«مبادرة اليأس».. اعتزال العمل العام والتبرع لـ «تحيا مصر».. و«الإخوان» تشكك
 
 

طرح عدد من أسر شباب جماعة الإخوان المسلمين المسجونين أمس، اﻹثنين، مبادرة للصلح مع السلطات المصرية مقابل التعهد باعتزال أبنائهم السياسة وكل أشكال العمل العام، بما فيها الدعوي والخيري، بالإضافة إلى تبرعهم لصندوق تحيا مصر، بحسب مصدر مقرب من الجماعة في لندن.

المبادرة الجديدة ظهرت بعد خمسة أيام من مطالبة 1350 من شباب الإخوان والحركات الإسلامية في السجون لقيادات الجماعة بالتحرك لحل أزمتهم مع النظام في مصر.

المبادرة اﻷخيرة التي نشرها عمر حسن، والذي وصفه أحد المقربين من الجماعة بلندن بـ أحد المقربين من شباب الإخوان، عبر حسابه الشخصي على فيسبوك تضمنت مطالبة أهالي شباب الجماعة، للمسؤولين بالجهات الرسمية المعنية -دون تسميتهم- بالعفو عن أبنائهم، مقترحين أربع آليات لمواجهة المخاوف الأمنية والتحفظات السياسية ضد إطلاق سراحهم.

تأتي تلك المبادرة في ضوء استمرار حبس الآلاف من شباب الجماعة وخضوعهم لمحاكمات وصفتها جهات حقوقية محلية ودولية بالجائرة، وفي ظل غياب أي بوادر للاستعداد للتفاوض سواء من السلطة أو قيادات الجماعة حول الأزمة السياسية التي تعيشها مصر منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي وفض اعتصامي رابعة والنهضة.

شملت المبادرة اﻷخيرة أربعة مقترحات، أولها تعهد طالب الإفراج «بعدم المشاركة السياسية مطلقًا» و«اعتزال كل أشكال العمل العام بما فيها الدعوي والخيري» وأن «يقتصر نشاطه على استعادة حياته الشخصية والأسرية»، على أن يكون لـ «الأجهزة الأمنية اتخاذ التدابير الاحترازية التي تراها مناسبة لضمان ذلك، بما لا يخل بحريتهم، ويحفظ لهم كرامتهم».

المقترح الثاني أن يدفع كل طالب العفو مبلغ مالي «كفالة أو فدية أو تبرع لصندوق تحيا مصر» بالعملة الأجنبية، دعمًا لتعافي الاقتصاد المصري. وحددت المبادرة خمسة آلاف دولار لكل فرد، كمثال، موضحة أن دفع شباب الإخوان في السجون لهذا المبلغ مقابل الإفراج عنهم «سيوفر للدولة مبالغ تزيد عن خمسة مليارات جنيه على أقل تقدير».

المقترح الثالث الذي قدمته مبادرة أهالي شباب جماعة الإخوان للإفراج عن ذويهم هي قيام الأجهزة الأمنية بدورها بمراجعة ملفات الأفراد طالبي العفو لتحديد المستحق منهم.

واقترح الأهالي تسمية جهة للإشراف على تنفيذ هذه المقترحات مثل الأزهر الشريف، أو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أو غيرها من الجهات، كضمانة رابعة لخروج شباب الإخوان من السجون.

رفض عضو لجنة العفو الرئاسي، كريم السقا، من جانبه التعليق على المبادرة، موضحًا لـ «مدى مصر» أن لجنة العفو لا تستطيع التعاطي مع مضمون المبادرة رغم أهميتها واتصالها باختصاص اللجنة من فحص حالات الشباب غير المتورطين في العنف داخل السجون، لعدم تأكده من صدورها بالفعل عن شباب الجماعة أو ممثليهم، متسائلًا عن مدى علاقة ناشر المبادرة (عمر حسن) بالجماعة و شبابها في السجون.

احتوت المبادرة على «الحد الأدنى من التنازلات المتفق عليه بين شريحة كبيرة من شباب الإخوان في السجون» يصف الصحفي المتابع لشؤون الحركات الإسلامية، محمد أبوالغيط، مبادرة أهالي المعتقلين، موضحًا لـ «مدى مصر» أنه طوال العام الماضي وجه شباب الإخوان رسائل متعددة لقياداتهم خارج البلاد لحثهم على فتح قنوات للحوار والتفاوض مع السلطة في مصر، لكن القيادات تجاهلت تلك الرسائل التي سٌرب بعضها لوسائل الإعلام، بل وعمد بعض قيادات الجماعة لنفي صدورها عن شباب الإخوان في السجون بل وادعى بعضهم أنها ملفقة من أجهزة الأمن في مصر، على حسب وصفهم.

 وفسر أبوالغيط رفض قيادات الإخوان التعاطي مع رسائل شباب الجماعة المحبوسين بعدم وجود تصور لديهم عن كيفية التفاوض مع نظام السيسي وما إذا كان سيلقى قبولًا أو رفضًا، فضلًا عن ماهية التنازلات التي يستعدون لتقديمها في سبيل إطلاق سراح أعضائها والمحسوبين عليها من السجون.

وبحسب الصحفي المقيم بلندن، اختلف شباب* الجماعة ممن كتبوا الرسالة حول التنازلات التي يمكن أن يقدموها للسلطة في مصر حال قبول التفاوض، مضيفًا أنهم بحثوا خيارات «حل الجماعة أو تأييد السيسي أو اعتزال السياسة بشكل مؤقت أو دائم»، ولكنهم لم يتوصلوا لأي خيار منهم، ما دفع أهالي شباب الإخوان للتحرك ومخاطبة السلطات المصرية مباشرة، بمحاولة أن يتم التعامل بشكل فردي بعيدًا عن تعقيدات الحل السياسي الشامل والجماعي.

«رسالة يأس» هكذا وصف الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أحمد كامل البحيري المبادرة، موضحًا لـ «مدى مصر» أن المبادرة الأخيرة هي الرابعة الصادرة عن شباب الإخوان والتيارات الإسلامية في السجون منذ 2017 حتى الآن، ولكنها الأكبر من حيث عدد المشاركين والمؤيدين لها من شباب الجماعة.

وأشار البحيري إلى أن المبادرة الأخيرة تحمل في طياتها أسباب فشلها رغم تضمنها نقاط إيجابية، أبرزها التعهد باعتزال العمل السياسي والدعوي أيضًا بشكل دائم، لافتًا إلى أن شباب الإخوان وفروا كل مقومات التشكيك في مبادرتهم، وذلك من خلال عرض المبادرة من خلال شاب «مجهول» لا يعرف أحد ماهية علاقته بالجماعة، فضلًا عن أنه يعرف نفسه بأنه «ليس اخوانيًا»، في حين أن كثيرًا من  شباب الجماعة وأعضاء التيارات الإسلامية ما زالوا يعرضون على المحكمة، ويمكن لأي منهم الإعلان عن المبادرة أمام هيئة المحكمة وفي حضور وسائل الإعلام كما فعل أعضاء الجماعات الإسلامية في التسعينيات.

وحدد البحيري أبرز أسباب التشكيك في المبادرة في عدم اعتمادها على مراجعات فكرية لشباب الجماعة وإنما على يأس وسخط من أوضاع السجون، فضلًا عن عدم صياغتها بطريقة إخوانية وتضمنها لأي من المصطلحات والمرجعيات الدينية التي عادة ما يرددها شباب الجماعة، وابتعادها عن كل القضايا الشائكة بين السلطة والإخوان مثل ما يعرف بـ «اتجاه شباب الجماعة إلى الجناح القطبي الداعي للعنف نسبة إلى منظر الجماعة سيد قطب».

ولفت البحيري إلى أن المبادرة تثير تساؤلات عن أسباب استخدام الشباب لـ «مصطلح الدية» عند التعهد بدفع طالب العفو 5 آلاف دولار للدولة أو لصندوق تحيا مصر كتبرع أو فدية أو ..، مشيرًا إلى أن مصطلح الديه لا يستخدم إلا من القاتل ومن ثم فهل هذا يعد بابًا للاعتراف بتورط الجماعة في قتل رجال الجيش والشرطة في الفترة من 2013 حتى الآن.

مبادرة الأمس سبقها رسالة من شباب الجماعة في السجون وأعضاء التيارات الإسلامية الأخرى إلى قيادات الجماعة والنظام في مصر معًا، نشرها حساب الناشط عمر حسن على فيسبوك أيضًا في 15 أغسطس الجاري.

ودعت الرسالة اﻷولى، والتي تحدثت باسم «شباب المعتقلات إخوانًا وغير إخوان»، جميع قيادات جماعة الإخوان المسلمين داخل وخارج سجون وحدود مصر «أن يتحركوا بكل ما أوتوا من قوة تجاه حل لأزمتهم مع العسكر والنظام في مصر، وأن لا يترددوا في أخذ خطوة للوراء تحفظ لهم ما تبقى من بقايا جماعة وتحفظ عليهم القليل ممن تبقى من شبابهم».

وطلب الشباب في الرسالة من النظام حبس قيادات الجماعة الكبار مع باقي المسجونين من التيارات الإسلامية، «ضعوا م/خيرت الشاطر ود/ محمد بديع وباقي القيادات وسط الشباب حتى يتضح لهم ما آلت إليه الأمور، ثم أعيدوا طرح التفاوض، هذا إن كان الرفض يأتي منهم فعلًا». واعتبرت الرسالة أن تنفيذ السلطة لهذا المطلب يبرهن على مدى جديتها في تخليص مصر من أزمتها، محذرة من وصول الشباب في السجون إلى مرحلة شعارها: «مابقتش فارقة، مش هخسر حاجة أكثر من اللي خسرته».

انتهت الرسالة الأولى لشباب الإخوان في السجون وهي تحمل رجاءً بعدم تكذيب رسالتهم أو إثبات عكسها مع تنويه بأنه سيتبعها مجموعة رسائل تحت عنوان «رسائل معتقل» لأكثر من وجهة، إلا أن عدد من قيادات الجماعة سارعوا بالتشكيك في كون الرسالة صادرة عن شباب الإخوان المحبوسين، وهناك من وصفها بـ «رسالة أمنية مضروبة»، لـ «تبييض وجه النظام في مصر قبل الموعد المقرر لعقد مؤتمر لمكافحة التعذيب بها» بحسب نائب المرشد العام للجماعة في لندن إبراهيم منير [قرر المفوض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، اليوم، الثلاثاء، تأجيل المؤتمر بسبب «عدم الارتياح في بعض دوائر مجتمع المنظمات غير الحكومية بخصوص خيار مكان إقامة المؤتمر»، بحسب تصريحات روبرت كولفيل، المتحدث باسم المفوضية، لـ«مدى مصر»].

هذا التشكيك من قيادات الجماعة قابله تأكيد على صحة الرسالة من مصدر مقرب من الجماعة في لندن، اشترط عدم ذكر اسمه. وقال لـ «مدى مصر»: «تأكدت من صحة الرسالة من عدد من أهالي المساجين الإخوان المؤيدين لها»، وهو نفس ما أكد عليه الصحفي محمد أبوالغيط الذي أشار إلى أنه علم بتلك الرسالة وتأييد نحو ألف من شباب الجماعة في السجون لها قبل أكثر من عام عن طريق نجل قيادي إخواني شهير محبوس، مضيفًا أنها «يقينا صادرة عن شباب الجماعة بالسجون ولكن المختلف عليه هو مدى اطلاع 1350 من شباب الجماعة عليها من عدمه».

وذكرت الرسالة المنسوبة لشباب الإخوان أنها صادرة عن أكثر من 1350 شابًا من داخل السجون، مقسمين كالآتي «أعدّها وكتبها مجموعة من شباب أحد السجون في مصر ، وقد أقَرَّ بها صياغةً ومضمونًا ونصًا ومحتوى» نحو 350 شابًا، معظمهم من داخل هذا السجن، والباقي ممن يرِدُ عليه للامتحانات والجلسات وغيره، أما من وافق على مضمونها ومحتواها دون الاطلاع على صيغتها ونصها النهائي نظرًا لصعوبة التواصل كثيرًا مع السجون الأخرى فهم أكثر من ألف شاب من مختلف سجون مصر.

محامي جماعة الإخوان المسلمين عبدالمنعم عبدالمقصود، من جانبه وقف في المنتصف بين المشككين والمؤكدين لخروج الرسالة من شباب الإخوان بالسجون، قائلا لـ «مدى مصر» إن إمكانية خروج الرسالة من السجون تتساوى مع إمكانية صدورها عن الأمن، موضحًا أنه لا يستطيع التأكد لغياب التواصل بين من في السجون ومن خارجها بسبب ظروف الحبس السيئة.

وقال عبدالمقصود إن السلطة في مصر لا ترغب في التصالح مع أي من قيادات الجماعة، مشيرًا إلى أن قرار العفو الرئاسي الصادر في منتصف مايو الماضي والذي تضمن عدد من الإخوان لم ينتج عن مبادرة أو رغبة للصلح وإنما صدر بشكل عشوائي عن طريق تقدم أسر المفرج عنهم بطلبات عفو للجنة العفو الرئاسي المشكلة من الرئيس عام 2016، متضمنًا العفو عن عدد من الإخوان من بينهم فتيات دمياط الـ16 الذين سبق وصدرت ضدهن أحكامًا بالسجن تتراوح ما بين ثلاث وعشر سنوات بسبب تنظيمهن لمظاهرة في مدينة دمياط  عام 2015، فيما خلت جميع قرارات العفو  الرئاسية الأخرى من أعضاء جماعة الإخوان والإسلاميين عمومًا.

ونشرت وسائل الإعلام في أول أبريل الماضي مبادرة للصلح مع السلطة نسبتها لمجموعة من شباب التيارات الإسلامية بسجن استقبال طرة بعنوان «مبادرة الشباب المستقل في السجون المصرية» طالب على أثرها اللواء فؤاد علام، عضو المجلس القومي لمكافحة التطرف والإرهاب، والمسؤول السابق في إدارة التطرف الديني بجهاز أمن الدولة، السلطة  إلى التعامل بجدية معها، محددًا في تصريحات تلفزيونية هدفها «تصحيح مفاهيم خاطئة ترسخت في عقول هؤلاء الشباب».

وسبق المبادرتين مبادرة نهاية عام 2017، خرجت من سجن محافظة الفيوم العمومي، وصفت من قبل مراقبين بأنها الأكثر عمقًا بين المبادرات التالية لها حيث تضمنت اشتباك أصحابها مع الأصول والمفاهيم التي تأسست عليها الجماعة وانتقدوا الطريقة التي تسلل بها قادة التنظيم إلى قصور الحكم.

* ذُكر بالخطأ كلمة «قيادات» والصحيح أنهم «شباب» (الأربعاء 21 أغسطس، 12:30 مساءً).

اعلان