مراجعات السجون.. السلطة والجماعات ودوامة الدم (2-2)

«مسوغات وجود».. بهذا التعبير وصف قيادي سابق بجماعة الإخوان المسلمين العلاقة بين الأنظمة القمعية وجماعات العنف الأصولي، «لا السلطة المستبدة ترغب في تفكيك منظومة الأفكار التي تؤدي إلى التطرف، ولا جماعات التطرف تستطيع أن تتمدد في كنف أنظمة ديمقراطية، فالأولى تستمد شرعية بقائها بدعوى محاربتها للإرهاب، والثانية تتصادم ثوابتها وأدبياتها مع أفكار التعددية والحرية وقبول الآخر».

منذ أن تأسست جماعات الإسلام السياسي الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، تأرجحت العلاقة بين طرفي المعادلة؛ «الاستبداد» و«التطرف»، من الصراع إلى المهادنة، ومن العنف إلى التفاوض. حرص كل طرف على استخدام الآخر في تسويق نفسه، لعب الطرفان على مشاعر البسطاء، رفعوا شعارات الحرية والاستقلال الوطني والانحياز للبسطاء، حتى أدركت الشعوب بحكم التجارب كذب الطرفين.

يعتقد البعض، وكاتب هذه السطور منهم، أن أيًا من طرفي الصراع لا يرغب في إزاحة الآخر، فالسلطة الحالية في مصر لم تكن يومًا جادة في مواجهتها للأفكار المتطرفة، ولا جماعات التطرف الديني حريصة على مراجعة أفكارها وثوابتها، وعلى رأسها الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي، والواقع أثبت أن الطرفين لم يقتنعا يومًا بالديمقراطية.. من الوارد أن يستخدمها أحدهما لمرة حتى يصل إلى سدة السلطة، وبمجرد استقراره على مقعده يضع قواعدها تحت حذائه.

«الطرفان لن يتفاعلا مع المبادرات التي تسربت من السجون وحملت مراجعات فكرية وفقهية أو إعادة نظر واعتذار من بعض كوادر جماعات الإسلام السياسي»، يؤكد القيادي الإخواني السابق.

ويعتقد القيادي السابق الذي قضى في التنظيم نحو عقدين من عُمْره أن السلطة الحالية في مصر لم ولن تسعى إلى تفكيك الأفكار الأصولية، «استمرار وجود جماعات العنف الديني من مبررات بقاء السلطة»، موضحًا أن النظام لن يقطع جذور الجماعات المتطرفة كما يدعي، فهي التكأة التي تبرر شرعنته للإجراءات الاستثنائية من طوارئ وتعديلات دستورية واحتجاز خارج القانون.. إلخ.

في المقابل لن يسمح قادة الإخوان والكيانات الأشد راديكالية بانتشار أفكار المراجعات داخل صفوف تنظيماتهم، «سيقاومونها بعنف لو اقتضى الأمر، فلو انتقلت تلك الأفكار إلى عنابر السجون ستهتز قواعد الجماعات وسيفتح الباب أمام مناقشات وحوارات يسعى القادة إلى حصارها منذ سقوط حكم الإخوان في 2013»، يشير أحد الشباب الذين شاركوا في صياغة مراجعات الفيوم، مذكرًا بواقعة الاعتداء علي المشاركين في تلك المراجعات في سبتمبر من عام 2017.

بينما يصر قيادي حالي بالجماعة على أن ما تسرب من مراجعات من السجون منسوب إلى شباب بـ «الإخوان» ما هو إلا صناعة أمنية، «الأمن يحاول أن يصنع فتنة بين صفوف الجماعة، وتمكن من تجنيد خبث الدعوة (الخارجين عن الجماعة) ليروج إشاعة أن هناك انشقاقات في الصف»، يقول القيادي، مؤكدًا أن جماعته متماسكة وأعضاؤها ملتفون حول قيادتهم، «وفاة الرئيس محمد مرسي وهو في قبضة الأمن أثناء محاكمته ضاعفت هذا التماسك». ويضيف هذا القيادي أن وفاة مرسي، فضلًا عما يجري لأعضاء الجماعة في السجون وخارجها من تجاوزات يومية، ساعد على تلاحم الصف ونبذ الخلافات «المعركة تحتاج إلى وحدة الصف والنفس الطويل ونحن واثقون في عدالة موقفنا وتقدير الشعب لتضحياتنا»، نافيًا أن تكون المراجعات التي تسربت لها أي تأثير على مستقبل الجماعة.

«الأمن يتعامل مع فكرة المراجعة داخل السجون بحالة من الشك وانعدام الثقة، لكن هذا لا ينفي وجود تفاعل من بعض الضباط مع المبادرات، لكنهم ليسوا أصحاب قرار في تحويلها من مبادرات فردية أو جماعية إلى مشروع تتبناه الأجهزة المعنية» يقول شاب شارك في المراجعات وأفرج عنه مؤخرًا، مضيفًا: «لو فُتح الباب أمام الشباب الذي طرح مبادرات، سواء في الفيوم أو بنها، لاهتزت الثوابت التي أُسست عليها تلك التنظيمات، فعدد كبير من شبابها على استعداد لمناقشة ما جرى منذ 2013».

وقسم الشاب -خرج على الإخوان خلال وجوده في السجن- الشباب الذين طرحوا المبادرات داخل السجون إلى مجموعتين: الأولى لديها نوايا صادقة وبدأت بالفعل البحث في أدبيات الجماعة ومناهجها وقطعت شوطًا كبيرًا في طريق المراجعة، هؤلاء أنهى معظمهم علاقته التنظيمية بالإخوان. أما الثانية، فهم شباب من تنظيمات مختلفة طرحوا مبادرات بهدف الخروج من السجن لكنهم لا يمانعون في فتح حوار وينتظرون تفاعل الدولة مع مبادراتهم، داعيًا الأجهزة إلى سرعة التفاعل مع المجموعة الثانية قبل أن تيأس وترتد إلى ما كانت عليه؛ حينها ستتمكن التنظيمات الأشد تطرفًا من تجنيدهم «كوادر داعش تعمل على تجنيد كل مَن له هوى ديني وهذا هو مكمن الخطر».

على الجانب الآخر شرعت مؤسسات وهيئات حكومية أو قريبة من السلطة في تقديم تصور متكامل لاحتواء العنف القائم والمحتمل، لكن معظم المشروعات التي طُرحت خلال العامين الماضيين تحولت إلى أوراق بحثية دخلت أدراج مؤسسات السلطة ولم تُفعّل حتى الآن.

منتصف عام 2017 أطلقت دار الإفتاء المصرية مشروعًا تحت عنوان «تشريح العقل المتطرف» يهدف إلى وضع دليل لكيفية «إعادة تأهيل المتشددين»، وقد يكون نواة لإطلاق مراجعات فكرية داخل السجون على غرار ما حدث في تسعينيات القرن الماضي وساهم في إخماد موجة عنف عاتية.

«المشاركون في المشروع لديهم قناعة بأن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي للتصدي للعنف المتصاعد وإنما لا بد أن تمضي جنبًا إلى جنب مع المواجهة الفكرية حتى لا تصبح السجون «مفرخة للإرهابيين»، حسب تقرير نشرته وكالة «رويترز» عن المشروع في سبتمبر 2017.

لا يقتصر تركيز مشروع «تشريح العقل المتطرف» على تحديد كيفية التعامل مع السجناء الإسلاميين فحسب، بل يهدف إلى وضع منظومة متكاملة للتعامل مع المتطرفين بشكل عام والحيلولة دون وقوع آخرين فريسة للتطرف، يقول تقرير «رويترز».

ويشارك في المشروع إلى جانب مسؤولي دار الإفتاء باحثون متخصصون في الحركات الإسلامية وعلماء نفس واجتماع بالإضافة إلى قياديين سابقين بالجماعة الإسلامية، ويشمل عقد عدة جلسات للعصف الذهني وورش عمل، حسبما ورد في ملخص للمشروع أعدته دار الإفتاء.

ويشير ملخص المشروع إلى أنه يهدف لـ «إعداد دليل استرشادي يوضح أنماط الإرهابيين ومراحل نشأتهم وتحولهم إلى العمل الإرهابي، ودراسة المؤثرات الداخلية والخارجية الدافعة في هذا الاتجاه، والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسياسية المصاحبة لذلك».

إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية، قال لـ«رويترز» إن تطبيق المشروع فعليًا بدأ في يوليو 2017 من خلال إجراء حوارات فكرية مع السجناء.. «ونأمل أن يحدث حراك في هذه القضية»، مشيرًا إلى أن المشروع سيتضمن عقد مؤتمر دولي في أكتوبر 2017 بهدف «الاستفادة من التجارب الدولية في التعامل مع التطرف والمتطرفين».

مر على كلام نجم ما يقرب من عامين ولم يعقد المؤتمر الذي أشار إليه، ولم تتحول أيًا من توصيات المشروع إلى خطوات جادة، وبحسب أحد المشاركين في هذا المشروع فإن الجهود التي بذلت تحولت إلى مجرد حبر على ورق، «تم تسليم أوراق المشروع بالكامل إلى مؤسسة حكومية ودخلت الأدراج».

ناجح إبراهيم، منظر الجماعة الإسلامية السابق، وأحد المشاركين في مشروع دار الافتاء قال لـ«رويترز»: «شاركت في وضع أدلة كثيرة مثل ذلك لكنها لم تجد طريقها إلى الحياة ولم تمنحها الحكومة أي قبلة من قبلات الحياة، وحتى التجارب السابقة القوية والجيدة الخاصة بالحكومة نفسها.. تعاني من التجاهل في السنوات الماضية».

وحذر إبراهيم من «مفرخة الإرهابيين» بالسجون المصرية، وقال: «99 في المئة من الموجودين في السجون لم يرتكبوا أعمال عنف لأن أغلب من يحملون السلاح يقتلون في مواجهات مع الأمن.. الذين يدخلون السجون إما شاب شارك في مظاهرات، وإما منتمي لجماعة الإخوان.. ومنهم أساتذة جامعات وطلبة في كليات الطب والهندسة وما إلى ذلك»، مضيفًا: «هؤلاء تحت وطأة الصراع السياسي وتحت وطأة الأحداث دخلوا في هذا الصراع. هؤلاء الأفيد لهم أن نغير فكرهم».

وأضاف إبراهيم: «حتى لو لم تصل مع هؤلاء إلى قناعة 100 بالمئة فأنت تهز قناعاته.. دائمًا تبقي على تواصل بينك وبينه.. هذا التواصل يحول بينه وبين أن يكون إرهابيًا.. هذا التواصل يحول بينه وبين التحول إلى درجة أشد.. إن لم يفلح في إثنائه سيمنعه من أن يصل إلى فكر أشد. على الأقل أوصلت له الرأي الآخر وعاملته معاملة جيدة».

«العوامل المؤثرة في تشكيل التطرف الديني وممارسة العنف»، كان ذلك عنوان لمشروع آخر بدأ قبل عام برعاية مؤسسة «طابة» للدراسات الإسلامية، التي يترأس مجلس إدارتها الحبيب علي الجفري، ومركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.

ويهدف المشروع، الذي ينتظر الانتهاء منه خلال أسابيع، إلى دراسة الظروف والدوافع التي تدفع الشباب للانخراط في التنظيمات المتطرفة الجديدة وعلى رأسها «الثأر والانتقام»، والوقوف على التجارب الدولية في التعامل مع المتطرفين.

يشارك في المشروع الدكتور أسامة الأزهري مستشار رئيس الجمهورية باعتباره عضو مجلس أمناء مؤسسة طابة وعدد من الباحثين والمتخصصين، «خاطبنا الجهات المختصة لإجراء مقابلات مع شباب التنظيمات الأصولية في السجون إلا أن الأمن لم يرد علينا حتى الآن»، يقول أحد الباحثين المشاركين في المشروع.

أخيرًا، تأسست قبل شهور مجموعة عمل ضمت خبراء و«مجربين» بهدف تقييم المبادرات الخاصة بتبرؤ شباب الجماعات الإسلامية من العنف، أطلق عليها المشاركين فيها اسم «رشد» ويشارك فيها مختار نوح المحامي والقيادي الإخواني السابق وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان.

المجموعة المستقلة، كما يصفها أصحابها، تعمل بعيدًا عن الدولة وتطرح تقييمها ورأيها على الرأي العام، «بدأت المجموعة عملها بتقييم مبادرة القيادي السابق بالجماعة الإسلامية عبود الزمر والتي أثارت جدلًا واسعًا حينها»، يقول أحد أعضاء المجموعة، مضيفًا: «اتبعنا المنهج العلمي والتنبؤ السياسي، وأجرينا دراسة حالة على الواقع وانتهينا إلى رفض المبادرة».

«لم تطرح المبادرة أي أفكار عن تفكيك التنظيمات التي مارست العنف، كما أنها لم تتضمن اعتراف أعضاء تلك الجماعات بالجرائم التي ارتكبوها، والإبلاغ عن أي عناصر أخرى شاركت في أي أعمال عنف» يقول العضو نفسه.

مختار نوح عضو «رشد» اعتبر في تصريحات تلفزيونية أن مراجعات شباب الإخوان ربما تكون حيلة للخروج من السجن «لا ندري هل بمجرد خروج الشاب من السجن من الممكن أن ينضم لجماعات إرهابية أخرى».

وأشار إلى أن المراجعات يجب أن تحمل تبرؤ من الجرائم السابقة، وأن يتم الكشف عن جرائم مستقبلية، أو لا تعرف عنها أجهزة الأمن شيئًا، كما أن المراجعات يجب أن تتضمن التبرؤ من فكر الجماعة والكفر به، ويجب أن يكون هناك سلوك عملي للتعامل مع شباب الإخوان.

مبادرة شباب التنظيمات المستقلة في سجن استقبال طره ستلحق مثيلاتها في سجن الفيوم وبنها، وسيخيم اليأس على معظم الشباب الذين يسعون إلى إيجاد ثغرة للعودة إلى الحياة، وسيدفع اليأس هؤلاء إلى الانتحار بحثًا عن حياة أخرى بلا سلطة ولا تنظيمات.

ومع الوقت، ستتلاشى مشروعات حصار الأفكار المتطرفة، وستظل عصا الأمن الغليظة هي الأداة الوحيدة التي تستخدمها السلطة لمواجهة جماعة العنف الأصولي، وكأنها تعطي لتلك الجماعات سُبل الديمومة والقدرة على جذب وتجنيد أعضاء جدد مرة بدافع العقيدة ومرات بدافع الانتقام، لتظل دوامة الدم مغلقة.

في كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» قال المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي وهو يشخص علل الأمة العربية والإسلامية: «أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي.. وأن كافة صنوف الظلم والشقاء ما هي إلا فروع وتشعبات لاستبداد الحكام».

توصلت أمم أخرى إلى هذا الدواء وعالجت بالحرية والديمقراطية والعدالة علاتها فتقدمت واستقرت، أما الأمة العربية فلا تزال بعد نحو قرن ونيف من مقولة الكواكبي تبحث عن علاج لهذا المرض اللعين «الاستبداد»، الذي لو تخلصنا منه ستختفي أعراض التخلف والجهل والتطرف والإرهاب.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ