2- روح الـ«زِن» ومعجزاته.. أو «وضحكنا ضحكَ طفلين معًا.. وَعَدونا فسبقنا ظلَّنا*»
 
 

 (إنَّ زن ليس أكثر من التقاط معطفك عن الأرض، وتعليقه.)

***

عقلك لا يهدأ ولا يكل ولا يمل، إنه مثل قرد نطّاط، ميمون الذي لا يغفل ولا ينام، يريد أن يسحبك خلفه للتقافز من فرع شجرة إلى فرع لما لا نهاية. كل لحظة ستجده يطرح عليك ألف فكرة وألف احتمال، يستحضر مليون صورة وذكرى وخاطرة، جيوشه تحاصرك مادمتَ حيًا، لكنك تستطيع أن تتسيَّد عليه، يمكنك أن تُهدئه وأن تجعله يجلس هادئًا بجانبك لمراقبة أنفاسك: شهيق، زفير، شهيق، زفير. شيء من المجهود والصبر والتكرار ويهدأ القرد النطاط، وتتحوّل جحافل جيوشه إلى أوراق خريف في الريح. الآن تبتسم. 

***

أعرضُ هنا، خفيفًا خفيفًا، لكتابين عن واحد من أشد مذاهب البوذية غموضًا وهو مذهب أو ممارسة «زِن»، كتاب «روح زِن» لآلان واتس، وكتاب «معجزات زِن» مِن وَضع بريندا شوشانا، وكلاهما صادران عن دار «الحوار» في سوريا، ومن ترجمة سلام خير بك. ورغم الاختلافات بين الكتابين، من حيث الأسلوب والصيغة، فيمكن لهما أن يكونا معًا مرشدًا لا بأس به لمَن يرغب في التعرف على هذا المذهب. 

من ناحية الطبيبة النفسية بريندا شوشانا، والتي لها عناوين أخرى في مجال طب النفس الشعبي والتنمية البشرية، مِن قبيل كيفية السيطرة على الغضب أو الخوف، ولها أيضًا كتاب آخر عن الـ«زِن» وفن الوقوع في الحب، في كتابها هذا «معجزات زِن.. اكتشاف السلام في عالم مجنون» 2012، لا تقف موقف المتأمِل الدارس بقدر ما تتورَّط تمامًا وتكاد تتماهى مع خطاب زِن، حتَّى إنها في كل صفحة من صفحات الكتاب تقريبًا تستشهد بمقتبسات ونوادر من شُعراء ومعلمي ورهبان الزِن، ويكاد القارئ لا يشعر بوجودها ككاتبة إلَّا من زاوية ترتيب المادة وعنونتها وصياغتها في بنية متماسكة كأنها رحلة روحية لها نقطة بداية ونهاية ومحطات متتابعة، أي أنها تختفي تمامًا لصالح موضوعها وهو أمر جيد طالما لم يكن لديها هي شخصيًا ما تقوله كرؤية خاصة، أمَّا إذا كان الكاتب عالمًا وباحثًا في حجم وقيمة آلان واتس، ومستوى إحاطته بموضوعه فالأمر مختلف تمامًا في كتابه روح زِن – 2015. 

آلان واتس (1915-1973) ليس بالإسم المجهول أو الصغير، وخصوصًا في سياق تعريف الغَرب بفلسفات وعقائد الشرق الأقصى، لكنه أيضًا قد مارسَ مذهب زِن لفترة من الزمن في نيويورك واتجه نحو البوذية، بعد أن لفت انتباهه لها أستاذه فرانسيز كروشو. ورغم تورطه العقائدي هذا فإنه – في كتابه هذا على الأقل – لا يتخذ موقف الانبهار ولا ترديد أساسيات هذا المذهب ولا ينتهي إلى قبولٍ تام لكل شيء فيه، بل يعرض ويحلل ويتأمل، ولا يكل عن التأكيد أنَّ هذا المذهب تحديدًا لا يمكن بسطه وشرحه باللغة والأفكار، وأنه ابن الممارسة والخبرة المباشرة بالأساس، بل إنه (زِن) يعادي بوضوح كل إطار فكري وميتافيزيقا مكتملة الأركان وجاهزة للاستهلاك. فليست الإشارة إلى زِن بالكلمات أو بالشرح أو حتَّى بالأحجيات المُلغزة سوى إصبع تشير إلى الطريق، لكنها ليست هي الطريق ببساطة.

في عرضنا هنا سأحاول التماس مع الكتابين بقدر المستطاع، كما لن أمنع نفسي من التفاعل الشخصي الحُر مع نصوص ومقتبسات من زِن. وكل ما بين قوسين كبيرين (..) مقتَبس من نصوص أحد الكتابين، وبالتالي فهو مِن ترجمة سلام خير لك.

***

(قال الطبيب: لقد أتيتُ لأفهم طريقة زن. رفع المعلم نظره إليه للحظة، وأجابه: «اذهب إلى بيتك وكن لطيفًا مع مرضاك، ذاك هو زن».)

تكاد تكون مهمة التعريف بمذهب زِن مستحيلة عمليًا، وشرحه في كلمات يكون أقرب إلى شرح جمال غروب الشمس لشخص ضرير منذ مولده، بحسب تعبير آلان واتس في السطر الأوَّل من كتابه، تمامًا كما لا تكفي على الإطلاق قراءة النصوص القديمة والتماس الحكمة من خلال الكتب بعيدًا عن الممارسة فسيكون هذا مِثل (أن يُشبع منظر قائمة الطعام مَعدة رجل جائع). 

زِن كلمة يابانية مشتقة من مقابلها الصيني «تشان»، والمشتقة بدورها من الكلمة السنسكريتية «دهيانا»، والتي تترجم عادة وخطأ بالتأمل، وهي في عِلم النفس اليوجي حالة سامية من الوعي يتحد فيها الإنسان بالواقع الكوني المطلق. 

(ليس هناك أية «غيبيات» في زِن، فهو موقف عقلي مستمر يمكن تطبيقه في غسل الثياب كما يمكن في الواجبات الدينية). 

***

(لا تضع رأسًا فوق رأسك. ما مشكلة ذاك الذي لديك؟) نيوجن سنزاكي

قبل كل شيء، لا بدَّ مِن العودة إلى الذات والاعتماد عليها وحدها، بعيدًا عن التفتيش المنهك وغير المجدي عن الحلول هنا وهناك وعند هذا المعلم أو ذاك. ممارسة زِن هنا تساعدك على اكتشاف ممارستك الخاصة، طريقتك، إيقاع أنفاسك، وضعية جلوسك متأملاً. والنصيحة الأمثل: دع النفس الطويل يكون طويلاً، ودع النفس القصير يكون قصيرًا. ليس هناك منهج مقدَّس لا بدَّ من تعميمه على الجميع، اعثر على طريقتك وانطلق منها، سواء كنت منفردًا أو في جماعة. 

***

إذا بذلنا بعض الجُهد المغرض في تجريد زِن من زخارفه الشرقية وعلاقته العميقة بالبوذية بمدارسها التقليدية، قد يبدو في عظامه العارية، للنظرة العابرة غير المستعدة للتدقيق والتعاطي، أقرب إلى نسخة أولية عتيقة لبعض مذاهب فلسفية وفكرية غربية مثل العَبَث أو اتجاه اللامعقول في المسرح والفنون الأخرى. فهو على الأقل يثمّن عَدم محاولة السَعي لفَهم أي شيء ويعلن خلو العالَم والوجود الإنسان من أي معنى خارجي متعالٍ.

غير أنَّ العين المدققة – لآلان واتس مثلًا – سوف تكشف تباينات عميقة بين رُهبان زِن المازحين الضاحكين والمستمتعين بأوقاتهم عبر رسوخهم في الحاضر دون ضَجر أو تلهُّف وبين أولئك الفلاسفة والفنانين المتجهمين ممَّن يفترسهم القلق الوجودي ويسرق انعدامُ المعنى النومَ من عيونهم.

فَكَأنَّ مذاهب من قبيل العَبثية والعَدمية، بتلوّناتها وتجلياتها في الفن والفِكر، تولَّدت من فجوةٍ هائلة من المستحيل رَأبها، تلك الفجوة بين احتياج الإنسان – من ناحية – لاكتشاف معنى وجوده واستنطاق الكون عن مغزاه وحقيقته الخفية، وبين الصمت الهائل – على الناحية الأخرى – لذلك الكون وتواري الحقيقة واستحالة الوصول لها على المستوى الإنساني الفردي تحديدًا. مِن هذا اليأس يتم تقبُل العبث واللامعنى على مضض أو عن طيب خاطر، ويُفتَرض أنَّ استجلاب معنى محكم من بنية ميتافيزيقية متعالية مجرد «انتحار فلسفي» حسب تعبير ألبير كامو. 

كان مِن الطبيعي أن تبرز تلك النزعات والمذاهب في لحظة أوروبية طافحة بمرارة اليأس والانكسار، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكأنها بمثابة إعلان هزيمة ولو مؤقَّتة للعَقل الغربي، أو على الأقل هزيمة لبعض طرائقه السابقة؛ هزيمة دفعته لأن يعتصر مراراته ويستمرئها، هو الذي اعتاد الفوز، متسلحًا بالمنطق والعقلانية والمناهج التجريبية والمادية؛ في جميع معاركه لكي يتسيَّد الطبيعة والبشر خصوصًا البعيدين عنه القريبين إلى الطبيعة، وأن يغزو ويكتشف ويخترع، بل أن يطمح إلى أن يشد الزمام إلى حَنَك أشد ألغاز هذا الوجود، وهي النفس الإنسانية، عبرَ نظريات علم النفس الحديث. 

رغم كل انتصارات ذلك العقل الأوروبي التي لا يُنكرها إلَّا غافل أو جاحد، ورغم اتساع رقعة سيطرته في البحر والبر والسماء وجسد الإنسان، ظلَّت هناك فجوة رهيبة سوداء، توسوس له بعجزه وضعف حيلته، حتَّى انكشفت أبعاد الكابوس تامة مع الحرب، فكأنَّ كل تلك الفتوحات أسفرت عن خراب هائل، ولم ينقذه منه غير تقبل العبث الذي أطل برأسه بين الحطام والأطلال، وهكذا فرَّ المعنى كأن لم يكن، وصارت عودته أو وصوله محل شك شأنه شأن جودو الغائب الحاضر في مسرحية صمويل بيكيت. 

***

(العالم كله دواء، فما هو الداء؟)

لا يمكنك أن تتجنب الألم، فهو يأتي مع مسرات الحياة في حزمة واحدة، ولكن بوسعك تجنب المعاناة المرتبطة بهذا الألم، راقب التيّار، عبور اللحظة، ابتسم لعابري السبيل من الأفكار التي ترد على خاطرك والهواجس والهموم. أنت تعرف أن كل هذا سيمر، وأن صفحة عقلك ليست أكثر من شاشة عرض تنعكس عليها صورة بعد أخرى. راقب أحاسيسك ومشاعرك وأفكارك. انتبه، ليس مطلوبًا منك أكثر من أن تنتبه، حتى يتحول الحاضر إلى حضور، على حد قول أحد المتصوفة. أنت السيّد المتخبئ، أنت السيد الغائب، إذا سيطرت على تهويمات ذهنك ووحوش أفكارك، ستكون سيّد كل ظرف، لأنَّ الأمر كما قال شاعر الهايكو القديم باشو: (عندما نجد السيد، يمكننا أن نرتاح ولا نفعل شيئًا. إذ سيفعل السيد كل شيء)

رغم كل ما يكتنف مذهب زِن من غموض فقد حقق انتشارًا ورواجًا تجاوز حدود الشرق الأقصى إلى الغرب، متسلحًا بفرادة (وربما خفة دم) تكاد تصل لحدود الكوميديا الخفيفة، وكذلك بما يقدمه من فنون في الأدب والرسم وتنسيق الحدائق، وتأملات ذات رؤية شديدة الخصوصية لموقع الإنسان من الكون. 

ربمَّا لأنه لا ينطلق من اليأس الأوروبي المتجهم الذي يشي بشخصٍ غَدرَ به الوجود وخانته الآلهة ونبذه الواقع، بل يعانق زِن الواقع كما هو ولا يعوَّل على أي سر خفي محتجب سوف يتبدَّى ذات يوم للإنسان، فردًا أو جماعة، عبر رحلة روحية أو عقلية أو سوى ذلك، فإن لم يشعر المرء بسكينة النرفانا والانعتاق هنا والآن، وفي وسط أنشطة حياته اليومية الرثة والمكرورة، فلا أمل له في أي سكينة أو انعتاق، وسيظل يدور معلقًا في عجلة السَامسارا [عجلة الولادة والحياة والموت ثم الولادة من جديد] إلى الأبد، مهما اعتكف وصام وصلى وتأمَّل، طالما ظلَّ يُعوّل على شيء موجود في خارجه، طالما ظلَّ ينتظر لحظةً ما في المستقبل، خارج حاضره، سواءٌ في هذه الحياة أو في حياة تالية، أو في وجودٍ له طبيعة متعالية عن هذه الدنيا.

***

(سألت هذا المخلوق الجائع في أعماقي

أي نهر تريد أن تعبر؟)  كبير

تتشبث بكل شيء، بالأشخاص والأشياء والأفكار، هذه مملكتك التي أنفقت عمرك لتأثيثها ولم تزل منشغلاً بمراكمة المزيد. من المفترض أن يمنحك هذا شعورًا بالأمان، أن يغذي شبحك الجائع، لكن أين هذا الأمان؟ من أين ينبع؟ أهو حقيقي؟ لكي يكون الكوب مفيدًا يجب أن يكون فارغًا، اليد الحرة هي التي يمكنها أن تصافح وأن تشير وأن تعمل. تريد أن تسيطر على كل شيء، تبذل جهدك لتكون الأمور تحت السيطرة وفي حدود رغباتك وإرادتك. وكلما ازداد إحكام قبضتنا سحقنا ما يقع في يدنا.

***

حينما أتى شاعر كونفوشي إلى أحد مُعلمي الزِن ليستفهم منه عن سر تعاليمه، استعار المعلم قولًا لكونفوشيوس في رده عليه: «هل تعتقد أنني أخفي أشياء عنك، آه يا تلميذي، ها أنا ذا أقول لك ليس لدي من شيء لأخفيه عنك». وبعد فترة قصيرة، اجتمع الإثنان من جديد في نزهة في الجبال، وإذ يعبران أجمة من الغار البري، التفت المعلم إليه وسأله: هل تشمها؟ فقال الشاعر: نعم، ليرد المعلم: هناك، ليس لديَّ من شيء لأخفيه عنكَ. ويقال إن الشاعر قد استنار عندئذٍ. 

وحسب آلان واتس في كتابه هذا: «إنَّ سِر الصعوبة الشديدة في فهم زِن يكمن في وضوحه الشديد، ونحن نفقده مرةً تلو الأخرى لأننا نبحث عن شيءٍ ما خفي ومحجوب، وبعينين مثبتتين على الأفق لن ترى ما هو أمام قدمينا». وردًا على سؤال: «ما هو التنور؟» أجاب أحد معلمي الزن: «أفكارك اليومية».  وقال آخر: «إن زن ببساطة أن تأكل عندما تجوع، وتنام عندما تتعب». والاقتباسات والنوادر المماثلة لهذا كثيرة ومحيرة، وقد يبدو في الظاهر أنها لا تكاد تقول شيئًا، والعِبرة في النهاية ليست في تلك الأقوال ذاتها بقدر ما هي في الخبرة المباشرة التي لا يمكن أن تُنقَل عبر نص أو حكاية من ألف صفحة وصفحة.

***

(ترك أحد الرهبان بيته لكنه ليس على الطريق وهناك آخرون لم يغادروا بيوتهم قط، ولكنهم على الطريق). 

***

على المستوى العقائدي – في سياق الديانات الشرقية الكبرى مثل البوذية – يُعد زِن محطم أصنام وأيقونات، طاقة تدنيس تهزأ بالمدارس الفكرية الكبيرة وتشيح بوجهها في اشمئزاز عن متاهة المجادلات اللاهوتية، فمعلمو زِن لا يتورطون بالمرة في الصراع الكبير بين مدرستي البوذية الكبريين الأساسيتين، الماهايانا (العربة الكُبرى)، والهينايانا (العربة الصغرى)، في اختلافاتهما العديدة والأساسية حول طبيعة الذات، وهل هي مجرد خواء ووهم متغير أم لها جوهر ثابت هو ما يبقى عبر تناسخات كل كائن؟ لدى زِن كل ذلك يبدو أقرب إلى ألعاب ذهنية، وسائل تسلية أو تفاخر وتضخيم لتضليل الذات عن الحقائق البسيطة والواقع المباشِر.

يكشف زِن ببساطة (وفي تهتك تقريبًا) أقنعة اللاهوتيين الجادة وشعورهم بجلال الذات وضخامتها عبر تلك الألعاب الذهنية التي تضع – في عُرف زِن – حواجز وأسوارًا تحول دون الإنسان والتعاطي المباشر والبسيط مع الواقع كما هو، بلا زينات أو زخارف أو أطر عقلية مدمرة، تفصل الذات عن الموضوع وترسم الحدود بين إنسان وآخر، أي أنها تؤسس لكل صراع بين الإنسان ونفسه وبينه وبين سائر الموجودات. زِن هجمةٌ ضاحكة ومتواصلة ومتجددة على تلك الحدود الوهمية.

***

(سنوات وأنا أفتش عند حافة الجبل، والآن ضحكة عظيمة عند سفح البحيرة.)

***

في زِن، تبدو الحياة بكاملها مثل عمل فني يتلقاه الإنسان ويبدعه في اللحظة ذاتها. لكنه على عكس الفنون المتعارف عليها لا يحاول تأبيد تثبيت الحاضر والواقع بالكلمة أو بالتشكيل البصري أو الموسيقى، بل يتم يتم إنتاجهما واستهلاكهما في اللحظة نفسها دون تشبث ودون محاولة لتقييد الرياح في قارورة الفن. من ناحية أخرى ثمَّة طرافة وروح دعابة نادرة تكتنف تجربة زِن على العموم، كوميديا تكاد تتسم بالقسوة وجمود القلب أحيانًا، في تعاليها الرهيب على جميع مظاهر التجربة الإنسانية حبيسة الأقطاب المتعارضة من خير وشر وحب وكراهية، إلى آخره. 

هل يعني هذا انعدام المسؤولية الأخلاقية لدى راهب زن؟ هل يعني هذا أن يغسل المنتمي لهذا المذهب يديه من شقاء البشر وبؤسهم، موليًا ظهره لهم، مكتفيًا بتخليص نفسه مِن أوهام وضلالات العقل والعلائق؟ يشير آلان واتس في كتابه إلى هذه النقطة بكل وضوح، وما ينطوي عليه مبدأ (قبول كل الأشياء، الجيدة منها والسيئة) إذ يمكن من خلاله تبرير أبشع أنواع الشرور والعنف، ويمكن لشخص سيء أو مريد غير ناضج أن يتخذ مذهب زن ذريعة للتحلل من المسؤولية بل والمشاركة في الأذى ولو بالصمت والتجاهل. غير أنَّ النظام الرهباني الصارم – بل والذي قد يتسم بالقسوة في بعض الأحيان – لا يدع مجالًا لهذا الخلط، ويتجلَّى الحل العملي في ألَّا يسلك أي إنسان طريق زن (قبل أن يكون قد كيَّف نفسه وِفق نظام أخلاقي شامل). 

كيف تتولَّد تلك الطاقة الهائلة والانغماس التام في الواقع الراهن ومعانقته بلا تشبث من غير أن ينحدر صاحبها (راهب زن مثلًا) في هوة الجنون ويصير أقرب إلى عبيط القرية؟ الإجابة باختصار هي الانضباط الذاتي أو لنقل ضبط الذات، وهو ما لا يقتصر على ترويض العقل والنَفس، بل بالأساس الالتزام الطوعي بالنظام الصارم وإتباع الفضيلة بمعناها الشامل على الأقل في البوذية. (لذلك أصرَّ معلمو زِن دومًا على التدريب الشديد كتمهيد لممارسة زن. ويُشَار لهذا التدريب بشكل فاتن بـ «النضوج الطويل للرحم المقدَّس»، ولا يُحصَى عدد القصص التي تحكي عن النظام الذي فرضه المعلّمون على أنفسم في المراحل الأولى من تطورهم، وكيف حققوا التحكم التام بأفكارهم وانفعالاتهم، وكيف قووا صلابتهم في مواجهة الصقيع والثلج في أديرة منهارة «لا سقوف لها وتتلألأ النجوم فيها في الليل».)  

***

في خاتمته للكتاب يعود آلان واتس للتشديد على الفكرة المركزية وهي أنَّ «زِن تماسٌ مباشر مع الحياة، وجَمعٌ للذَات والحياة في تناغم ووحدة وثيقة، بحيث يُنسَى كل تمييز ويتم تجنب كل رغبة بالامتلاك، إذ لا وجود لمن يمتلك، ولا وجود لما يمكن امتلاكه…» 

***

(هكذا يجب أن تتأمل هذا العالم العابر

نجم في الفجر، فقاعة في جدول

وميض برق في سحابة صيف

ضوء قنديل متراقص

شبحٌ، وحلم.)

السوترا الماسية 

* من أغنية أم كلثوم (الأطلال)، كلمات الشاعر إبراهيم ناجي. 

اعلان
 
 
محمد عبد النبي