نفس الحالة.. نفس الأخطاء القديمة

يمكن القول إن أزمة الدولة في مصر -وربما في دول العالم الثالث- هي عدم الفصل بين كيان الدولة وبين النظام السياسي. كل نظام يصل إلى الحكم يرى أنه هو الدولة، ويبدأ بالتغلغل في أعماقها إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، وبالتالي تُعتبر أي محاولة لمعارضة النظام أو تبني رؤية مختلفة ومحاولة التعبير عنها أو نشرها خيانة للوطن. يؤدي هذا دائمًا إلى قمع أي محاولة للتعبير أو التفكير خارج النسق الذي تطرحه السلطة، وهو ما ينتج عنه هيمنة الجمود على الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي والفني، وتراجع الفكر النقدي اللازم لتطور أي مجتمع، وزيادة القيود على المجال العام أو إغلاقه تقريبًا، وإلغاء الحريات السياسية والفكرية والبحثية والإبداعية، وسطوة التسلطية السياسية والدينية، وجمود النظام البحثي، وضعف الترجمات، والانفتاح على العالم ومتابعة تطور الفكر العالمي في العلوم الإنسانية بشكل عام، واحتكار الرواية الوطنية من قبل السلطة فقط. كل هذا الجمود والفراغ ينتج عنه ثبات أفكار تجاوزها الواقع التاريخي. مثال على ذلك أن صراع العسكريين والإسلاميين على السلطة في مصر هو ما يسيطر على المشهد السياسي في مصر منذ عام 1952، وهي المعضلة التي استطاعت دول عدة الوصول لحلول جذرية لها.

منذ توليه الحكم، والسيسي يعلن اعتقاده بأن السياسة هي مضيعة للوقت، وأن الواجب الوحيد هو (العمل والإنجاز). كما قال في أحد خطاباته: «لست رجل سياسة»، كما يبدو كذلك من أحاديثه وطريقته في حكم البلاد باعتقاده الراسخ والذي يرقى إلى درجة العقيدة أنه المخلص الذي جاء لإنقاذ البلاد من الفوضى، وأن الطريق لذلك يبدأ بالقضاء على العناصر السياسية التي صنعت ثورة يناير (سبب الفوضى في رأيه)، وأن بداية الإصلاح هو إقرار النظام بالقوة وإلغاء العملية السياسية برمتها، بدعوى أن السياسة أو المعارضة بأطيافها المختلفة هي بيئة حاضنة للإرهاب. وكان السيسي قد تفرغ لمحاربة «الإرهاب»، واستلزم ذلك في رأيه القضاء على جماعة الإخوان المسلمين، وكل جماعات الإسلام السياسي، ومعهم المعارضة المدنية، ما أدى إلى موت العملية السياسية وفراغ الخريطة السياسية للبلاد تقريبًا.

وبمقارنة سريعة بين نظامي السيسي ومبارك، نجد أن مبارك كان لنظامه نخبة سياسية، وفي نفس الوقت يسمح بوجود هامش للمعارضة، في حين لا تحتوى الخريطة السياسية في عهد السيسي على أي نخب، سواء مؤيدة أو معارضة، كل ما يوجد هو طرفا الصراع الأساسيان، النظام العسكري والإسلاميين، أو بقاياهم. على الهامش، هناك بقايا ضئيلة جدًا للتيار المدني، تحاول أن تحيا وتلملم جراحها بعد أن فشلت في ترجمة النجاح الذي حققته ثورة يناير في بدايتها إلى برامج تطرح نفسها للشعب، وتصل إلى السلطة لتترجم آمال وتضحيات الملايين التي شاركت في الثورة.

إن ضعف إقبال المواطنين على المشاركة في الانتخابات، وعزوفهم عن الاهتمام بالسياسة، إلى جانب تراجع شعبية السيسي إلى أدنى مستوياتها، دفعه للقيام بتعديل الدستور ليضمن بقاءه في الحكم مدة أطول. وفي رأيي، فإن هذا مؤشر على شعور النظام بزوال الأسباب الموضوعية لاستمرار شرعية بقائه التي تتآكل بقوة مع الوقت، واستمرار حالة الجمود والفراغ الكامل تقريبًا على المستوى السياسي. وفي رأيي، فإن فتح المجال العام واستعادة العملية السياسية قد تكون هي طوق النجاة الوحيد لهذا النظام، كما أنها ضرورة للأمن القومي ومصلحة البلاد العليا لأنها تسمح بتكوين بديل سياسي للنظام الحالي في حالة رحيله. وفي رأيي، فإن الدولة في سبيل ذلك تواجه عدة أزمات ضروري لكل من يهتم لأمر الشأن العام أن يبحث عن حلول لها، وهي:

أولًا: القمع السياسي طوال عقود وحالة التجريف السياسي المستمر أورثا البلاد نخبة سياسية ضعيفة جدًا من كل التيارات، لا تستطيع أن تقدم برامج سياسية واقعية لحل المشاكل، فضلاً عن أن تقنع بها الجماهير. أي محاولة واعدة كان يتم القضاء عليها، ما أوجد حالة من الفراغ الشديد على المستوى السياسي والفكري وترك الخريطة السياسية للبلاد خالية إلا من النظام وغريمه التقليدى الإسلاميين، وبقايا هزيلة من النخب المدنية تفتقد إلى التنظيم والزعامات، وتمارس العمل الحقوقي ومطالب الإفراج عن المعتقلين أكثر من ممارسة العمل السياسي.

ثانيًا: طبيعة الأمور وتطور العصر ووسائل الاتصال وحاجات البشر في العموم، قد خلق جيلًا جديدًا بالملايين يتطلع إلى مستقبل أفضل، يرغب في حرية الحركة والعمل والفكر في كل المجالات، ما يجعل النظام بتركيبته الحالية غير قادر على تلبية هذه الرغبات (خاصة جيل يناير، الذي لمس إمكانية وجود مناخ حقيقي للحلم والخيال والعمل والتطلع للمستقبل).

ثالثًا: تغلغل العسكريين في تفاصيل الدولة، بشكل يصعب الفصل بين ما هو مدني وما هو عسكري في السياسة والاقتصاد والإدارة، ووجود أزمة في ترسيم العلاقات المدنية العسكرية في الدولة. كذلك غياب تصور شامل للتعامل مع الإسلاميين، ودورهم في السياسة والمجتمع، باعتبارهم جزءًا من الشعب المصري كما أن النظام ومجموعاته ومصالحه جزء من الشعب، وقدرنا جميعًا أن نعيش معًا على هذه الأرض.

اعلان