85 مليونًا لأجل ماجواير.. لأن الفقراء أيضًا جزء من النظام

«ليستر سيتي لن يتعاقد مع نيثان آكي هذا الصيف. بورنماوث يقدر قيمة اللاعب بأكثر من 75 مليون باوند [جنيه إسترليني]. المدافع الهولندي ذي الـ24 عامًا لعب لمنتخب بلاده عشر مرات ومتبقٍ في عقده ثلاث سنوات كاملة، وإدي هاو مدرب بورنماوث يعتبره من نفس فئة ماجواير». –«سكاي سبورتس» بتاريخ 5 أغسطس. 

جئت وأعلم من أين

هذه العبارة لن تقرأها إلا في إنجلترا، وهذه مشكلة ضخمة، لأن السبب هذه المرة ليس المبالغات المعتادة في أسعار المواهب الشابة أو قيمتهم الفنية. صحيح أن هذا المرض ينتشر بسرعة قياسية في الدول المجاورة ولكنه إن توافر في حالة ماجواير فهو ليس كذلك في حالة آكي. السبب الحقيقي هو أن أندية إنجلترا تعاني من تخمة مالية حقيقية لا يحتاجون معها لبيع لاعبيهم، وهذا يتضمن الأندية الفقيرة بالتعبير الدارج.

لماذا؟ طبعًا الفوارق الضخمة في عقود البث بين البريميرليج وغيره هي عامل مهم للغاية ولكنه ليس الوحيد. في الواقع، أموال البث الطائلة ما هي إلا عَرَض لظاهرة أكبر بكثير وصفتها مؤسسة «Nielsen Sports» المتخصصة في التسويق الرياضي بـ «درجة الاهتمام بكرة القدم».

طبقًا لمعلوماتهم فإن هناك معيارين رئيسيين لتحديد جودة السوق/الدولة من حيث القابلية للاستثمار في كرة القدم؛ أولهما هو الاهتمام «Interest»، والثاني هو درجة المشاركة «Participation»، والفارق بينهما أن خمسة أفراد تقريبًا من كل عشرة يعيشون على سطح الكوكب مهتمين بكرة القدم، ولكن اثنين فقط يشاركان بشكل فعلي من خلال الممارسة أو حضور المباريات أو المشاهدة أو غيرها من النشاطات الاقتصادية مدفوعة الأجر، بحسب الإحصائية التي تتصدرها الدول كثيفة السكان، وخاصة الإفريقية.

طبعًا لقد خمنت ما سنقوله الآن؛ على الرغم من تصدر إسبانيا أوروبيًا في نسبة الاهتمام باللعبة، إلا أن إنجلترا تكتسح بنسبة خزعبلية في ما يخص المشاركة بـ33% من عدد السكان، وهي النسبة الأعلى بين دول العالم الأول عمومًا، وبفارق ضخم عن أقرب دولة أوروبية؛ إيطاليا بـ25%، وإن أردت استكمال ترتيب دوريات أوروبا الخمس الكبرى فإن المركز الثالث سيكون مناصفة بين إسبانيا وألمانيا بـ18% وأخيرًا فرنسا بـ13%.

ترتيب دول العالم من حيث الاهتمام بكرة القدم والمشاركة فيها – Repucam Sports DNA :المصدر

هذا لا ينعكس فقط على قيمة حقوق البث، ولكن إن أضفت له حقيقة أن إنجلترا تملك ثاني أعلى تعداد سكاني وثاني أعلى متوسط دخل بين الخمسة الكبار في كرة أوروبا بعد ألمانيا، فستكتشف أن ما يجنيه الإنجليز من تذاكر المباريات يفوق الباقين بسنين ضوئية كمًا وكيفًا.

على سبيل المثال، أنتجت النيويورك تايمز تقريرًا مصورًا بعنوان «لعبة غير عادلة – Unfair Game»، كان يتحدث عن عقد البث الجديد الذي وقعته أندية البريميرليج، وبحِسبة نظرية استنتج التقرير أن متوسط سعر التذكرة في إنجلترا قابل للتخفيض للنصف تقريبًا دون أن تتأثر أرباح الأندية، بل في الواقع ستزداد أرباحها بحوالي نصف مليار باوند عن العقد السابق.

حاول أن تتخيل الأمر؛ النصف تقريبًا! ورغم ذلك سيرتفع مقابل البث الذي يحصل عليه كل نادي من الـ20 بمقدار 20-25 مليون باوند! ثم دعنا نخبرك أن تقرير «نيويورك تايمز» صدر في ديسمبر 2013، وعقد البث الـ«جديد» الذي تتحدث عنه النيويورك تايمز كان يبلغ 3.1 مليار باوند سنويًا، بينما تبلغ قيمة العقد الحالي 5.7 مليار باوند تقريبًا. امزج كل هذا معًا تخرج بحقيقة مرعبة مفادها أن الإنجليز قادرون على شراء تذاكر المباريات بأسعار أكبر بكثير من قيمتها الحقيقية، وحتى لو استمر الوضع لعدة سنوات.

واقع مجنون جدًا 

طبعًا عندما تبدأ الأندية في دفع 80 و100 و200 مليون للحصول على عقد لاعب واحد، ناهيك عن راتبه ومكافآته وحوافزه، فإن هذه الأموال لا تأتي من العدم. في إسبانيا يحصل ريال مدريد وبرشلونة على حصة الأسد من حقوق البث، وفي فرنسا يأتي تمويل باريس من قطر رأسًا، أما في إنجلترا فأموال آكي وماجواير وغيرهم تستخرج من جيوب الإنجليز بدرجة غير مسبوقة من الجشع، ولكنه جشع مهذب يعامل الأندية كلها بالتساوي.

لماذا نحن هنا؟ لأن أحدهم قرر أن يضاعف الرقم القياسي المسجل لأغلى لاعب في العالم، وهذه لحظة فارقة طبعًا لأن المرة الوحيدة التي تكرر فيها الأمر كانت في 1903 عندما ارتفع ثمن أغلى لاعب في العالم من 100 باوند إلى 500، ولكن حتى قبل تلك اللحظة كان الرقم القياسي في ازدياد مستمر مع كل صفقة جديدة، والأندية الصغيرة لم تكن تملك سوى مجاراة الأسعار أو الانسحاب من اللعبة، إما الواقعية أو الانتحار.

مشكلة الواقعية أنها أقصر طريق نحو الانحلال؛ دائمًا هناك واقع جديد، ودائمًا هناك ثري يحاول إثبات وجوده، ودائمًا هناك نجم تريده الجماهير بجنون، وبالتبعية، دائمًا هناك رقم قياسي جديد سيُكسر على يد أيٍ منهم. الجديد هذه المرة أن الفقراء، مثل «ليستر»، لم يكتفوا بالتأقلم مع الواقع بل أصبحوا يفرضون آخر جديد أكثر توحشًا، وبذات الجشع وذات الاعتماد على جيوب الإنجليز. الجديد أننا لم نلحظ أبدًا أن هناك دائمًا المزيد من الانتهازية التي تنقل اللعبة لمستوى أدنى.

فان دايك كان أغلى مدافع في التاريخ والأفضل بين أقرانه حاليًا. هذا هو الواقع، والتعامل معه يعني أن يتم تقييم لاعب مثل ماجواير من نفس المنظور، وإن أردنا تبسيط العملية، ففي حالة تشابه باقي العوامل في الصفقة، مثل السنوات المتبقية في عقد اللاعب وعمره.. إلخ، فإنه من الـ«واقعي» ألا يتجاوز سعر ماجواير 50 مليونًا بأي حال من الأحوال، ولكن لسبب ما قرر «ليستر» تحويله إلى أغلى مدافع في التاريخ دون أن يملك ما يؤهله لذلك، حتى بمقاييس الواقع المشوه.

طبعًا يمكنك أن تعتبر هيرنانديز ولابورت وستونز وميندي وووكر ودي ليخت مقدمات لما حدث، وفي الواقع، كان من الممكن أن يكون هذا المقال عن أيٍ منهم دون أن نحتاج لتغيير الكثير، لأن الأمر ليس متعلقًا بـ«ليستر» وحده، بل بنمط سلوكي عام يمكنك التعرف عليه في «إيفرتون» أو «كريستال بالاس» أو «أياكس». الفقراء هم من يقودون التريند الجديد الآن ويفرضون أسعار السوق، والأمر لم يعد له علاقة بالواقعية والتعاطي مع المستجدات. الواقعية هي أن تُقيّم آكي بـ75 مليونًا بعد أن أصبح ماجواير بـ 85 مليونًا، الجنون هو أن تبيع ماجواير بـ 85 مليونًا رغم أن فان دايك بـ 75.

هذا هو ما يجعل التوقف ضروريًا عند هذه الصفقة تحديدًا؛ أولًا لأن الأمر الوحيد المبهر في إدارة إد وودورد لمانشستر يونايتد هو الجانب الاقتصادي، وكم الأموال التي أهدرها النادي في عهده، أو التي لم يعوض إهدارها بالأحرى، والتي لا تقارن بنظيرها في الكثير من أندية هذا المستوى. وثانيًا: ﻷنه، لسبب ما، امتنع عن المشاركة في سُعار المدافعين الحاصل في السنوات اﻷخيرة، رغم حاجته لمدافع واحد جيد على اﻷقل في تشكيلته، وهو تحديدًا ما حاول ليستر استغلاله ﻷقصى حد بعد أن كان سعر نفس اللاعب في الصيف الماضي 65 مليون باوند.

هل ما فعله «ليستر» مشين؟ هل يمكن تصنيفه كفعل غير أخلاقي حتى وإن كان «واقعيًا» بمنطق السوق؟ لماذا لا نسأل «ليستر» نفسه؟

نادي المبادئ

قبل قراءة السطور القادمة ننصح بارتداء واقي الضحك لأن الإجابة في ذات الخبر؛

«برندان رودجرز مدرب الثعالب مهتم بالتعاقد مع بديل لماجواير، ولكن النادي أوضح بشكل قاطع أنه لن يُحتجز كرهينة لاحتياجاته ولن يقبل الابتزاز في المفاوضات، والأهم أن الإدارة ليست متأكدة أصلًا من توافر الجودة الكافية في الخيارات المتاحة».

“Leicester boss Brendan Rodgers is eager to sign a replacement for Maguire, but Leicester have made it clear they will not be held to ransom, and they have concerns there is not enough value in the current market.”

تتابع «سكاي سبورتس»، مؤكدة عبر مصادرها أن الثعالب قد يذهبون للخيار الثاني، وهو تاركوفسكي الذي يستعد «بيرنلي» لبيعه مقابل «الثمن الصحيح»، وحتى هذا الثمن سيعني أن «ليستر» سيضطر لكسر رقمه الشخصي المسجل حتى اللحظة باسم يوري تيليمانس من موناكو مقابل 40 مليون باوند. انتهى الضحك.

الثمن الصحيح هنا طبعًا له معنى محدد؛ هو أي ثمن يتيح لـ«ليستر» بيع ماجواير بـ85 مليونًا ثم الحصول على لاعب بنفس الجودة تقريبًا ولكن بنصف السعر، أي أنه ثمن يتيح لـ«ليستر» ابتزاز مانشستر يونايتد أو غيره ولكن يمنع باقي الأندية من ابتزازه بالكيفية نفسها.

الجميع يعلم أن «ليستر» يملك 85 مليونًا في حسابه البنكي من حصيلة بيع لاعب واحد؛ مشهد نيمار يتكرر، والفهلوة هي العنوان الضخم الذي يجمع كل ما سبق، الجميع يراهن على أنه سيستطيع البيع بأعلى ثمن، والعكس عند الشراء، وبعد أن وضع «ليستر» علامة جديدة في تاريخ تطور أسعار اللاعبين أصبح يرفض الانصياع للواقع الجديد الذي فُرض معها، بل والأدهى أنه يعتبره ابتزازًا.

الأندية الكبيرة وأثرياء الخليج قد يكونوا هم من بدأ المتوالية الأخيرة بكل ما حملته معها من جنون، ومن العدل تحميلهم القدر الأكبر من المسؤولية في هذا السياق. لو لم يقرر «باريس» كسر عقد نيمار لما وصل كوتينيو لـ145 مليونًا ومبابي لـ135 وكل ما تم لاحقًا، ولكن من العدل أيضًا التأكيد على أن الجنون أصبح متبادلًا بين قمة الهرم وقاعدته، وأن الفقراء مثل «ليستر» وغيره لم يدخروا جهدًا في استغلال الوضع بأكبر قدر ممكن من الانتهازية.

واقع كرة القدم الحالي لا يفرضه سفه الأغنياء وحسب، بل جشع الفقراء كذلك، أو من كانوا فقراءً بالأحرى، وما فعله «ليستر» أقرب للمزايدة على الواقع منه للواقعية، والأغلب أن المتوالية لن تتوقف أبدًا لأن الجميع صار يشارك ولو بنسبة ضئيلة. حتى أندية كبيرة مثل «ليفربول» و«دورتموند»، بنت سمعتها على الكفاح في مواجهة كيانات اقتصادية أكبر منها، صارت تكرس الواقع نفسه وتزايد عليه أحيانًا، وتلعب لعبة غير عادلة مع الجماهير والإعلام والخصوم، تسمح لهم بتحقيق ربح يصل إلى 800% خلال عام واحد فقط في صفقة كديمبيليه، ثم الشكوى طيلة الموسم من جنون أسعار اللاعبين والعجز عن مجاراة الكبار، والتحجج بذات الواقع الذي ساهموا في صنعه عند كل خسارة.

الرؤوس ليست متساوية قطعًا، وبالطبع هناك من ساهم أكثر من غيره، ولكنها لم تعد معركة أخلاقية كما نُصر -كمشجعين- على تصويرها، فقط سباق كريه بين مجموعة من الانتهازيين يتعاطون المنشطات ويحاولون عرقلة بعضهم بعضًا.

اعلان