قراءة في الأرشيف: كيف أوشك «معهد الأورام» على الانهيار قبل تفجيره؟
 
 
22 وفاة و 49 مصاباً في انفجار عند المعهد القومي للاورام في وسط مدينة القاهرة ليلة يوم الاحد 4 أغسطس 2019. - صورة: محمد الراعي
 

اعتاد المارة بطريق الكورنيش المؤدي إلى المعادي رؤية عشرات المرضى المجتمعين أمام مبنى يحمل لافتة المعهد القومي للأورام. مشهد دائم لا يستوقف أحدًا بالضرورة، رغم كآبته، أو ربما بسبب كآبته، فيما يظهر المبنى الجنوبي للمعهد، المرتفع 13 طابقًا، في مدخل شارع قصر العيني مهجورًا وقد هُدمت بعض حوائطه لتخفيف الحمل عن الأعمدة التي قال تقرير فني سنة 2010 إنها تعرضت للتآكل بسبب أخطاء إنشائية.

تتطابق حالة مبنى المعهد مع وضعه كمؤسسة علاجية وبحثية، معرضًا للتآكل والانهيار غير أنه كان قائمًا حتى الآن، في حالة يتطابق فيها الواقع مع أكثر الصور البلاغية رداءة وتكرارًا: المبنى والمؤسسة كلاهما في وضع حرج. ولذلك، عندما تعرض المعهد للموجة الارتدادية الناتجة عن انفجار يوم الأحد 4 أغسطس بدى كل ذلك التوازن على حافة الانهيار.

قتل الانفجار 22 شخصًا وأصاب العشرات بحسب البيانات الرسمية، بعضهم ممن كانوا ينتظرون في منطقة الزوار المُظللة أمام المعهد، وترك الآلاف من المرضى قلقين من تأثر قدرة المعهد على تقديم العلاج لهم، خاصة مع التوقف المؤقت عن العمل في اليوم التالي للانفجار. لم يكن ممكنًا للمرضى التفكير في بدائل لو توقف المعهد عن العمل، حتى لو مؤقتًا.

تعهدت إدارة المعهد على الفور بعودته للعمل بطاقته الكاملة بعد انتهاء إجازة عيد الأضحى، مع استمرار العمل في العيادات الخارجية وبعض أقسام المعهد الداخلية.

ولكن كيف كان يعمل المعهد على أي حال؟ يجيب أرشيف الصحف: بنصف مبنى وربع ميزانية، لمدة عشر سنوات، في توازن حرج لا يحتمل أي خلل بين احتياجات الأعداد المتزايدة من المرضى، وقدرات المعهد التي تراجعت على مدار 50 عامًا.

يحفل أرشيف الصحف، خاصة في العشر سنوات الأخيرة، بالتقارير التي ترصد شكاوى المرضى المترددين على المعهد من الخدمة العلاجية، والروتين الحكومي، وتعطل الأجهزة، واضطرار بعضهم للسفر بشكل متكرر لتلقي العلاج في القاهرة بدلًا من محافظاتهم. غير أن الوضع لم يكن كذلك طوال الوقت.

فقبل 20 عامًا، نُشر مقال في صحيفة العربي المعارضة وقتها، يشير إلى عدد من المحطات في تاريخ المعهد منذ افتتاحه سنة 1969 كمؤسسة ليست فقط علاجية، وإنما معنية كذلك بالبحث العلمي. من بين هذه المحطات تنفيذ برنامج بحثي للكشف عن المواد المضادة للسرطان سنة 1971، واستخدام إبر الإيريديوم المُشع في علاج المرضى وإنشاء معمل للتشخيص الخلوي للأورام سنة 1973، وتنظيم مؤتمرات علمية وإصدار دورية أكاديمية متخصصة في علوم الأورام، وإجراء أول جراحة لزرع نخاع عظمي لعلاج مريض مُصاب بسرطان الدم الحاد سنة 1988. باختصار، كان المعهد يقوم بما هو مطلوب منه، رغم أن المعهد كان يستقبل في نفس عام نشر المقال نحو 120 ألف مريض سنويًا، بحسب ما قاله عميد المعهد وقتها شريف عمر.

حتى نهاية التسعينيات، كانت الأخبار المرتبطة بالمعهد تتضمن التعليق على أساليب علاجية مختلفة للأورام، أو المشاركة في تنظيم مؤتمرات علمية عن السرطان. لاحقًا، فيما توفر من أرشيف الصحف في العقدين التاليين، أصبحت التقارير الصحفية تتضمن أنواعًا مختلفة من الشكاوى من العلاج في المعهد.

ربما يجيب تقرير الأداء الذي أصدره المعهد سنة 2010 جزئيًا عن سؤال كيف كان يعمل المعهد في ذلك الوقت. يشير التقرير إلى أن المعهد كان يستقبل نحو 200 ألف مريض سنويًا في الفترة بين 2002 و2010، بمعدل 700 مريض يوميًا. وانقسم المرضى، في تلك الفترة، إلى نحو 20 ألف مريض جديد و185 ألف مريض متردد على المعهد بغرض المتابعة الدورية في السنة الواحدة. وتلقى نحو 10 آلاف شخص سنويًا العلاج في القسم الداخلي في المعهد. خلال هذه الفترة، وقدّم المعهد خدمة العلاج المجاني لنحو 82% من المرضى، فيما غطت برامج التأمين الصحي الخاصة تكلفة علاج الـ18% الباقية.

في تلك الفترة كانت ميزانية المعهد التي يحصل عليها من الدولة لا تتجاوز 40 مليون جنيه، ولا تكفي أكثر من 30% من مصاريفه، بينما يحصل المعهد على تبرعات بقيمة تتراوح بين 35 و40 مليون جنيه أخرى، ويغطي باقي مصاريفه من عائدات القسم الاقتصادي (غير المجاني)، بحسب تصريحات في سنة 2012 لعميد المعهد علاء حداد، الذي أضاف أن تكلفة علاج مريض سرطان الصدر تصل إلى 120 ألف جنيه في السنة، بينما تتراوح تكلفة علاج مريض سرطان الدم من 50 إلى 100 ألف جنيه في الشهر الواحد.

تضاعُف عدد المرضى تقريبًا بين عامي 1999 و2010 وضع المعهد بموارده المحدودة في وضع عسير، إلا أن اكتشاف وجود عيوب إنشائية مُهددة للمبنى الجنوبي للمعهد، زاد الأمر سوءًا ودفع التوازن الهش إلى نقطة شديدة الحرج.

ففي يناير 2010، أشار تقرير من لجنة هندسية مُكلّفة بفحص المبنى الجنوبي لمعهد الأورام إلى وجود تآكل في الأعمدة، رغم مرور 20 عامًا فقط على إنشائه، وأوصى التقرير بضرورة إخلائه. أُخلي المبنى الجنوبي من المرضى والعاملين والمعدات الطبية، مما جعل المعهد يفقد نصف طاقته. كان المعهد يضم 600 سرير، وانخفضت تلك السعة إلى 315 سريرًا بداية من شهر يوليو 2010 بحسب التقرير الصادر عن المعهد في تلك السنة.

كان المبنى يتكون من طابقين بهما عشر عيادات خارجية، وطابق لعيادات المتابعة، وطابقين لعمليات زرع النخاع، وطابقين لإقامة المرضى المحجوزين في المستشفى، وست غرف عمليات أخرى. توقف كل ذلك عن العمل مع إخلاء المبنى.

خلال السنوات التالية لأزمة إخلاء المبنى الجنوبي، اتخذ المعهد بعض الإجراءات لمواجهة الأزمة مثل نقل جزء من قوة عمله لمستشفى في التجمع الأول، خصصته له وزارة الصحة، والذي تحول لاحقًا لمركز لعلاج سرطان الثدي بين عامي 2012 و2013. ونقل بعض المرضى إلى مستشفيات أخرى مثل مركز أورام دار السلام (هرمل سابقًا)، بالإضافة إلى إعادة بناء العيادات الخارجية سنة 2015، بأموال التبرعات، في حديقة تابعة لحي السيدة زينب أمام المبنى الجنوبي. بالإضافة إلى استمرار مبنى المعهد الشمالي في العمل. وبدأت حملة لجمع التبرعات منذ عام 2010 لبناء مستشفى جديد يحمل اسم «500500» في الشيخ زايد، وهو المستشفى الذي لم ينته بناؤه بعد. فيما أُتخذ قرار بترميم المبنى الجنوبي، وهو الأمر الذي لم ينته أيضًا حتى الآن، بينما يقول مدير عام مستشفيات المعهد إيهاب محمد خليل إن المستشفى الجديد في الشيخ زايد سيجري افتتاحه في عام 2020، وأن ترميم المبنى الجنوبي سينتهي عقب عامين بعد منحة قدمها حاكم إمارة الشارقة في الإمارات سلطان القاسمي.

الإجراءات السابقة نجحت نوعًا ما في إبقاء المعهد قائمًا في توازنه الحرج، إلا أنها لم تعالج المشكلات بشكل نهائي. ففي النهاية تبلغ طاقة مستشفى التجمع الأول 68 سريرًا في الأقسام الداخلية، وغرفتي عمليات، وخمس عيادات خارجية، وثلاث أسرّة للرعاية المركزة، بحسب موقع المعهد القومي للأورام. ومع انخفاض قدرة المعهد إلى النصف وارتفاع عدد المرضى من 200 إلى نحو 250 ألف سنويًا في السنوات الأخيرة، زادت فترات انتظار المرضى للكشف أو إجراء الفحوصات أو تلقى العلاج أو إجراء العمليات.

المشكلة الأخرى، أن الميزانية الحكومية مازالت محدودة، والاعتماد على المنح غير مُستدام، حتى إن جاءت من حاكم إمارة الشارقة. يقول العميد السابق للمعهد محمد لطيف إن المعهد يستقبل ثلاثة أضعاف طاقته من المرضى، بينما يحتاج إلى 150 مليون جنيه إضافية لميزانيته التي تبلغ 50 مليون جنيه فقط. غير أنه من غير المتوقع أن يُلبى طلب عميد المعهد السابق، خاصة مع تراجع الإنفاق الحقيقي على الصحة والتعليم قياسًا بالتضخم للمرة الثالثة على التوالي في الموازنة العامة للدولة ضمن البرنامج التقشفي الذي اتبعته الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية. ليستمر ذلك التوازن هشًا، ودائمًا على حافة الانهيار، حتى لو لم يتعرض «معهد الأورام» للتفجير.

اعلان