خزعبلاتي الجميلة| 1- «قوة الآن» لإيكهارت تول.. أو «إنما الحاضر أحلى»
كتب التجربة الروحية
 
 
 

سمعتُ مرَّة أنَّ كل قارئ لديه كتب يخجل من وجودها في مكتبته، لكنه لا يطاوعه قلبه على التخلص منها. ربما يكون هذا صحيحًا، لكنني لا أخجل من كتاب لديَّ مَهما كان موضوعه أو عنوانه، وتأكيدًا على ذلك اخترتُ بضع عناوين قد يراها بعض الزملاء من الكتَّاب أٌقرب ما يكون إلى الخزعبلات، أو على أهون تقدير يعتبرونها خارج نطاق اهتماماتهم. 

الكتب الأربعة التي سأشير إليها في هذه السلسلة الصغيرة لا تعد بأي معرفة من العيار الثقيل، بمعايير العلوم الإنسانية المتخصصة، ولكنها تعد بمعرفة من نوعية مختلفة، صحيح أنها تقدم وعودًا ورؤى تجعلها تتشابه في معظمها مع بعض كتب التنمية البشرية، لكنها تعلو عليها باتساع أفق ومقاصد إنسانية نبيلة.

أكشف هُنا، عبرَ هذه السلسلة، عن بعض خزعبلاتي الجميلة، وعن منابعها الأصلية، لا أدعو أحدًا للاعتقاد بها، ولا لأطرحها باعتبارها حقائق راسخة مستقلة عمَّن يؤمن بها، بقدر ما أعتبرها سيناريوهات محتملة لتأمُّل لغز الوجود، أو اقتراحات لحَل هذا اللغز، الذي لا بدَّ أن يبقى لغزًا مع هذا، رغم يقين المؤمنين وأشواق الفلاسفة وطموحات العلماء، لأنَّ في استمرار هذا اللغز وحده يتجدّد دمُ الحياة، وتبقى نشوتها بالسؤال المفتوح على اللانهاية. 

(1) «قوة الآن» لإيكهارت تول

أو

«إنما الحاضر أحلى»*

كانت كتب التنمية البشرية تطاردني، أو هذا ما بدا لي على الأقل، لفترة من الوقت. أولًا، في شركة بيع أقمشة بالجملة بمنطقة الحمزاوي العتيقة، اشتغلت في قسم التسويق بها لمدة عام تقريبًا بعد التخرج مباشرةً. حيث زوَّدتنا إدارتها المستنيرة ببعض العناوين وسمحت لنا بالاستعارة منها بانتظام. ولا أنكر أني في تلك الفترة وجدتُ فيها بعضَ العَون، على الأقل بشأن بعض حيل وآليات التسويق والتفاعل الاجتماعي وتحفيز الذات، إلى آخره، لكن أن أنتقل إلى شركة ترجمة بعد بضع سنين فأجد أنَّ معظم الكتب التي نترجمها هناك تنتمي لهذا الصنف فقد كان هذا تأكيدًا للمفارقة. كنا نخدم ناشرًا عربيًا أساسيًا، يقتصر عمله على الكتب الخفيفة المترجمة من كل صنف ولون، ولا يُعترَف بوجودنا كمترجمين أو مراجعين أو منسقين، وكأنَّ تلك الكتب تترجم نفسها بنفسها. 

المهم أنني على مدى سنوات حفظتُ كل حيل وأساليب مدربي التنمية البشرية أولئك، بل صرتُ خبيرًا بها بحيث يمكنني بعد صفحات قليلة أن أدرك إذا كان هذا الكاتب أو ذاك لديه ما يقدّمه للقارئ أم محتال آخر ينضم للقائمة الطويلة التي تَعدُ الناس بتحقيق الثروة والسعادة وتفجير الطاقات الكامنة وإنقاص الوزن والوصول للسلام والتصالح مع النفس والعالَم بأكمله.

لا أنكر في هذا السياق أنني ولبعض الوقت انضربت، لدرجة قد تقارب الإدمان، بذلك النوع  من الكتب وخصوصًا التي تتناول مسائل تخص إدارة الوقت وتنظيم الأولويات والأهداف، إلى آخره، ببساطة لأنَّ تلك مهارات لا يهتم أحد في مدارسنا وبيوتنا بتعليمها لنا بالمرة. لكن من ناحية أخرى، تأكدتُ أنَّ نسبة خطيرة من تلك الكتب مجرد دجل وشعوذة، تمنح للقارئ إحساسًا مؤقتًا بالراحة والانتعاش وسرعان ما يذوب تأثيرها مع الوقت ليجد المرء نفسه في حاجة للمزيد منها، شيء أقرب للمخدرات يعني. 

أما وقد قلنا هذا فلا بدَّ مِن استثناء البعض، وبالنسبة لي يُعد إيكهارت تول Eckhart Tolle أحد هذه الاستثناءات، ولم أتعرف بكتاباته في تلك الفترة العجيبة من حياتي العملية، بل بعد ذلك بسنوات. وقد قرأتُ كتابه (قوة الآن – الدليل إلى التنوير الروحي) بالإنجليزية في نسخة مضروبة اشتريتها من على الرصيف، وأظن أنه متوفر بالعربية ويمكن بسهولة العثور عليه في نسخة إلكترونية على الشبكة، ولا أدري مدى جودة ترجمته. ومَن يريد أن يتسرَّع في الحكم ويفتي قائلًا إنه مجرد تخريفة أخرى من تخاريف التنمية البشرية والتحفيز الذاتي وخلافه فَهُو حرّ، لكن سيفوّت على نفسه الكثير. 

مِن الصحيح تمامًا أنَّ مفهوم انتباه المرء لمحيطه ولنفسه ولأفكاره شائع في كثير من كتابات التنمية الذاتية وعِلم النفس الإيجابي وكذلك بعض الكتب ذات الصبغة الروحية، لكن لا أظن أنَّ أحدًا  -في حدود علمي- قد اتخذ من مفاهيم الحاضر والحضور مركزًا لفلسفة وعقيدة كَما فعل إيكهارت تول في كتابه هذا، وفي كتابه التالي عليه (أرض جديدة)، وفي جميع أحاديثه ولقاءاته المتوفرة على موقع يوتيوب. ولا داعي هنا للحديث عن شخصية تول أو خلفيته، فالمعلومات متوفرة على شبكة المعلومات لمَنْ يريد، كَما أنَّه من المستحيل عمليًا تلخيص محتوى كتابه هذا في بضعة أسطر. لكنَّ الجدير بالإشارة، على ما أظن، هي تجربة قراءتي الخاصة له. 

على خلاف أغلب مدربي ومشعوذي الطاقة الإيجابية والشفاء الذاتي، إلى آخره، فإنَّ إيكهارت تول يؤسس باعتناء وهدوء وعمق لأفكاره، ويربطها بالعقائد الدينية الراسخة، مثل المسيحية بدرجةٍ ما، والبوذية بالأساس. لكنه، رغم ذلك، يطرح خطابًا علمانيًا واضحًا، ولا يطالب قارئه بأن يؤمن بدينٍ ما أو يتخلى عن دينه الأساسي، إنه يذهب ببساطة لما وراء الدين، نحو التجربة الروحية العميقة التي تتجاوز اللغة والمذهب والعقيدة الضيقة لجماعة ما. داعيًا، إن جاز التعبير، إلى عقيدة الصمت، والوجود الغفل الذي لم يُترجم بعد إلى كلمات تُقيّد وتحصر. 

لديَّ معيار أساسي عند التعامل مع كتابات من هذا النوع، أقيس بناء عليه استعدادي للتفاعل معها وقبولي لها، وهو مدى تأثيرها على واقعي اليومي المباشر؟ هل استطاعت -هذه الفكرة أو تلك- أن تحل مشكلة عملية واضحة؟ أن تقدّم حلًا واضحًا ومتماسكًا وغير خرافي لمسألة ما؟ والمدهش -والمطمئن معًا- أنَّ إيكهارت تول لا يكتفي بطرحه النظري بل يقترح -طوال الوقت- على قارئه آليات وخطوات لينطلق معه في رحلة قد نسميها رحلة العرفان أو الاستنارة أو أيًا ما كان. لا تخفى صلة تلك الآليات بأمور مثل تدريبات التأمّل المنتمية إلى ثقافات الشرق الأقصى، التأمل المعتمد على تنظيم التنفس مثلًا، أو تركيز الانتباه، إلى آخره. لكنه يعمل على تحرير تلك الممارسات من حمولتها العقائدية الثقيلة، ويجعلها أقرب ما يكون إلى تمرينات نَفْسية بالأساس، يمكن لأي إنسان أن يجربها بلا اضطراب أو عقبات، ما لم تكن حالته النفسية بحاجة إلى تدخل متخصصين بطبيعة الحال. 

إذا بدا كلامي هذا غامضًا وعامًا أكثر ممَّا يجب فلنكتفي هنا بمثال واحد على الأقل وهو انتباه الإنسان منّا لتيار أفكاره، فقد نقضي وقتًا لا بأس به من يومنا ونحن أسرى حديثنا الذاتي، وذلك الببغاء الذي لا يتوقف عن الثرثرة في عقولنا حول كل شيء ولا شيء في نفس الوقت، وغالبًا ما يكون حديثه ذلك بلا طائل، إن لم يكن له فعالية سلبية تجمدنا في الماضي أو تخيفنا ممَّا قد يحدث في المستقبل. إرشادات تول للانتباه لذلك المونولوج المتواصل بسيطة وعملية وقادرة على قطع البث فورًا والانتباه لأي تعكير لصفاء الذهن وبالتالي صفاء النفس.

قد يبدو هذا كله شديد البساطة، لكنَّ الكلام أسهل من الفعل وكل مَنْ جرب ممارسة التأمّل الشرقي ولو لبضع دقائق يعرف أن سيطرة المرء على تيار أفكاره ليست بالسهولة التي تبدو عليها. من ناحية أخرى لا يقدّم تول تلك المسائل كشعوذة روحية ممَّا ينتشر الآن على أيدي مدربي الطاقة واليوجا الذين يكتفون بالميكانيزم الخارجي، على عكسهم، يستند هو على ذخيرة معرفية هائلة، لا تعوق حركته بقدر ما يستخرج منها الجوهر النقي الذي تتلاقى على حدوده جميع الأديان والعقائد. إلى جانب قدرة مذهلة – في رأيي المتواضع وغير الخبير- على تعرية وكشف آليات وألاعيب الذات (الإيجو، بمعنى ما)، والأقنعة الملتبسة التي قد تتخذها لتخدعنا. 

أشياء مثل الصمت والحضور والانتباه والانطلاق دائمًا من الحاضر ليست خزعبلات بالمرة، بالنسبة لي، لا لشيء إلَّا لأنها استطاعت أن تجد لها مكانًا واضحًا في تجربتي اليومية وتجاوز عقباتي. هل معنى هذا أن كتابات تول وتعاليمه تقدم عصا سحرية لحل جميع المشكلات؟ (ماكنش حد غُلب، والله).. بالمرة، ولكنها تقدم اقتراحات عملية بقدر ما هي عميقة، ليحلّ كل إنسان مشكلاته بنفسه، ولكن بدلًا من أن يفعل هذا وهو ممسكٌ في خناق عفاريت الغضب والخوف والحزن، يمكنه أن يفعل هذا وهو في حالة أصيلة من الروقان والهدوء والسكينة وتقبل الواقع، دون خنوع ولا استسلام.  

* من أغنية أم كلثوم (أغدًا ألقاك)، كلمات الشاعر الهادي آدم.

اعلان
 
 
محمد عبد النبي