حوار| المشرفة على بحث الدخل والإنفاق: «برنامج الإصلاح» مسؤول عن زيادة معدلات الفقر. البطالة تراجعت والتشغيل أيضًا
 
 
هبة الليثي
 

الارتفاع الكبير الذي حدث في نسبة الفقراء في مصر جاء نتيجة لبرنامج «الإصلاح الاقتصادي» الذي طبقته الحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية، لكن إضافة ما يقرب من 4.7% من السكان إلى المصريين الواقعين تحت خط الفقر لم يكن حتميًا، وتراجع مستوى المعيشة لم يكن ليصبح بهذا السوء لو أن الحكومة اتخذت مسارًا آخر يسمح بتعويض الناس عن تخفيضها للإنفاق خاصة على دعم الطاقة، هذا ما وضحته هبة الليثي، المشرفة على بحث الدخل والإنفاق في مقابلة مع «مدى مصر».

أما البيانات الحكومية حول تراجع معدل البطالة، التي تستشهد بها الحكومة على نجاح برنامجها الاقتصادي، فإنها لا تعني زيادة الوظائف المتاحة في الاقتصاد، بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين، وإنما تعود في جانب منها إلى تراجع عدد الباحثين عن الوظائف نتيجة اليأس من الحصول على فرصة، كما توضح الليثي.

وبحسب نتائج بحث الدخل والإنفاق، التي تم إعلانها الأسبوع الماضي، ارتفعت نسبة الفقراء في مصر إلى 32.5% من السكان خلال عامي 2017 و2018، مقابل 27.8% في عام 2015 وفقًا لمقياس الفقر القومي، والذي يشير إلى عدم القدرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية من الطعام والمسكن والملابس وخدمات التعليم والصحة والمواصلات، والتي تستلزم إنفاقًا شهريًا يبلغ 735.6 جنيه على الأقل للفرد حسب نتائج البحث. 

ويرجح أن تكون نتائج البحث تلك هي السبب في تأخر صدوره، بالرغم من أن «الرئيس السيسي اطلع على نتائج البحث في فبراير … وتقبل نتائجه معتبرًا أنها نتائج طبيعية للإصلاح»، كما تقول الليثي، تعليقًا على تأخر إعلان النتائج التي كانت الحكومة قد التزمت بإعلانها في فبراير الماضي.

لكن قد يكون هناك «من الأجهزة السيادية أو غيرها أو من المحيطين بالرئيس من أبدى تخوفه من تداعيات إعلان نتائج البحث»، كما تقول الليثي، وهي أستاذة إحصاء في جامعة القاهرة، نافية تعرضها لأي ضغوط لتعديل النتائج، موضحة أن «طُلب مني ضمنيًا من قِبل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عدم الإدلاء بتصريحات حول النتائج التي توصل لها البحث قبل إصداره رسميًا، كما قيل لي أن إصداره سيتأجل إلى ما بعد التعديلات الدستورية». 

وشهدت الفترة من 1999/2000 وحتى 2017/2018 تضاعف نسبة الفقراء إلى إجمالي السكان كما يتضح من الشكل التالي، الذي يُظهر كذلك أن ارتفاع نسبة الفقراء ظل متواصلًا طوال الفترة ولم يشهد أي تراجع. ومع ذلك، فالارتفاع الأخير الذي كشف عنه بحث الدخل والإنفاق الأخير يمثل أعلى ارتفاع لمعدل الفقر منذ عام 2000.

– - المصدر: بحث الدخل والإنفاق 2017/2018

ويأتي ارتفاع معدل الفقر القومي بهذه النسبة نتيجة لعدة إجراءات «على رأسها تحرير سعر الجنيه وخفض دعم الطاقة والكهرباء وتطبيق ضريبة القيمة المضافة»، تبعًا لليثي، التي أوضحت أن تداعيات تلك القرارات شملت رفع معدل التضخم على نحو تراكمي خلال الفترة بين 2015 و2018 بنسبة تصل إلى 60%، وفي المقابل «لا يوجد ما يدل على أن أي من شرائح العينة التي شملها البحث قد تمكنت من رفع دخولها خلال الفترة نفسها بنفس النسبة باستثناءات قليلة»، حسبما أضافت.

و«أدت هذه الفجوة بين التضخم والدخول إلى تراجع متوسط الاستهلاك الفعلي للأسرة بالأسعار الثابتة (التي تستبعد أثر التضخم) بنسبة 9.7%»، تبعًا لليثي. ويأتي هذا التراجع  بالرغم من ارتفاع هذا المتوسط بالأسعار الجارية من 36.7 ألف جنيه سنويًا في 2015 إلى 52.6 ألف جنيه في 2017/2018، بنسبة 43.6%. 

«وتأتي أهمية المقارنة بين ارتفاع الاستهلاك الفعلي بالأسعار الجارية وانخفاضه بالأسعار الثابتة لتوضيح حجم تأُثير ارتفاع الأسعار على مستوى استهلاك الأسرة»، وفقًا لليثي.

ويمثل الاستهلاك الفعلي السنوي للأسرة، وفقًا لبحث الدخل والإنفاق «مجموع قيم الإنفاق الاستهلاكي للأسرة، بالإضافة إلى قيمة السلع والخدمات التي حصلت عليها الأسرة أو استخدمتها عن طريق التحويلات العينية والدعم».  

وأقدمت الحكومة، ضمن خطة «الإصلاح الاقتصادي» المرتبطة بالاتفاق مع صندوق النقد، على تنفيذ عدد من الإجراءات التضخمية على رأسها قرار تحرير سعر الجنيه في نوفمبر من عام 2016، بعد عدة أشهر من تمرير قانون الضريبة على القيمة المضافة الذي رفع الضريبة على الاستهلاك من 10% إلى 13% في منتصف عام 2016 ثم إلى 14% في منتصف عام 2017.

وفضلًا عن ذلك، فقد واصلت الحكومة سياستها المعلنة مطلع عام 2014/2015  بتخفيض دعم المواد البترولية والكهرباء، ورفعت بالفعل أسعار الطاقة عدة مرات، كان آخرها في يوليو الماضي. وفي المقابل، كانت الحكومة قد قررت تبني سياسة الحد من نمو الأجور الحكومية عبر تمرير قانون الخدمة المدنية في عام 2015، وهي سياسة مهدت أيضًا لتوقيع اتفاق الاقتراض من صندوق النقد الدولي. 

و«من المهم هنا أن نلاحظ أن سياسات الدعم بصورة خاصة حملت تأثيرًا واضحًا على نسبة الفقر المدقع»، كما تقول هبة الليثي.

وكان بحث الدخل والإنفاق قد أظهر ارتفاع نسبة الفقر المدقع في الفترة من 2015 وحتى 2017/2018 من 5.3% إلى 6.2% من السكان. وتمثل نسبة الفقر المدقع الفقراء الذين لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم من الغذاء، وهم من يقل إنفاقهم الشهري عن 490.8 جنيه للفرد، حسب البحث الأخير. 

وأوضحت هبة الليثي أن «الفقر المدقع ليس مرتبطًا فقط بالسياسات المتعلقة بالغذاء بصورة مباشرة كدعم المواد التموينية، وإن كان هذا النمط من الدعم منع ارتفاع معدل الفقر إلى مستوى أعلى مما وصل إليه، لكن السياسات المؤثرة أيضًا في أسعار الغذاء تمتد لتشمل بصورة غير مباشرة دعم الطاقة … فتراجع دعم المواد البترولية ورفع أسعار الطاقة حملا تأثيرًا واضحًا على أسعار الغذاء بسبب ارتفاع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج بصورة عامة، وهو ما ساهم بوضوح في ارتفاع نسبة الفقر المدقع».

وأضافت الليثي أنه «من غير الصحيح ما يقال عن أن دعم الطاقة يمثل دعمًا مهدرًا أو يستفيد منه الأغنياء في المقام الأول، فالفقراء لا يمتلكون سيارات، لكنهم يعانون من ارتفاع تكلفة النقل الجماعي ويعانون من الآثار غير المباشرة لارتفاع أسعار الطاقة بالذات على الغذاء … وكذلك الأمر بالنسبة لدعم الكهرباء، فبالرغم من استمرار الدعم الموجه لبعض الشرائح إلا أن تأثير رفع أسعار الكهرباء على المنشآت التجارية يتضح في ارتفاع الأسعار في الأسواق وهو ما يؤثر بشدة على الفقراء». 

ويتضح من الشكل التالي ارتفاع نسبة الفقر المدقع إلى أعلى مستوى له خلال الفترة ما بين 1999/2000 و2017/2018. 

المصدر: بحث الدخل والإنفاق 2017/2018

 وترى الليثي أن «برنامج الإصلاح»، والذي يُقصد به برنامج تشديد السياسات المالية، المتبع منذ عام 2014/2015، والذي شمل تخفيض دعم الطاقة، كان من الممكن ألا يتسبب في رفع معدلات الفقر إلى هذه الدرجة في حال واكبته سياسات تعويضية كافية عن تخفيض هذا الدعم بصورة خاصة، «لكن ما حدث هو أن تخفيض دعم الطاقة لم ينعكس في صورة وفورات موجهة للإنفاق على الصحة والتعليم مثلًا … فمن المهم هنا أن نذكر أن سياسات مواجهة الفقر لا تشمل فقط رفع الدخول أو تخفيض الأسعار، وإنما أيضًا إتاحة الخدمات العامة الأساسية بأسعار مخفضة أو مجانية وبجودة عالية على نحو لا يضطر الجمهور للبحث عن بدائل والإنفاق عليها، وعلى نحو يسمح بتحرير موارد الناس بعض الشيء وإتاحتها لأنماط أخرى من الإنفاق».

وترى الليثي أن السياسات التعويضية عن «الإصلاح المالي» بصورة عامة اقتصرت على برنامجي تكافل وكرامة للدعم النقدي، «لكنها غير كافية ولا تغطي إلا نسبة قليلة من الفقراء … المشكلة الحقيقية هي أن الحجم الأكبر من الوفورات المالية من خفض دعم الطاقة وجهت لخفض عجز الموازنة، في حين كان ينبغي توجيه 50% على الأقل لتعويض الناس عن هذا الخفض». 

وبالرغم من ارتفاع معدل الفقر إلى هذا المستوى القياسي إلا أن مستويات اللامساواة لم تزدد سوءًا كما يتضح من «قياس التجانس في مستويات الإنفاق في مصر»، وفقًا لبحث الدخل والإنفاق. فقد تراجع مؤشر معامل جيني من 0.30 عام 2015 إلى 0.29 في 2017/2018. 

ومعامل جيني هو مؤشر يعبر عن عدالة توزيع الإنفاق الاستهلاكي الكلي للسكان، وكلما اقترب معامل جيني من الصفر كلما دل ذلك على تجانس مستويات الإنفاق والاستهلاك وكلما اقترب من الواحد الصحيح كلما دل ذلك على التفاوت الكبير في مستويات الإنفاق والاستهلاك. 

وتقول الليثي إن ثبات معامل جيني عند هذا المستوى يعود إلى أن الضغوط الاقتصادية تسببت في تراجع عام في مستويات الاستهلاك الفعلي أثر على معظم  شرائح العينة في وقت واحد، «لكن مع ذلك، فمعامل جيني قدرته محدودة على قياس اللامساواة بين أطراف الشرائح، أي أعلى الشرائح وأدناها»، حسبما أضافت. 

وفي هذا السياق يوضح مقال منشور في مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي أن قياس اللامساواة بالتركيز على نصيب شريحة أعلى 1% من أصحاب الدخول قد يكون أكثر جدوى، بينما يكتفى بحث الدخل والإنفاق بقياس أعلى 10% دخلًا من السكان، في إطار تقسيمه للمجتمع لشرائح عشرية.

ويلاحظ أن اللامساواة -وفقًا لنتائج معامل جيني في مصر- تبدو أعلى في الحضر عن الريف، كما يظهر في نتائج بحث الدخل والإنفاق، إذ سجل المؤشر 0.32 في الحضر مقابل 0.25 في الريف، «وهو أمر يرجع في الأساس إلى ميل أصحاب الثروات أو الدخول الأعلى للانتقال من الريف إلى المدينة بما يقلل من التفاوت في الريف عمومًا»، حسبما توضح الليثي. 

البطالة والفقر.. الأرقام خادعة

لم يرتبط ارتفاع معدل الفقر بزيادة معدلات البطالة، بل على العكس فقد شهدت الفترة من 2015 إلى 2018 تراجع البطالة من 12.8% إلى 9.9%، «لكن تراجع معدل البطالة في حد ذاته ليس سببًا كافيًا لتحسن مستوى المعيشة أو تراجع الفقر»، وفقًا لهبة الليثي، التي ترى في المقابل أن «الفيصل هو نوعية العمل وظروفه».

وأوضحت الليثي أنه «على سبيل المثال فمن يعمل ساعة واحدة أسبوعيًا لا يعد عاطلًا وفقًا لتعريف البطالة، لكن أي دخل من الممكن أن يتيحه عمل من هذا النوع … المشكلة الحقيقية هي العمل غير الكافي وغير اللائق الذي يتيح أجورًا أقل مما يستحق الفرد ولا تتناسب مع مؤهلاته، ولأوقات قليلة متقطعة، وهو نمط من العمل يرتبط أكثر بالعمل غير المنتظم والعمل في القطاع الخاص خارج المنشآت، وفقا لتصنيف بحث الدخل والإنفاق». 

ويوضح الشكل التالي تطور توزيع الفقراء وغير الفقراء، وفقًا لمدى الاستقرار في العمل، ويظهر من الشكل نفسه زيادة تركز الفقراء في الأعمال المؤقتة.

– - المصدر: بحث الدخل والإنفاق 2017/2018

كما أوضح بحث الدخل والإنفاق، ارتفاع نسبة الفقراء من العاملين خارج المنشآت في 2017/2018 إلى 43.1% مقابل 42% عام 2015.

والعاملون خارج المنشآت هم الذين لا تربطهم بصاحب العمل رابطة تعاقد تشمل تعهد صاحب العمل بدفع أجر مقابل تعهدهم بالعمل. 

كما زادت نسبة الفقراء من العاملين في القطاع الخاص داخل المنشآت إلى 28.5% في عامي البحث مقابل 23.6% عام 2015، لكنها ارتفعت بدرجة أكبر بين العاملين في القطاع الحكومي والعام لتصل إلى 19% في البحث الأخير مقابل 12.8% عام 2015.

وتحمل بيانات البطالة بعض النتائج الملفتة للنظر، ففي حين واصل معدل البطالة الانخفاض من 13.2% في عام 2013 إلى 9.9% في عام 2018، واصل في المقابل معدل التشغيل الانخفاض أيضًا من 44.5% إلى 39% خلال نفس الفترة.

ويمثل معدل البطالة عدد الأفراد الذين يتجاوز عمرهم 15 سنة ويقدرون على العمل ويرغبون فيه ويبحثون عنه ولكنهم لا يجدونه، ونسبة هؤلاء من قوة العمل، في حين يمثل معدل التشغيل عدد الأفراد الذي يزاولون عملًا لمدة ساعة على الأقل أسبوعيًا كنسبة لعدد السكان الذين يتجاوز عمرهم 15 سنة، وبالتالي يتضح من البيانات السابقة أن انخفاض البطالة جاء بسبب انخفاض حجم قوة العمل لا بسبب زيادة الوظائف المتاحة.

وانخفض عدد المتعطلين عن العمل بنسبة  تتخطى 17% في العام 2018 ليبلغ عددهم 2.8 مليون، بانخفاض نحو 600 ألف عاطل، لكن عدد المشتغلين بقى ثابتًا عند مستوى 26 مليون نسمة، تبعًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وبالتالي فهذا العدد لم ينتقل لخانة المشتغلين، وهو ما قد يشير إلى خروج 600 ألف من قوة العمل أصلًا بسبب توقفهم عن البحث عن عمل. وقوة العمل هي إجمالي السكان القادرين على العمل ويرغبون فيه سواءً كانوا مشتغلين بالفعل أو عاطلين يبحثون عن عمل. 

و«يرجع الخروج من قوة العمل أو توقف الناس عن البحث عن وظائف إلى عدة أسباب من أكثرها شيوعًا هو اليأس من الحصول على عمل أصلًا»، حسبما أوضحت الليثي. 

وخلال الفترة بين سبتمبر 2016 وحتى مارس 2019، انخفضت المشاركة في قوة العمل بشكل متصل من 46.4% إلى 41.6% كنسبة إلى إجمالي عدد السكان، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. 

اعلان
 
 
بيسان كساب