بداية بلا نهاية.. القصة الكاملة لـ «معركة العريش»
 
 

خلال الأعوام الثلاثة اﻷخيرة أصبحت العريش هي الساحة اﻷبرز للمواجهة بين أجهزة اﻷمن وتنظيم «ولاية سيناء»، تبادل خلالها الطرفان اﻷدوار، بين الفعل ورد الفعل، في استمرار لما بدآه في الشيخ زويد ورفح قبل قرابة خمس سنوات. وفيما استمر كل طرف في تغيير الاستراتيجيات الدفاعية والتكتيكات الهجومية، بناءً على ما يقوم به اﻵخر، كانت المدينة، وسكانها، يعانون وسط معركة لم يحسمها أيٍ من طرفيها بعد.

الطريق إلى العريش

عقب محاولة «ولاية سيناء» السيطرة على مدينة الشيخ زويد في يوليو 2015، والتي انتهت بخسارة فادحة بعد تدخل الطيران الحربي، لم يكن أمام التنظيم سوى تغيير استراتيجيته؛ من الدخول في معارك للسيطرة على اﻷرض، إلى محاولة استنزاف قوات اﻷمن وإنهاكها، سواء عبر تفجير العبوات الناسفة أو القنص أو استهداف اﻷفراد، أو بتنفيذ هجمات على كمائن ثابتة بين الحين واﻵخر.

في المقابل، وبعدما كان الجيش يعتمد على تسيير حملات تمشيط لقرى الشيخ زويد، أبرز مناطق نشاط التنظيم في ذلك الوقت، مخلفًا ورائه في كل مرة فراغًا أمنيًا تستغله عناصر التنظيم في زرع العبوات الناسفة وتنفيذ الاغتيالات، كان عليه اللجوء إلى استراتيجية مختلفة للحد من تحركات أفراد التنظيم وقدرتهم على الولوج إلى داخل الكتلة السكنية في مدن المحافظة.

وبالفعل، مع منتصف 2016 تحولت استراتيجية القوات المسلحة لفرض السيطرة على اﻷرض عبر تدشين ارتكازات أمنية في قرى جنوب الشيخ زويد، كان أهمها سلسلة كمائن «بركان»، بين منطقتي «الخروبة» و«كرم القواديس»، وسلسلة كمائن «زلزال» في قرية الجورة ومحيطها، وسلسلة كمائن «الثعالب» التابعة للجيش الثاني على امتداد الطريق الدولي «العريش/العوجة» وكمائن «فَهد» التابعة للجيش الثالث، والممتدة من منطقة «أم شيحان» وحتى معبر العوجة البري، وسلسلة كمائن «غزال» على الطريق الدولي «العريش/رفح».

وبحسب شهود عيان، زودت القوات المسلحة معظم تلك الارتكازات بمعدات ثقيلة أهمها مدافع الهاوتزر ومدافع الميدان والتي كان هديرها يسمع ليلًا أثناء قصفها أهدافًا جنوب المدينة.

لاحقًا، وفي أواخر 2016، أغلقت قوات من الجيش جميع الطرق المؤدية إلى جنوب مدينة الشيخ زويد ورفح بشكل عرضي، وفصلت القرى الجنوبية والظهير الصحراوي الجنوبي للمدينتين عن الأحياء الموجودة في وسطهما، عن طريق سواتر ترابية عالية على تلك الطرق.

أدت هذه الاستراتيجية لتردي حياة الكثير من المواطنين القاطنين في تلك القرى، والذين رفضوا أن تنتزعهم الحرب من أرضهم، فواجهوا نقصًا حادًا في المؤن والمواد الغذائية، فضلًا عن إغلاق ما تبقى من مدارس ووحدات صحية لم تدمرها الاشتباكات؛ لتعذر وصول المعلمين واﻷطقم الطبية.

غير أن الاستراتيجية الجديدة نجحت أمنيًا في الحد من تحركات مسلحي «ولاية سيناء» في محيط الشيخ زويد، لينحسر تواجدهم داخل المدينة بشكل كبير، بحسب أحد سكان المدينة، الذي قال لـ«مدى مصر» إن هذه الإجراءات أدت أيضًا لندرة حوادث تفجير العبوات الناسفة وخطف المواطنين، فيما انتهت تمامًا كمائن التنظيم على الطرق الفرعية أو على الطريق الدولي «رفح/العريش».

كما نقل المصدر تأكيد مواطنين يقطنون القرى المعزولة خلف السواتر الترابية، أنهم في تلك الفترة لم يكونوا يشاهدون المسلحين إلا على فترات متباعدة، وعلى اﻷغلب فرادى، بخلاف فترة ما قبل السواتر الترابية، التي كانوا ينظمون خلالها مسيرات كبيرة بسيارات الدفع الرباعي رافعين أعلامهم السوداء.

وامتد نجاح استراتيجية القوات المسلحة الجديدة إلى رفح، التي غابت عنها السيارات التي اعتاد مسلحو التنظيم أن يختطفوا المواطنين فيها، كما انقطع وجود أفراد التنظيم الذين اعتادوا مراقبة تحركات قوات الجيش من فوق المناطق المرتفعة، ولم يبق منهم سوى أفراد ملثمون يمرون بين الحين واﻵخر على دراجاتهم النارية، حسبما يقول أحد المقيمين في قرية تتوسط المسافة بين رفح والشيخ زويد.

قلة ظهور عناصر «ولاية سيناء» في الشيخ زويد ورفح لم يكن سببه نجاح الجيش في القضاء على التنظيم نهائيًا، وإنما كان السبب هو ابتعاد التنظيم عن مناطق نفوذه اﻷولى، بحثًا عن حاضنة جديدة يمكنه التحرك فيها بحرية أكثر خلال مواجهته قوات اﻷمن، ليجد ضالته في العريش.

في ذلك الوقت كان جنوب العريش، بجغرافيته المشابهة لجنوب الشيخ زويد، حاضنة نموذجية وملاذًا آمنًا للتنظيم؛ باعتباره ظهيرًا صحراويًا للمدينة قليل الكثافة اﻷمنية والسكانية، تكثر به مزارع الزيتون والموالح التي تعد نقطة ارتكاز مميزة يمكن حفر الخنادق بها، فضلًا عن توافر آبار المياه وخطوط الكهرباء، بالإضافة إلى ملاصقته لأحياء قسمي ثالث ورابع العشوائية التي يسهل لعناصر التنظيم عبرها دخول المدينة والانسحاب منها.

تتكون مدينة العريش من حوالي 15 حيًا، مقسمة على أربعة أقسام إدارية، ويتبعها أربع قرى هي: الميدان والسكاسكة والطويل والسبيل. وبحسب آخر تعداد سكاني للمدينة عام 2018 يبلغ عدد سكانها قرابة 200 ألف نسمة

كانت العريش قد شهدت عمليات اغتيال فردية، وتفجيرات متباينة الحجم طوال عام 2015، غير أن أول إعلان عن التواجد الفعلي للتنظيم في العريش كان في مارس 2016، حين ظهر مسلحوه، بزيهم اﻷسود والمموه، وسط ميدان الفواخرية، أكبر ميادين المدينة، وهم ممسكين برجل ونجله، تلى أحد المسلحين حكمًا بإعدامهما بسبب تعاونهما مع أجهزة اﻷمن، قبل أن يذبحوا اﻷول ويقتلوا الثاني رميًا بالرصاص، وينسحبوا متجهين جنوبي المدينة، بعد تصوير عملية الإعدام بكاميرا فيديو.

بعدها بأيام نفّذ التنظيم هجومه الأول جنوب العريش باستهداف كمين الصفا الواقع على الطريق الدائري الجنوبي، مخلفًا 18 قتيلًا بينهم ضابطان.

ردًا على تلك العمليات، أطلقت قوات اﻷمن في أبريل 2016 حملات طوقت عددًا من أحياء العريش واحدًا تلو اﻵخر، وطرقت أبواب المنازل وفتشتها على مدار أسابيع قليلة، غير أنها لم تكن كافية لمواجهة التنظيم الذي لم يكن يعيش أفضل أيامه على جبهة الشيخ زويد، إذ توالت بعد ذلك عمليات استهداف قوات الجيش والشرطة بالعبوات الناسفة المزروعة على الطريق الدولي الساحلي المار وسط الكتلة السكنية للعريش، قبل أن يختتم العام 2016 بهجوم كمين الغاز في أواخر نوفمبر، والذي راح ضحيته 11 مجندًا.

عام التنظيم و«المليون كمين»

مع حلول عام 2017 كان لتنظيم «ولاية سيناء» حضورًا أوضح في العريش، في بدايات يناير هاجم التنظيم كمين المطافي، الموجود داخل الكتلة السكنية في منطقة المساعيد غرب المدينة، ما أسفر عن مقتل سبعة شرطيين ومدني، وبدءًا من نهايات الشهر نفسه بدأ مسلحو التنظيم في استهداف أقباط العريش، الذين اضطر معظمهم للنزوح عن المدينة بنهاية فبراير، بعدما قتل المسلحون سبعة أقباط على اﻷقل، وهددوا الباقين بالمصير ذاته.

وفي مارس أقام «ولاية سيناء» كمينه الأول والأخير في وسط المدينة بالقرب من ميدان العتلاوي، حيث استوقف السيارات وفحص هويات المواطنين الشخصية. وبعدها بأسبوع عاد التنظيم لاستهداف أقوال أمنية بعبوات ناسفة، قتلت عددًا من ضباط الشرطة، في أنحاء متفرقة من المدينة، وهي العمليات التي لم تتوقف على مدار الشهور التالية، ومعها عمليات اختطاف مدنيين وقتلهم بدعوى تعاونهم مع اﻷمن.

الانتشار الواسع للتنظيم في عاصمة محافظة شمال سيناء دفع أجهزة اﻷمن لترسيخ تواجدها في المدينة عبر استراتيجية قريبة الشبه بما فعلته في الشيخ زويد ورفح، إذ بدأت تدشين ارتكازات أمنية في المناطق الحيوية داخل العريش، مثل ميدان الفواخرية، وميدان العتلاوي، وقرب مدرسة سينا سكول، وقرب مجلس المدينة، وقرب كنيسة العريش وسط المدينة، فضلًا عن خمسة ارتكازات أخرى على طول الطريق الدولي الساحلي للمدينة، التي أسماها سكانها خلال تلك الفترة «بلد المليون كَمين».

كلٌ من تلك الكمائن -مثله مثل باقي كمائن شمال سيناء- كان به ما لا يقل عن أربع آليات مدرعة، تحيطها أسلاك شائكة وحوائط يعلوها أبراج حراسة وكاميرات مراقبة. بالإضافة إلى ذلك تم إجبار أصحاب المحال التجارية على تركيب كاميرات مراقبة خارجية وتم تزويد شوارع المدينة الرئيسية بكاميرات مراقبة ثُبتت فوق البنايات المرتفعة، قبل أن يقوم التنظيم بتكسير معظمها لاحقًا، خاصة التي وضعت في شارع أسيوط المؤدي إلى أحياء قسمي ثالث ورابع.

كانت الناحية الجنوبية من المدينة تشهد في ذلك الوقت ترسيخًا لتواجد عناصر التنظيم، يمكن ملاحظته في تكرار ظهورهم في قرية السبيل القريبة من الطريق الدائري، وتوزيعهم منشورات تحذر من التعامل مع الجيش، بحسب أحد مواطني القرية الذي قال إن مسلحي «ولاية سيناء» كانوا يتحركون في قريته بحرية في تلك الفترة.

وخلف الطريق الدائري كان تواجد التنظيم أكثر كثافة، حيث استوقف مسلحوه إحدى اللجان الحكومية الخاصة بحصر المزارع، وطالبوا أعضائها بإنجاز عملهم بسرعة ومغادرة المكان، بحسب عضو في اللجنة، كما كانوا يراقبون علنًا أطقم إصلاح أعطال الكهرباء أثناء عملها في المنطقة، بحسب أحد أفراد تلك اﻷطقم.

وفي إطار الحرب التكتيكية لفرض السيطرة على جنوبي المدينة لجأ التنظيم لتدمير بنايات مثل الوحدة الزراعية في قرية السبيل، والمعهد اﻷزهري في حي الزهور، والتي كان الجيش يستغلها في التمركز ورصد التحركات، لوقوعها في أماكن استراتيجية تطل على المنطقة الموجودة خلف الطريق الدائري.

كان رد الجيش على تلك التطورات عاصفًا، إذ بدأ في منتصف يوليو -ضمن المرحلة الرابعة لعملية «حق الشهيد»- حملة مكبرة جنوب العريش، استمرت 15 يومًا، فرض خلالها حظر التجول على مدار اليوم، ومنع الخروج من المدينة أو الدخول إليها، وقطع الاتصالات عنها، فيما لم تتوقف خلال أيام الحملة أصوات الانفجارات وزخات الرصاص وتحليق الطائرات الحربية على ارتفاعات منخفضة، والتي كانت كلها مصادر رعب لأهالي المدينة، خاصة مع استمرار هجمات التنظيم المتفرقة على القوات.

وبمحاذاة الطريق الدائري، قامت الحملة بتجريف مساحات شاسعة من المزارع، كما دشنّت ارتكازات أمنية فوق الهضاب الرملية المرتفعة، وزودتها بأسلحة ثقيلة.

غير أن التنظيم باغت الجميع بظهور لافت وسط العريش في منتصف أكتوبر 2017، حين شن عددًا من الهجمات على كمائن مختلفة في أكثر الشوارع الحيوية في وسط المدينة، بالتزامن مع قيام عناصره المسلحة بالسطو على فرع البنك اﻷهلي في المدينة، التي تحولت شوارعها لساحات حرب إثر تبادل إطلاق النار بين المسلحين وقوات اﻷمن، وهو اليوم الذي وصفه عدد من السكان الإثنين «الأسود»، الذي قُتل فيه ثمانية أشخاص؛ ثلاثة من أفراد شرطة، وخمسة مدنيين، وأصيب 16 آخرين.

لم يكن التواجد في العريش مصدر الخطورة الوحيد في تحركات التنظيم، وإنما انطلاقه منها وتوسعه غربًا ناحية بئر العبد؛ المدينة الرابعة في الشريط الساحلي لشمال سيناء، والملاصقة لمحافظتي بورسعيد والإسماعيلية، وهو ما بدأ في 9 أغسطس 2017، على بعد 20 كيلومترًا من العريش، بكمين على الطريق الدولي «العريش/القنطرة شرق» اختطف مسلحو التنظيم خلاله ثلاثة مدنيين وقتلوا ضابطًا بالقوات المسلحة وأربعة أمناء شرطة، وبعد شهر واحد هاجموا قولًا أمنيًا على الطريق ذاته، وقتلوا 18 شرطيًا وأصابوا ستة.

بالإضافة لمهاجمة قوات اﻷمن، توالى ظهور أفراد التنظيم في عدد من القرى الواقعة بين العريش وبئر العبد، وهم يهددون اﻷهالي أو ينفذون عمليات اختطاف سريعة، لتتغير الوتيرة كليًا قبل شهر واحد من نهاية 2017.

في 24 نوفمبر قُتل 305 مواطنين وأصيب 128 آخرين، بعدما هاجم مسلحون مسجد بلال في قرية الروضة، التابعة لبئر العبد، أثناء خروج المصلين من صلاة الجمعة، وهو الهجوم الذي لم يتبنه التنظيم حتى اليوم، وإن كانت كل المؤشرات تشير لمسؤوليته عنه.

في اليوم التالي لمذبحة الروضة نفذت القوات المسلحة عددًا من الضربات الجوية لما قالت إنه بؤرًا للمسلحين، فيما توعد رئيس الجمهورية بالرد بـ «القوة الغاشمة»، وهو التعبير الذي كرره بعد خمسة أيام فقط، حينما كلّف رئيس أركان القوات المسلحة، ووزير الداخلية بـ «استعادة اﻷمن والاستقرار في شمال سيناء» خلال ثلاثة أشهر.

بعد أقل من شهر من هذا التكليف، وفي 19 ديسمبر، قام وزيرا الدفاع والداخلية بزيارة غير معلنة إلى مطار العريش، ليستهدف مسلحو التنظيم المروحية التي أقلتهم بصاروخ حراري خلال توقفها في المطار، ما أسفر عن مقتل ضابطين وإصابة اثنين آخرين.

وبعد عشرة أيام قُتل الحاكم العسكري لمدينة بئر العبد، بعد استهداف التنظيم سيارته العسكرية بعبوة ناسفة غربي العريش. وفي اليوم نفسه هاجم مسلحو «ولاية سيناء» قوة تأمين أحد البنوك وسط العريش، وقتلوا مجندًا ومواطنًا، فيما اشتبكت مجموعة أخرى مع قوات الدعم، قبل أن تنسحب إلى حي كرم أبو نجيلة وسط المدينة.

في الوقت نفسه كانت قوات اﻷمن قد بدأت في تصعيد من نوع آخر، وهو هدم منازل في المدينة بدعوى أنها مملوكة لمطلوبين أمنيًا، فهدمت ستة منازل في حي الصفا جنوبي المدينة، فضلًا عن منزل غربي العريش وآخر في وسطها.

عام «القوة الغاشمة»

بدأ عام 2018 برسالة وجهها رئيس الجمهورية، بنبرة حادة، إلى أهالي شمال سيناء: «يا تساعدونا يا تساعدونا، إحنا خدنا قرار باستخدام عنف شديد خلال المرحلة دي، لسه ما بدأناش عنف شديد وقوة غاشمة حقيقية … هنبقى غَاشمين قوي في استخدامنا للقوة»، وذلك خلال إعلانه إنشاء حرم آمن لمطار العريش بمساحة خمسة كيلومترات.

رسالة الرئيس التي وجهها ﻷهالي سيناء في 19 يناير، أثارت رعب أهالي العريش، ليس فقط لاتساع المساحة اللازمة لإنشاء حرم المطار اﻵمن، ودخولها في المنطقة السكنية، وإنما لتزامنها مع تحصينات جديدة بدأت قوات الجيش والشرطة منذ مطلع العام في إنشائها حول جميع الارتكازات اﻷمنية داخل وخارج المدينة، مستخدمة حوائط مضادة للتفجيرات والقذائف، وأبراجًا مزودة بأسلحة ثقيلة في بعض اﻷحيان.

رعب اﻷهالي في ذلك الوقت كان مصحوبًا بأزمات حياتية واقتصادية، زاد من حدتها توقف ملاحات سبيكة عن العمل نتيجة النشاط المكثف لتنظيم «ولاية سيناء» على الجبهة الغربية من المدينة، وتوقف نقل أطنان الملح إلى ميناء العريش الذي توقف العمل به في أوائل يناير 2018، بعد تهديد التنظيم باستهداف كل من يعمل فيه من شركات شحن وسائقين.

مع نهاية يناير 2018 بدأت تعزيزات أمنية مكثفة في دخول العريش ليلًا، أثناء تطبيق ساعات حظر التجول، بحسب روايات مصادر محلية تقيم غربي المدينة، وذلك ضمن تعزيزات كانت تصل إلى مختلف مدن شمال سيناء، وهو ما جعل أهل العريش ينتظرون حملة أمنية مكبرة، خاصة بعد رسالة رئيس الجمهورية، وبدء قوات اﻷمن تنفيذ إجراءات أكثر صرامة لدخول وخروج المواطنين والبضائع من وإلى مدن شمال سيناء، وخاصة العريش، بالتزامن مع رفع درجة الاستعداد في مستشفيات شمال سيناء ومحافظات القناة، وفي مرفق الإسعاف.

وبالفعل، في 9 فبراير أعلن المتحدث العسكري عن انطلاق العملية الشاملة «سيناء 2018»، التي أغلقت شمال سيناء بالكامل، بعدما أغلقت معديات قناة السويس، ومنعت دخول جميع أنواع الطعام والخضروات، كما عزلت كل مدينة عن اﻷخرى، وأغلقت الطرق الدولية بينها، ومنعت السفر، وأغلقت محطات الوقود داخل المدن، وأوقفت الدراسة.

كانت شمال سيناء قد شهدت ثلاث حملات عسكرية خلال السنوات السابقة، بدأت بـ «نسر1» في أغسطس 2011، ثم «نسر2» في أغسطس 2012، ثم في سبتمبر 2015 بدأت عملية مكبرة تحت اسم «حق الشَهيد»، نُفذت على أربعة مراحل. تركيز تلك الحملات كان ينصب بشكل رئيسي على مدينتي رفح والشيخ زويد، وهو ما تغير مع «سيناء 2018»، التي استحقت بالفعل أن توصف بـ «العملية الشاملة»، كونها أعادت توزيع قوات اﻷمن داخل جميع مدن المحافظة، غير أن تركيزها اﻷكبر على العاصمة، التي أصبحت بأكملها في قبضة أمنية محكمة.

أبرز الإجراءات التي شهدتها العريش مع بدء العملية الشاملة كانت حملات تطويق أحياء المدينة تباعًا، وإغلاقها بالكامل، وتفتيش منازلها بدقة، وتحديدًا تلك التي سبق وشهدت عمليات اختطاف أو اغتيال أو تفجير عبوات ناسفة، أو تلك التي سبق وظهر بها مسلحون، سواء منسحبين بعد عمليات، أو يوزعون منشورات، كما امتدت الحملات إلى المناطق التي تقطنها أسر الوافدين من خارج المحافظة أو النازحين من رفح والشيخ زويد. 

اللافت في حملات «سيناء 2018» أنها بدأت بمداهمة المنطقتين اﻷخطر في العريش؛ أحياء قسمي رابع وثالث، وجميعها ملاصقة للطريق الدائري المار أقصى جنوب العريش، والمؤدي إلى ظهيرها الصحراوي، أكثر مناطق نشاط «ولاية سيناء»، فضلًا عن أن كثيرًا منها أحياء عشوائية ضيقة الطرقات، وهما عاملان يجعلان تلك اﻷحياء معبرًا مميزًا لأفراد التنظيم الراغبين في الولوج للكتلة السكنية للمدينة.

كان هدف تلك الحملات الرئيسي هو تفكيك الخلايا المتعاونة مع التنظيم داخل المدينة، حسبما قال مصدر أمني لـ«مدى مصر»، وهو ما ظهر في الدقة الشديدة التي تم بها تفتيش كل أرجاء المنازل، وأماكن تربية الحيوانات والحدائق الملحقة بها، والتي غرس الجنود أسياخًا حديدية فيها وحفروها بالفؤوس. وكانت الحملة تستمر في كل مربع سكني لعدة أيام، يدخل فيها أفراد أمن -يتغيرون في كل مرة- المنزل الواحد ثلاث مرات على اﻷقل يوميًا، يفتشونه ويجمعون بيانات القاطنين فيه.

الأكثر لفتًا للانتباه خلال التفتيش كان سحب الهواتف المحمولة وأجهزة التابلت من السكان، ونقلها إلى المقرات اﻷمنية، وتفتيش ما يجدونه من أجهزة كمبيوتر. كان أفراد الأمن بمجرد دخول المنزل يحصون عدد سكانه ويطلبون جميع الهواتف المحمولة، قبل أن يضعوها في أكياس بلاستيكية مرفق معها قائمة بأسماء أصحابها وأرقام هوياتهم الشخصية.

بحسب المصدر الأمني، كان فحص آلاف الهواتف أمرًا صعبًا، في حين كان السبب الرئيسي لسحب الهواتف هو منع التواصل بين أي شخص في المنطقة المحاصرة مع أفراد التنظيم خارجها، وإبلاغهم بأعداد القوات المشاركة في الحملة أو أنواع تسليحهم، أو حتى تصوير أفرادها أو المعدات العسكرية.

كان ضباط الحملات يركزون على استجواب ثلاث فئات أثناء تطويق اﻷحياء: اﻷولى هي النازحين من رفح والشيخ زويد، وهؤلاء كان يتم التحفظ عليهم كمشتبه بهم في اﻷغلب، والثانية هي الفلسطينيين المقيمين في المدينة، والذين كان يتم التحفظ على معظمهم أيضًا، أما الفئة الثالثة فكانت الوافدين من خارج المحافظة المقيمين في المدينة، والذين كان يتم سؤالهم عن سبب إقامتهم فيها، وطبيعة عملهم، وسنة قدومهم للمدينة، كما كانت الحملات تستهدف الشباب أكثر من غيرهم، فتحتجز الكثير منهم قبل إطلاق سراح معظمهم لاحقًا بعد التحقيق معهم.

خلال الأسابيع اﻷولى من العملية الشاملة كان ضباط الحملات يتعاملون مع اﻷهالي بحذر بالغ، مشوب بالخوف والتشكك في الأغلب، وهو ما بدأ في التغير بمرور الوقت، لتتحول العلاقة بين أفراد الحملات واﻷهالي إلى تعاون متبادل.

ضابط كبير في إحدى الحملات سأل الضباط المشاركين فيها: «أومال فين الإرهابيين اللي قالولنا هتلقوهم في كل حتة في العريش؟» ليرد عليه أحد الضباط قائلًا: «يا فندم الناس كلها محترمة مفيش حد عليه حاجة»، بحسب شهادة أحد المواطنين الذي استرق السمع لحديث الضباط من خلف نافذة منزله الواقع في الطابق اﻷرضي.

كان معظم أهالي العريش قد استقبلوا أفراد الحملات بترحاب واضح، وفتحوا لهم أماكن الضيافة التي دائمًا ما تكون ملحقة بمنازل السيناويين، وفي منطقة الفواخرية، معقل أكبر قبائل المدينة، فَتحت العائلات دواوينها لاستراحة أفراد الحملات ومبيتهم، وقدمت لهم وجبات الغداء والعشاء، والتي تحولت لوجبات سحور وإفطار مع دخول شهر رمضان.

انعكاس ذلك ظهر في تخفيف حدة الإجراءات التي تنفذها الحملات عند تطويق اﻷحياء، بدءًا من انتقاء منازل محددة لتفتيشها بدقة، والاكتفاء بالنظر سريعًا داخل منازل أخرى دون تفتيشها، وصولًا للاكتفاء بأخذ هاتف محمول أو هاتفين على اﻷكثر من كل منزل، والتأكيد على اﻷهالي: «بلاش التليفونات الحديثة، أي تليفونات قديمة وخلاص»، حسب روايات عدد من سكان المدينة.

غير أن تخفيف حدة الحملات لم يصحبه تخفيف باقي الإجراءات المفروضة على المدينة، إذ استمر منع التزود بالوقود، ومنع المواصلات العامة، وتعطيل الدراسة، فضلًأ عن إغلاق الطرق المؤدية للمدينة، بما عناه ذلك من عدم دخول المنتجات الغذائية، لتشهد المدينة أزمة غذاء طاحنة، كما عادت أجهزة اﻷمن لعملية هدم منازل المطلوبين أمنيًا بشكل جزئي أو كامل.

وعلى هامش الحملات بدأت ظاهرة جديدة في شوارع المدينة، وهي العثور على أسلحة آلية وذخائر ومسدسات وكتب تحمل الأفكار الجهادية ملقاة في صناديق القمامة، أو في المنازل المهجورة أو الأراضي الفضاء المحاطة بأسوار، تخلص منها أصحابها قبل وصول الحملات لهم.

أما على جانب المعركة المستمرة، فشهدت عمليات «ولاية سيناء» في العريش انخفاضًا شديدًا في تلك الفترة، دون أن تتوقف بشكل نهائي، وإن كان ما تمت منها تمثل في استهداف مركبات عسكرية بعبوات ناسفة، وفيما توالت بيانات القوات المسلحة عن نتائج العملية الشاملة وقتلها كثير من المسلحين، كانت البيانات تنقل أيضًا سقوط ضحايا، بأعداد أقل كثيرًا، في صفوف القوات المشاركة في العملية.

استمر تنقل الحملات بين أحياء العريش حتى منتصف العام، وطالت جميع المناطق المحورية في المدينة، والتي يمكن أن تشكل بؤرًا لـ «ولاية سيناء»، أما اﻷهم فكان حصول أجهزة اﻷمن على معلومات مفصلة عن جميع السكان في كل حي من أحياء المدينة.

بحلول يونيو 2018 توقفت الحملات عن التنقل بين اﻷحياء، ولجأت أجهزة اﻷمن إلى إقامة ارتكازات أمنية في عدة محاور داخل المدينة، معظمها يطل على اﻷحياء الجنوبية، لتعويض الفراغ الذي خلفه توقف الحملات. كما تم إغلاق الكثير من الطرق الفرعية لإجبار جميع السيارات على المرور عبر الارتكازات اﻷمنية الجديدة أو القديمة، بشكل أصبح مستحيلًا معه المرور على أي طريق رئيسي في العريش دون المرور عبر كمين أمني واحد على اﻷقل.

هذا التواجد اﻷمني، والتراجع شبه التام في العمليات المسلحة داخل الكتلة السكنية العريش، أنتجا حالة ملحوظة من الارتياح في تحركات أفراد اﻷمن داخل المدينة، وأصبح طبيعيًا مشاهدة جنود وضباط غير مسلحين يشترون من محلات المدينة وأسواقها، وهو اﻷمر الذي لم يدم طويلًا.

بدءًا من 10 يونيو عادت الهجمات المسلحة إلى الظهور في الكتلة السكنية للعريش، بقتل موظف في مرور العريش أمام منزله بالقرب من قسم ثالث، لتنتقل الهجمات بعد ذلك مقتربة من وسط المدينة، الذي شهد في 13 يونيو قتل صاحب محل بقالة أمام منزله بمنطقة الدهيشة، ثم في 26 يونيو قُتل موظف أمن في إذاعة شمال سيناء داخل منزله الواقع في المنطقة نفسها.

خلال شهر يوليو قامت أجهزة اﻷمن بأكثر من مداهمة لمنازل جنوبي وغربي المدينة، قتلت خلالها مسلحين، قالت في بعض اﻷحيان إنهم قيادات في التنظيم، كما لجأت لقطع الاتصالات عن المدينة بشكل مؤقت في أعقاب بعض الهجمات المسلحة على أطرافها، فيما توقفت الهجمات المسلحة داخل الكتلة السكنية قبل أن تعود مجددًا في الشهور التالية.

في الرابع من أغسطس قُتل مرشح برلماني سابق أمام منزله، وبعد 24 يومًا وقع هجوم على قوة عسكرية تؤمن محطة وقود وسط العريش، ثم في 2 سبتمبر قُتل مجند في الشرطة أثناء تواجده في ميدان الرفاعي، وفي آخر أيام الشهر قُتل موظف مدني يعمل في قسم شرطة رابع العريش.

اللافت في تلك الحوادث أن جميعها كان في مناطق سبق وأن طوقتها وفتشتها الحملات اﻷمنية، في أحياء قسمي ثالث ورابع، باستثناء الهجوم على قوة تأمين محطة الوقود وسط المدينة، وإن كان المسلحون استخدموا فيه سيارة سرقوها من مناطق جنوبي المدينة قبل دقائق من الهجوم.

أما النقطة الأخرى اللافتة للانتباه فكانت اشتراك صبية صغار السن في جميع تلك الحوادث، بل وتنفيذهم أربعة منها بمفردهم وبوجوه مكشوفة -رغم وجود كاميرات مراقبة- عبر إطلاق الرصاص مباشرة تجاه القتلى من مسدسات يحملونها.

الخريطة التالية توضح مواقع حوادث القتل التي نفذها مسلحون في وقت العملية الشاملة:

التغير في نمط هجمات التنظيم ولجوئه لاغتيالات فردية لم يدفع أجهزة اﻷمن للتغيير في استراتيجيتها، خاصة وأنها منذ بداية يونيو كانت قد بدأت في إنشاء جدار عازل ضخم بمحاذاة الطريق الدائري جنوبي المدينة، وهو الجدار الذي يحد حرم المطار اﻵمن، لكنه في الوقت ذاته يؤدي مهمة شبيهة بما سبق وأن تم في الشيخ زويد، وهو عزل الكتلة السكنية للعريش عن منطقة الوادي جنوبي المدينة، بما فيها من مزارع شاسعة، كان قد تم تجريف معظمها مع بدء العملية الشاملة.

إنشاء الجدار تزامن كذلك مع خروج عدد من اﻵليات العسكرية من العريش، في توقيت واحد مع إنهاء حالة الطوارئ الطبية في مستشفيات منطقة القناة، وتخفيف حالة الاستنفار اﻷمني في صفوف الشرطة التي كانت قد أعلنت قبل ستة أشهر، مع رفع عدد من الإجراءات الاستثنائية الخاصة بدخول البضائع ودخول وخروج المواطنين، ما بدا كأنه مؤشرات على انتهاء العملية الشاملة سيناء 2018، دون إعلان رسمي بهذا الخصوص.

غير أن أجهزة اﻷمن اضطرت للعودة إلى الحملات على اﻷحياء السكنية بعد حادثتي قتل المرشح البرلماني، واستهداف محطة الوقود، اللتين وقعتا في أغسطس 2018؛ حيث طَوقت وحدات من الجيش والشرطة أحياء قسم رابع مرة أخرى، وبدأت عمليات تفتيش واسعة في المنازل. أكد سكان في تلك المناطق لـ«مدى مصر» أنها كانت أكثر دقة مما شهدوه في حملات بداية العملية الشاملة، وتلاها حملة أمنية أخرى صبت تركيزها على التدقيق في المتعلقات الشخصية من كتب أو أوراق.

أما التغير الأبرز فكان توسيع أجهزة اﻷمن لدائرة الاشتباه، وزيادة عمليات توقيف المواطنين داخل المدينة، والقبض العشوائي على شباب في بداية العشرينيات من أعمارهم، وأصحاب البطاقات الشخصية الصادرة من رفح والشيخ زويد، والفلسطينيين.

أكبر مصادر الرعب للمواطنين في المدينة وقتذاك تمثل في مدرعتين أمنيتين كانتا تجوبان شوارع المدينة وتلقيان القبض على المشتبه بهم، أو يقوم أفرادهما بالقبض العشوائي على الشبان المتواجدين في أي من المناطق المزدحمة بالمدينة، حتى أن أهالي أطلقوا عليهما اسم «مَكنسة الشباب»، وإن كانت التسمية لم تعد دقيقة بعدما أصبحت المدرعات تلقي القبض على مواطنين من جميع الفئات العمرية.

من جانبه، كان تنظيم «ولاية سيناء» مستمرًا في الظهور على جبهة المدينة الغربية، منفذًا هجمات متفرقة بعبوات ناسفة، قبل أن يهاجم في 25 أغسطس ارتكازًا أمنيًا حصينًا، مخلفًا أربعة قتلى وعشرة مصابين في صفوف قوات الشرطة، وهو الاستهداف الثاني للارتكاز نفسه، بعد محاولة اقتحامه بسيارة مفخخة في شهر يونيو، والتي تصدت لها قوة الكمين.

كان أغسطس قد شهد تدشين قوات اﻷمن تسعة كمائن أمنية حصينة على الطريق الدائري جنوبي المدينة، مزودة بأسوار مرتفعة وأبراج حراسة وكاميرات مراقبة، مهمتها الأساسية هي مراقبة الظهير الصحراوي للعريش، حسبما قال مصدر أمني لـ«مدى مصر».

وداخل الكتلة السكنية، استمرت كذلك التغيرات التكتيكية المتلاحقة ﻷجهزة اﻷمن، وهو ما ظهر في تغير شكل الحملات اﻷمنية بدءًا من سبتمبر 2018، حيث أصبحت لا تتركز في منطقة واحدة فقط، بل تنقسم إلى حملات أصغر تتوزع على مناطق عدة في أحياء المدينة المختلفة، ليصبح الواقع الجديد هو التطويق الدائم لمربعات سكنية محددة في أحياء قسمي ثالث ورابع، وهو التكتيك الذي نجح في الحد من حوادث القتل داخل الكتلة السكنية للمدينة، والتي كان آخرها إعلان التنظيم في 24 أكتوبر عن قتل أربعة مواطنين جنوبي المدينة لتعاونهم مع قوات اﻷمن.

عام العودة للبدايات

في الشهور اﻷخيرة من 2018 وبدايات 2019 استمرت الحال على ما هي عليه؛ عمليات محدودة للتنظيم خارج العريش، تركز معظمها غربي المدينة، وبصورة أقل في جهتها الشرقية، وسط سيطرة واضحة لقوات اﻷمن داخل الكتلة السكنية، بعدما فصلتها الكمائن والارتكازات اﻷمنية بشكل كبير عن القرى الموجودة خارجها، وإن كان سكان العريش اعتادوا في تلك الفترة سماع صوت إطلاق كثيف للنيران، خاصة في فترات الليل، وهدير طائرات عسكرية تطير على ارتفاعات منخفضة، خاصة في أعقاب عمليات التنظيم، كما اعتادوا على قطع الاتصالات بشكل مؤقت من حين ﻵخر، بالإضافة إلى أنباء تصفية قوات الأمن لمسلحين في أطراف المدينة.

أماكن نشاط «ولاية سيناء» جنوب العريش

غير أن فترة الهدوء النسبي انتهت في منتصف فبراير 2019، بهجوم التنظيم على كمين «جودة/3» جنوب غربي المدينة، الذي قُتل خلاله 15 من أفراد قوة الكمين وأصيب باقي أفراده، وهي أكبر حصيلة قتلى في عملية واحدة منذ بدأت العملية الشاملة، وهو ما ردت عليه قوات الشرطة بإعلانها قتل 16 مسلحًا في أحد البؤر بالعريش، قبل يوم واحد من وقوع اشتباكات بين قوة كمين الميدان -آخر كمائن العريش من جهة الغرب- ومسلحين تم رصدهم يتحركون في محيط الكمين.

كمين الميدان هو آخر الكمائن اﻷمنية في العريش من جهة الغرب، والذي يفضي إلى الطريق الدولي «العريش/القنطرة» في اتجاه بئر العبد، وهي المنطقة التي كانت في تلك الفترة المسرح اﻷكبر للمواجهة بين الأجهزة اﻷمنية وتنظيم «ولاية سيناء»، بعد نجاح اﻷولى في الحد من قدرة أفراد التنظيم على الولوج للكتلة السكنية للمدينة؛ خاصة بعد تدشين أجهزة اﻷمن ارتكازات أمنية شديدة القرب من بعضها على التلال الرملية المشرفة على الطريق، وإن كانت لم تمنع التنظيم من إقامة كمائن سريعة على الطريق يستوقف فيها سيارات المواطنين قبل أن ينسحب أفراده سريعًا في اتجاه الجنوب.

تلك المناوشات دفعت أجهزة اﻷمن لعمل عدد من التحويلات على الطريق، أولها بعد كمين الميدان مباشرة، عبر إغلاق إحدى حارتي الطريق بالرمال، لتسهيل مهمة الارتكازات في مراقبة المناطق الواقعة خارج مدى الرؤية، وهي التحويلات التي كانت بدورها سببًا في عدد من حوادث السيارات التي راح مواطنون ضحيتها، نظرًا لعدم وجود أية علامات إرشادية تعلن عنها.

بسط قوات اﻷمن سيطرتها على الكتلة السكنية بصورة كبيرة، لم يكن معناه غياب التوتر عن المدينة وسكانها، خاصة مع استمرار التواجد الأمني الملحوظ داخلها، والذي كان يزداد صرامة أحيانًا، مثلما حدث في منتصف أبريل، حين وردت معلومات لقوات اﻷمن أن مسلحين تسللوا لداخل الكتلة السكنية، بحسب مصدر أمني تحدث لـ«مدى مصر»، ما دفع أجهزة اﻷمن للقيام بحملة سريعة بدأت من حي المساعيد، أول أحياء العريش من جهة الغرب، أغلقت خلالها جميع المحلات بشكل فوري، بعدما فتشت جميع من كانوا بها بشكل دقيق، كما طلبت من اﻷهالي التزام المنازل وعدم إقامة تجمعات، وهي الإجراءات التي تم تعميمها لاحقًا على باقي أحياء المدينة. 

بالإضافة لذلك، وبعد إثبات الارتكازات اﻷمنية نجاحها، استمرت أجهزة الأمن في إقامة المزيد منها على محاور استراتيجية داخل الكتلة السكنية، مثل الكباري الواصلة بين شرقي المدينة وغربها، أو منطقة السوق، بالإضافة إلى زيادة تحصين الارتكازات الموجودة بالفعل، وهو ما شعر معه السكان أن نهاية اﻷوضاع الاستثنائية في مدينتهم ليست قريبة.  

لم يكن التواجد اﻷمني المكثف، أو الإجراءات الاستثنائية، الدافع الوحيد لتوتر سكان المدينة في تلك الفترة، فصوت المواجهة بين الأمن والتنظيم كان واضحًا طوال الوقت، وكان يزداد صخبًا أحيانًا، مثلما حدث قبل يومين من نهاية أبريل 2019، حين هز صوت انفجار كبير أرجاء المدينة، ليعرف السكان بعدها أن قوات اﻷمن كانت تفجر بيوتًا تقع داخل المنطقة الجاري إخلائها لتصبح حرمًا للمطار، هذا الانفجار أتى بعد يومين من هجمات بالصواريخ نفذتها طائرات أباتشي على منطقة مزارع «جهاد أبو طبل»، والتي تعد أحد أبرز أماكن تواجد التنظيم خلف الطريق الدائري المار جنوبي العريش.

على الرغم من تلك الإجراءات، ومن استمرار الإنشاءات في جدار العريش المحاذي للطريق الدائري، كان التنظيم مستمرًا في إعلان تواجده، بل واستطاع في نهاية أبريل أن يصل إلى داخل الحرم اﻵمن، وأن يستهدف ببرميل متفجر آليات عسكرية كانت تمر بمحاذاة الجدار. لكن أهدافه لم تكن عسكرية فقط، إذ استمر التنظيم في مهاجمة العمال المدنيين المشاركين في بناء الجدار، وهي العمليات التي كان قد بدأها في أكتوبر 2018، سواء أثناء تنقلهم أو عبر إطلاق الرصاص عليهم من مسافات بعيدة أثناء عملهم في الجدار، فضلًا عن إحراقه مخازن أخشاب تابعة لمقاولين مدنيين، واختطاف عمال مدنيين ثم إطلاق سراحهم بعد تحذيرهم من العودة للعمل مع الجيش، مستهدفًا تعطيل بناء الجدار، الذي سيكون عقبة قد يستحيل على مسلحيه عبورها للوصول إلى داخل العريش.

هذه العمليات لم تثني القوات المسلحة عن الاستمرار في إنشاء الجدار الذي يمتد لعشرة كيلومترات جنوبي المدينة، بدءًا من غربها وانتهاءً بأقصى الشرق، ويفصلها عن المطار، بل إنها شرعت خلال بداية الربع الثاني من 2019 في بناء جدار ثانٍ جنوبي المطار، قبل قرية لحفن الواقعة في أقصى جنوب العريش، والقريبة من المطار.

بين منتصف أبريل ومنتصف مايو، نشرت جريدة «النبأ» التابعة لتنظيم «داعش»، التابع له «ولاية سيناء»، أربعة مقالات تحمل استراتيجية جديدة، تحت عنوان «إسقاط المدن مؤقتًا كأسلوب عمل للمجاهدين»، مفادها تغيير استراتيجية القتال داخل التنظيم في كل مناطق نشاطه، إلى استراتيجيات جديدة تستخدم في أوقات «عدم التمكين في فترات حرب العصابات».

بحسب الاستراتيجية الجديدة ينفذ مسلحون التنظيم هجمات على أهداف ضعيفة نسبيًا يتم رصدها بعناية، يمكن تحقيق تفوق فيها على حساب القوات الأخرى التي وصفتها الجريدة بـ «العدو»، مع تنفيذ اختراقات للمدن والقرى التي يصعب الولوج إليها وقتل وخطف المتعاونين مع الأجهزة الأمنية، وهي الاستراتيجية التي بدأ «ولاية سيناء» في تنفيذها بالفعل في معركة العريش. 

في 18 مايو عاد ظهور التنظيم داخل الكتلة السكنية للمدينة، حين قتلت عناصر تابعة له شابًا داخل مسكنه، بدعوى أنه جاسوسًا للجيش، في تلك المرة وقع الهجوم في منطقة عاطف السادات، أحد أكثر أحياء شرقي المدينة تحصينًا لقربه من منشآت أمنية وعسكرية هامة، مثل الكتيبة 101 حرس حدود ومديرية أمن شمال سيناء ومكاتب المخابرات والأمن الوطني. الهجوم أتى بعد أسبوع من إقامة قوات اﻷمن ارتكازًا جديدًا عند بوابة مقابر المدينة، لم يكن يسمح بدخول زوار للمقابر سوى بعد ترك بطاقاتهم الشخصية.

في 5 يونيو الماضي، أول أيام عيد الفطر، عادت هجمات التنظيم على الكمائن اﻷمنية على أطراف العريش، وقُتل عشرة شرطيين، بينهم ضابطين، حين هاجم عشرات المسلحين في وقت متزامن ثلاثة كمائن مطلة على الطريق الدائري، جنوب غربي المدينة، في وقت متزامن، وتركز الهجوم على كمين «البطل 14»، وهو ما ردت عليه قوات الشرطة بتصفية 26 مسلحًا في منازل ومزارع زيتون جنوب وغربي العريش.

بعد أقل من عشرة أيام شهد الطريق الدولي «العريش/القنطرة» نشاطًا مكثفًا للتنظيم، حيث استهدف آلية عسكرية بعبوة ناسفة قتلت ضابطًا وأربعة جنود، فيما أقامت عناصر التنظيم كمينين على الطريق في أوقات مختلفة، اختطفوا خلالهما 11 مواطنًا على اﻷقل من العريش.

مرة ثانية، وبعد أقل من عشرة أيام، عاد التنظيم لاستهداف العمال المدنيين المشاركين في بناء جدار العريش أو التحصينات اﻷمنية المختلفة، فقتل أربعة منهم وأصاب خمسة وأحرق سيارات كانوا يستقلونها قرب المطار، فيما بدأ في الإفراج عن عدد ممن اختطفهم من كميني الطريق الدائري، بينهم أحد العاملين في ملاحات السبيكة والذي حمله التنظيم رسالة إلى قيادات الملاحة تحذر من عودتها للعمل. 

قبل نهاية يونيو الماضي كان الظهور الأبرز للتنظيم داخل الكتلة السكنية للمدينة، في هجمة كانت اﻷكبر منذ الإثنين اﻷسود؛ 13 أكتوبر 2017.

يوم الثلاثاء 26 يونيو هاجم عشرات المسلحين ثلاثة كمائن وسط العريش في وقت متزامن، كان من بينها أحد الكمائن المقامة حديثًا على أحد كباري العريش، وكمين آخر عند منطقة المقابر.قُتل في تلك الهجمات سبعة من قوات الشرطة بينهم ضابط، وأصيب سبعة آخرين، وقُتل مَدني وأُصيب اثنان، فيما أصيب سكان العريش بحالة من الرعب بعدما اخترقت الرصاصات منازلهم إثر تبادل قوات الأمن إطلاق النار مع المسلحين في الشوارع الرئيسية.

في اليوم التالي عاد المسلحون لمهاجمة كمائن أمنية مختلفة في وقت متزامن، وإن استهدفوا هذه المرة كمائن على الطريق الدولي الساحلي، وأخرى داخل حي المساعيد غربي المدينة، وإن كانت تلك الهجمات لم تخلف سوى إصابات بين صفوف قوات اﻷمن، لتقوم قوات اﻷمن بعدها بتطويق أحياء قسم رابع العريش بحملات أمنية فتشت المنازل وجمعت بيانات الأهالي.

في مساء اليوم نفسه قُتل تسعة مدنيين من النازحين من مناطق جنوب الشيخ زويد، إثر سقوط قذيفة صاروخية على منزل في منطقة «الكيلو 17» غربي العريش، وفيما رجح مصدر محلي لـ«مدى مصر» أن يكون مصدر القذيفة طائرة بدون طيار، قال إن المنزل المقصوف تجاوره مضيفة كان أهلها قد استقبلوا قبل دقائق شخصين سبق وأن اختطفها تنظيم «ولاية سيناء» قبل شهر، وأفرج عنهما في منطقة قريبة من المنزل.

عقب تلك الهجمات مباشرة عادت الحملات اﻷمنية المكثفة إلى شوارع العريش مرة أخرى، وطوقّت آليات مشتركة من القوات المسلحة والشرطة أحياء قسم رابع العريش بالكامل، وكامل المنطقة الواقعة بين الضفة الغربية للوادي وحتى المقابر، أقصى جنوب المدينة، وأغلقت ميدان الرفاعي، قبل أن تعيد فتحه بشكل جزئي، قال سكان في المنطقة لـ«مدى مصر» إن الضباط طالبوا أهالي الأحياء التي تحت التطويق بالعودة إلى منازلهم قبل الساعة العاشرة مساءً، قبل ثلاث ساعات من موعد بدء حظر التجول، وذلك مع تنفيذ عمليات تفتيش دقيقة على المنازل وجمع بيانات كل سكان تلك الأحياء.

بالإضافة لذلك عادت الحملة لهدم منازل مطلوبين أمنيًا، بعضها للمرة اﻷولى، وأخرى سبق هدمها جزئيًا قبل أن يرممها ملاكها، غير أنها كانت هذه المرة تدمر المنازل بالكامل وتساويها بالأرض، بحسب مصدر محلي، قال إن أفراد أمن يقتحمون المنزل قبل هدمه ويحطمون كل محتوياته من أثاث وأجهزة كهربائية وأدوات مطبخ.

كما ألقت أجهزة اﻷمن القبض العشوائي على أعداد كبيرة من الشباب من سكان أحياء قسم رابع، خاصة من سن 17 وحتى 20 عامًا، ونقلهم إلى مقرات أمنية، حيث ملأوا «استمارة تعارف» تضم كل المعلومات الخاصة بهم، وإجاباتهم على الأسئلة التي وجهت لهم خلال التحقيق، بحسب ما قاله سكان بالأحياء المحاصرة.

ولم تتوقف الإجراءات الأمنية داخل المناطق المحاصرة على هدم المنازل واستمارات التعارف، ولكن بحسب سكان، أجبرت قوات الأمن الأهالي على تركيب كاميرات مراقبة على كل أركان المنزل على نفقتهم الشخصية، لرصد كل ما يدور في الخارج وفي محيط الشارع والمنزل، كما أغلقت اﻷبواب الفرعية لمنطقة المقابر، ومنعت دخول أكثر من 10 أشخاص بصحبة جثمان أي متوفى.

استمرت الحملة على أحياء قسم رابع العريش طوال 45 يومًا، قبل أن تنتقل باﻷسلوب نفسه إلى أحياء قسم ثالث، فيما توسعت أجهزة اﻷمن في التضييق على دخول جميع أنواع البضائع والمستلزمات إلى المدينة بأكملها.

وفي حين تستمر المواجهة بين القوات المسلحة وتنظيم «ولاية سيناء»، وتتغير تكتيكات كل منهما داخل العريش وعلى حدودها، بدأت عمليات التنظيم في الازدياد خلال الشهور اﻷخيرة في القرى التابعة لبئر العبد، التي لم تصلها الحرب منذ اندلاعها في 2014، في تكرار للسيناريو الذي اتبعه التنظيم في مدن شمال سيناء الثلاثة اﻷخرى، رفح، والشيخ زويد، والعريش.

اعلان