب وراء تحفّظه، «كلّ شيء كان مبهمًا» قال عندما تذكّر الموقف. لكنّها، وفقًا لما علمه هيباري لاحقًا، كانت طريقة كُوِن، على غرابتها، أو تكتيكه، لإبقاء شعور الترقّب عند الناس وللحفاظ على نفوذه. لكن بعد بضعة أسابيع، لانَ تعاملُ كُوِن بعد معرفته عن مبلغ الـ 50 ألف دولار مقابل عمود الإعلانات الواحد، موجّهًا هيباري للتواصل مع ليڤنسِن بخصوص شراء حصّة ثمينة من المساحة الإعلانيّة في الموقع. لم يكن Sex.com جميل المظهر، هيباري لاحظ ذلك، لكنّه لاحظ أيضًا أنّ استخدام كُوِن الأساسيّ للموقع باعتباره «مزرعة لأعمدة الإعلانات» كان فتحًا في عالم الأعمال. «لقد كان أمرًا عبقريًّا» قال هيباري. برأيه، يرى كيڤن بلانت، المديرُ التنفيذيّ للتسويق في عدّة مواقع للبالغين، أن كُوِن كان متبصّرًا  بطريقته الخاصّة، شخصًا رأى أهميّة عدد زوّار الموقع (traffic) وأدرك أنّ أفضل وسيلة لجني الأرباح هي عن طريق حَشْر أكثر عدد ممكن من أعمدة الإعلانات في موقعه.

لم يأخذ النجاح وقتًا طويلًا حتى يجعل من كُوِن شخصًا مغرورًا. وصار معروفًا عنه أنه يتجوّل في معارض الپورن تعلو وجهه ابتسامةُ الرضا، وتعلو قميصه أيقونة Sex.com. حتى أنه، بعد فترة وجيزة على نجاحه، اكتسب سمعةً سيئة بين عمالقة الپورن الوحشيّ أونلاين. لقد رفع قضيّة على الجميع، وعلى كلّ شخص امتلك دومينًا يحتوي على كلمة sex ضمنه. كان سيرج بيربير، مالك موقع Sexia.com، أحد أولئك الذين، وفقًا لكلامه، «تعرّضوا لمضايقات من قِبل كُوِن». عندما جُوبه بدعوى كُوِن القضائيّة، لم يمتلك بيربير المال الكافي للدفاع عن نفسه أمام ملك الترافيك، واختار أن يستسلم، حيث تخلّى عن Sexia.com إلى كُوِن. «كلّفني الدفاعُ عن نفسي الكثير من المال، والكثير من الأحزان (…) في النهاية، قرّرتُ أن الأمر لايستحقّ القتال من أجله» قال أحد مُلّاك المواقع الإباحية وهو يصف رضوخَهُ. أظهر كُوِن قوّته. لم يكن بمقدور أحد إيقافه طالما بقي Sex.com في صفّه.

أيضًا، كان العالم بأسره، وقتها، قد بدأ بملاحظة الانتشار الواسع للپورن أونلاين. تعجّبت «وول سترييت جورنال» من الكيفيّة التي غدا فيها الپورن السيبرانيّ بسرعةٍ «محطّ أحساد الإنترنت [كلّه]. بينما كانت العديد من مواقع المقدّمة تترنّح، كانت مواقع البالغين تجني ملايين الدولارات شهريًّا. إن كان هنالك موقع إلكترونّي يجني الأرباح لحسابه البنكيّ، فمن المرجّح أنّ عمله ومحتواه يقع في مجال الپورن».

استفاضت المقالة بالحديث عن الكيفيّة التي أنجز فيها المبدعون في مجال الپورن ما هو أكثر من مجرّد نشر صور فاحشة على الشبكة. اكتشف منتجو الپورن إبداعات فعّالة في مجال التسويق عبر الإنترنت، واخترعوا إعلانات تظهر «فوق» صفحات الويب، ونجحوا في إقناع الزوّار بدفع المال مقابل الاشتراك. واخترعوا أيضًا أنواعًا جديدة من آليّات التوصيل، والدفع الآمن عن طريق البطاقات الائتمانيّة، والفيديوهات الحيّة. وصفت المقالة ذلك الأمر بقولها: «يستخدم منتجو الپورن تكتيكات ذكيّة، سوف تسدي مواقع المينستريم لنفسها خدمةً كبيرة إن اتّبعتها».

نجح ناشر مجلّة «پينتهاوس» الإباحيّة بوب غوتشيوني، الذي يمثّل إمبراطوريّة الإعلام الجنسيّ القديمة، في وصفه للحال عندما تحدّث إلى «وول سترييت» قائلًا: «هنالك الكثير من نيردات الحواسيب الذين ينطلقون على هيئة ملوكٍ للپورن».

كذلك الأمر بالنسبة لملكات الپورنو. النساء كُنّ من أكثر الرياديّين إبداعًا ونجاحًا في هذا المجال. بِث مانسفيلد، بنت لعائلة منخرطة في السلك العسكريّ ومحبّة لسباقات السرعة، كانت أُمًّا عزباء ومحاسبة عاطلة عن العمل تعيش في كرڤان عندما علمت أنّ بإمكانها جني المال من الپورن أونلاين. لم ترغب مانسفيلد بإنتاج الپورن، إنما بدأت تدير بحذر موقعًا إلكترونيًّا يحتوي على روابط لمواقع [إباحيّة] أخرى. باعتبارها أُمًّا مسؤولة، رفضت مانسفيلد استخدام الألفاظ النابية على صفحاتها وكانت تستبدل بعض الحروف بإشارة النجمة (*) لكي تخفي كلمات مثل sh*t وf*ck. إلا أنّ أعظم إبداعاتها، ربّما، كان التمييز التجاري (branding)؛ حيث سمّت موقعها «القطّة الفارسيّة» Persian Kitty، على اسم قطّتها. شيءٌ ما في الغموض المحبّب في الإسم، وفكرة أن امرأةً هي مَنْ تدير الموقع، أكسبه انتشارًا واسعًا، وربما أيضًا لأنّ مانسفيلد أبقت هويّتها الحقيقة مخفيّة. قبل أن يمضي الكثير من الوقت، كانت مانسفيلد تبيع المساحات الإعلانية للعديد من المواقع التي دفعت مبالغ كبيرة لكي تنضمّ إلى قائمة المُعلنين لديها. في عامها الأوّل، جنت 3.5 مليون دولار.

على بعد أميال قليلة من قصر بِث مانسفيلد في مدينة سياتل تقبع فتاة تعرٍّ طموحة اسمها داني آش، تقرأ كتابًا عن البرمجة باستخدام لغة الـ HTML أثناء العطلة التي تقضيها على الشاطئ. أطلقت موقعًا إلكترونيًّا للمعجبين، تحت اسم «الهارد درايڤ الخاص بداني» Danni’s Hard Drive، عام 1995، ليكون مكانًا مخصّصًا لنشر صورها التسويقيّة. لاحقًا، عثرت آش على فكرة تدرّ ربحًا أكثر: استيفاء رسوم مقابل العضويّة [في الموقع]؛ فكرة كانت جديدة حينها. ثمّ وّظفت عارضات ونشرت الصور، ومقابلات مسجّلة صوتيًّا، وفيديوهات، ومن ثمّ استوفت 15 دولارًا شهريًّا مقابل النفاذ [إلى الموقع]، مما جعله أحد أول المواقع القائمة على الاشتراكات في الإنترنت، إلى جانب «وول سترييت جورنال» (التي خصّصت لاحقًا بروفايلًا عن داني نشرته على الصفحة الأولى، حيث يتحدّث عن منتجي الپورن أونلاين تحت عنوان «دروسٌ يجب على المينستريم تعلُّمُها»). في مدة قصيرة، صارت آش تجني 2.5 مليون دولار سنويًّا، ويُقال إنها تبثُّ مقدارًا من البيانات يعادل ما تبثّه أمريكا الوسطى مجتمعةً.

بينما يتحوّل عمالقة الپورن إلى محطّ أحساد الإنترنت [كلّه]، أخلت الحكومة الفيدراليّة لهم الطريق في توقيت مناسب. يوم 26 من يونيو، عام 1997، بعد مرور ما يزيد على العام من النقاش المشتعل حول الرقابة على الإنترنت، أعلنت المحكمة العليا الأميريكيّة عن إيقاف قانون آداب وسائل التواصل لخرقه البند الأوّل من الدستور. لقد كان قرارًا مفصليًّا ساهم في حماية هذا الوسيط الناشئ من التنظيم الحكوميّ. يصفُ الأمرَ الكوميديّ دايڤ باري، بعد مرور أشهر قليلة على ذلك الإعلان، أثناء زيارته لمعرض AdultDex ذالك العام، قائلًا: «هذه الصناعة سريعةُ النموّ، والتي تقدّر بملايين الدولارات، سوف تخلق، بلا شكّ، سُبُلًا جديدة وأفضل لكي تساعد الحزانى على الاستمناء». مهما كانت النتيجة التي سيؤدي لها ذلك، وُجد الپورن على الشبكة لكي يستمرّ.

***

[1]العنوان الأصلي للمقالة: موجز تاريخ الپورن على الإنترنت، لكن بما أنها مقتبسة عن كتاب «پلايرز بوول: رجل عبقريٌّ، وآخر نصّاب، والتاريخ السرّي لصعود الإنترنت» لكاتب المقالة نفسه، فضّلتُ تغيير الاسم.

[2] وصفٌ للإنترنت.

[3] يُعرَف اختصارًا بالـBBS. وهو سيرڤر يعمل على تشغيل برمجيّة تسمح لمستخدميها بالاتصال مع النظام، مما يمكّن المستخدم من تحميل وتنزيل البيانات والبرمجيّات، وقراءة الأخبار، وتبادل الرسائل مع بقيّة المستخدمين عن طريق منصّات تراسل عامّة وأخرى خاصّة.

[4] نوع طابعة. وهي الطابعة الأولى التي اخترعها Johannes Gutenberg الذي عرّف أوروبا على الطباعة.

[5] الترجمة قد تكون: النوم مع العروس أو موعد نوم العروس.

[6] تمّ تفكيك الشركة التي تزوّد معظم مناطق أمريكا وكندا بخدمة الهاتف الأرضي عام 1984 بعد اعتبار ذلك احتكارًا لتقديم خدمةٍ معيّنة للمواطنين.

[7] الرابع من يوليو يصادف عطلة عيد الاستقلال الأمريكي.

[8] نظامُ نقاشات عالميّ كان متاحًا على الحواسيب. يختلف عن BBS في غياب وجود سيرفر مركزيّ يحتوي على جميع المعلومات، وإنما تتوزّع على شبكة من السيرفرات.

[9] مجموعة من خمسة أصدقاء ومؤدّين تسيّدوا مشهد الترفيه في هوليوود ولاس ڤيجاس في الخمسينات والستّينات. تضمّنت المجموعة فرانك سيناترا، ودين مارتن، وسامي ديڤس جونيور، وجوي بيشوپ، وپيتر لوفورد.

اعلان
 
 
ديفيد كوشنر