الدولة كسمسار عمراني: 3- تشكيل الفهلوة والبلطجة والسمسرة داخل المدينة

في المقالين الأول والثاني، أشرت إلى التصورات السياسية التي أنتجت رؤية القاهرة 2050 والأجندة العمرانية التي أنتجت رؤية مصر 2030، ثم نظرت في تجليات هذه الرؤى والأجندات في عاصمتين، أحدهما جديدة والأخرى قديمة، حيث تناولت شرح العاصمة الإدارية الجديدة وخطط تصميمها وتنفيذها، إلى جانب تحليل للإخلاءات التفاوضية وتلك القسرية في العاصمة القديمة؛ القاهرة. 

في هذا المقال، أنتقل لفكرة تشكيل ذوات أشخاص المدينة وتطورها التاريخي في محاولة لفهم تغييرات اجتماعية بطلها الناس وممارساتهم المختلفة. 

الطرح هنا يرتبط بعنوان النص وفكرة الدولة كسمسار عمراني، ففهم شخصية السمسار، وظهورها في المجتمع المصري خاصةً، له سياقات تاريخية وسياسية واقتصادية ومجتمعية. 

تغيير وتطور أشكال الرأسمالية بنظمها الاقتصادية والمُنتجة بشكل مختلف في المجتمعات، أثر على سوق العمل، وطرح فرص لعمل السمسار. ولأن النظم السياسية والاقتصادية تؤثر في المجتمعات كما يؤثر فيها الناس بشكل تبادلي، فأطرح في هذا المقال فهم لشخصية السمسار وبنيتها المجتمعية. 

من ناحية النوع الاجتماعي، أغلبية السماسرة والتجار في مصر رجال، ولا يمكن التغاضي عن هذا العنصر. لا أقصد التعميم هنا، ولكن أضع في اعتباري فكر السلطة المهيمنة، والتي ترتبط بالنظام المجتمعي في إتاحة فرص أكبر للرجال أن يصبحوا تُجارًا أو سماسرة. أما فكرة تشكيل الذوات فترتبط بفهمي لاختلاف تحليل الذات عن فهم الشخصية، فالذات مفهوم مختلف وأراه أعم من فهم لفكرة الشخصية، فشخوص الناس تتكون من خلال بنية مجتمعية منذ ميلادهم، والشخصية هي جزء من الذات لشخوص الناس. فإذا كانت الشخصية هي الذات الواعية لكيانها، ففهم الذات يتضمن فحص تحليلي لفهم الدوافع والمعتقدات والمواقف من الأشياء. ولهذا أريد الخوض في فكرة تكوين الذات وتشكيلها. 

طرح المؤرخ المتخصص في دراسات الشرق الأوسط ويلسون جاكوب فكرة «الأفندي» والتي ربطها بمفهوم تشكيل الذات الرجولية في المجتمع المصري. ارتبط ظهور مفهوم «الأفندي» بالمقاومة المصرية في تاريخها عندما شَكَل مصطفى كامل (1874 – 1908) حراكًا مبني على أيديولوجية مناهضة الاستعمار، فاتخذ من القومية أيديولوجية لتبرير مشروعه السياسي. درس الحقوق، وجمع ما بين القومية والرجولية في رحلاته النضالية ضد الاستعمار الإنجليزي. لم يمانع في وجود الاستعمار العثماني وأراد اعلائه على الاستعمار الإنجليزي. 

كلمة «أفندي» أخذت إذن تعبر عن طبقة رجال ممكنين اجتماعيًا، أي لهم مكانة في المجتمع المصري ثقافيًا. طرح جاكوب لتشكيل ذات الأفندية يربطها باللبس، والكلام، واللغة. الأفندية كمفهوم مجتمعي وثقافي، يتعدى مفاهيم الاستعمار ويتفاداها، رغم أنه مكوّن من الصفة الاستعمارية التاريخية للدولة العثمانية في الدولة المصرية الحديثة. ما يعنيني هنا هو تشكيل طبقات مجتمعية من الأفندية ومكانتهم المجتمعية المختلفة، والتأكيد الدائم على أنهم طبقة متعلمة تعليمًا مدنيًا حديثًا، غير عسكري وغير ديني، طبقًا للدكتورة عبير حسن عبد الباقي في كتابها «طبقة الأفندية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين». أخذت تلك الطبقة المنطق والعلم بعين الاعتبار لتبرير وتحقيق وجودها تجاه القضية الوطنية، فحققت تواجد للموظفين وأصحاب المهن الحرة، وشكلت طبقة من المثقفين. سيطر على الكلمة تعريفًا للرجال دون النساء، فالرجال المشتبكين مع المجال العام والسياسي الوطني في تلك الفترة تم إطلاق وصف أفندية عليهم، دون نساء نفس الفترة أمثال هدى شعراوي (1879-1947) وهي تنتمي للجيل الأول من الناشطات المصريات في دفاعهن عن حقوق المرأة المصرية، أو درية شفيق (1908- 1975) وهي من رائدات الحركة النسوية، وهي من حصلت للمرأة المصرية على الحق في الانتخاب والترشح في الدستور المصري لعام 1956. أذكر هدى ودرية رغم اختلاف موقعيهما ورحلتيهما في النضال النسوي والسياسي في مصر للتأكيد على فكرة ربط الرجولية بوصف الأفندية.   

في المقابل، الفتوة والفتوات، هو مفهوم يشير للرجولية في إدماج واضح لشكل سلطوي في الممارسة السياسية والاجتماعية. هو مفهوم تم إنتاجه بشكل رومانسي وإيجابي في بعض السياقات التاريخية في مصر، ليشمل رجال جيدي السمعة لممارساتهم في حماية البلاد ضد الاستعمار. لكن مفهوم الفتوة – الفتوات بشكل مجتمعي يشمل أيضًا رجال ينتظرون على نواصي شوارع مناطقهم لحمايتها من الغرباء ولفرض سطوتهم وسلطتهم على كل من هم أضعف في مجتمعاتهم الأصغر. مفهوم الفتوة والفتوات يظهر في توازي تاريخي لمفهوم الأفندية، ويعبر عن طبقة مجتمعية تختلف تمامًا عن مفهوم المتعلم المثقف الذي تشمله كلمة الأفندية. 

انتهى رسميًا استخدام لفظة أفندية في المجتمع المصري بعد عام 1952 عندما قام الضباط الأحرار بانقلاب عسكري، تخلصوا عن طريقه من حكم العائلة الملكية لمصر. وفي السبعينيات، عندما تولى أنور السادات حكم مصر، بدأت السياسات الاقتصادية في التغيير لتتماشى مع الانفتاح على الأسواق العالمية، وهي ما نقلنا، في إطار تكوين الذوات في المدينة وتشكيلها، إلى فكرة الفهلوة والفهلوية التي ترتبط بظهور حركة تجارة مختلفة وظهور رجال أعمال بذوات تختلف عن مفهوم الأفندي والأفندية والفتوة والفتوات. 

جوليا اليشار، وهي دكتورة جامعية في قسم الانثروبولوجيا الثقافية في جامعة برينستون، في نصين مختلفين لها صدرا في أعوام 2005 و2012، تشرح مفاهيم الشهامة، والجدعنة، والمحبوب، والفهلوة، وتربط مفهوم الفهلوة بالتجار، وكيف ترتبط ذواتهم بمحاولات لإظهار الذكاء والتباهي به. لا ترتبط الفهلوة بالتعليم في سنين دراسية مؤسسية طويلة، بل ترتبط بكيفية صنع المكسب في أقل زمن ممكن، والأهم بأقل مجهود ممكن. يقف مفهوم الفهلوة أمام رحلة العمل المقدسة لدى بعض الطبقات الاجتماعية مثل الأفندية، والتي تقوم على الإيمان برحلة العلم والتعليم، للحصول على وظيفة حكومية، والتدرج في السلم الوظيفي بتأمينات صحية ونظم للمعاش عند التقاعد. 

أربط مفهوم الفهلوة بمفهوم البلطجة، لأن صناعة المكسب السريع لا تضمن فقط الذكاء والمفهومية، ولكن قد تتخللها بلطجة في الممارسات اليومية، ليس فقط من أجل المكسب، ولكن أيضًا من أجل فرض القوة والسيطرة. جاكوب طرح أن كلمتي الفتوات والبلطجية في بعض السياقات تم استخدامهما بشكل تبادلي، لكنه يؤكد أنه لا يمكن تبديلهما في كل السياقات، حيث أن سياقتهما الطبقية والجندرية تختلف، واختلاف تلك السياقات يرتبط أيضًا بالسياق السياسي. 

صامولي شيلكه، وهو باحث انثروبولوجي يقدم في أبحاثه وكتاباته تحليلات عن مصر بعد ثورة يناير 2011، خاصة عن منطقة الإسكندرية والدلتا، قدم تعريفًا للبلطجية في 2014: «البلطجية تشير إلى عصابات يتم الدفع لهم من خلال البوليس والحكومة، ولكن في ربيع 2011 استخدمت الكلمة لتشير عامة إلى المدنيين الذين يقاتلون في الجهة المضادة في خناقات الشوارع بغض النظر عن مواقعهم وانحيازاتهم، وبعد تنحي مبارك، أصبح عدد منهم يُطلق عليه الفلول، وهي بقايا النظام القديم لمبارك». وإضافة لتعريف شيلكه للسياق السياسي لاستخدام كلمة بلطجية في الحراك الثوري لثورة يناير 2011، أود إضافة تعريف مجتمعي للكلمة ويشمل أفعال النصب والعنف. وتعريف الكلمة غير مرتبط بعصابات لها تشكيل وهيكل واضح ويعملون لصالح البوليس ووزارة الداخلية المصرية. كمثال مرتبط بسياق النص، البلطجي قد يكون شخص يجمع أتاوات مفروضة على الباعة الجائلين/ات، رجال ونساء، مقابل السماح لهم بعرض بضاعتهم في الشارع والإتجار فيها، وهو مثال أوضحه أكثر من خلال بحثي الميداني في وكالة البلح في حي بولاق أبو العلا. 

وكالة البلح من أقدم أسواق القاهرة، فمنطقة السوق بدأ تعميرها منذ العصر المملوكي عندما تكونت أرض منطقة بولاق أبو العلا، بعد الطرح السابع لنهر النيل في 1771. عندما غادر الجيش الإنجليزي مواقعه في القاهرة بعد معاهدة سنة 1936، ترك ما لا يريده من خيام وملابس وأجزاء معدنية من أسلحة وسيارات، وتم عرض ما تركوه للبيع من قبل تُجار عدة في وكالة البلح، وهو ما حول الوكالة لسوق لبيع المُستعمل سواء الملابس أو المعادن، وهو ما نعرفه في اللحظة الحالية عن وكالة البلح والسبتية. وانتقالًا للحظة تاريخية أخرى، ففي السبعينيات، أصدر أنور السادات عددًا من التراخيص التجارية لعدد من العائلات والتجار في وكالة البلح ليتمكنوا من استيراد الملابس المستعملة من أوروبا وبيعها في القاهرة عن طريق ميناء بورسعيد الواقع على البحر المتوسط وهو ميناء تجاري، حيث تأتي معظم الواردات من الدول الأخرى في العالم. تأتي الملابس المستعملة من دول فرنسا وإيطاليا وبلجيكا.

تحتوي الوكالة على عدد من ورش السيارات، والتي تغلق الأحد من كل أسبوع، لذلك يتوافد عدد كبير من صغار التجار والباعة الجائلات/ين للبيع أيام الأحد. معظم تاجر الأحد من النساء اللاتي يتاجرن في الأغلب في بضائع مستعملة: أدوات المطبخ، ملابس بجميع أنواعها، ساعات، نظارات وغيرها. 

عند دخولي للمرة الأولى هذا الحيز الجغرافي في أحد أيام الأحد في شتاء 2017، استوقفني، ليس فقط التقسيم الجندري بين «استندات الهدوم» كما نطلق عليها (وهي سوق المستعمل للملابس الأوروبية والتي يحتل تجارتها الرجال)، وسوق الأحد الذي تحتله النساء، لكن استوقفني أيضًا مدى اهتراء المنتجات المعروضة للبيع. أرى بنات وسيدات يشبهن من شاركنني رحلة دراستي الجامعية في الجامعات الحكومية المصرية، وهن يقفن لانتقاء مساحيق التجميل المستعملة وكريمات العناية بالشعر والجلد أو ملابس مستعملة قبل شهر رمضان وأثنائه لارتدائها في المناسبات العائلية، والتي تتطلب الظهور بمظهر لائق وجديد في الطبقات المختلفة في المجتمع المصري. ترى منتجات للبيع هي مثل تلك التي تتركها أمهات وآباء الطبقة الوسطى في بلكوناتهم يغطيها التراب، هي أشياء استغنى عنها كل من في المنزل لتلفها أو لكسر بها أو لقدمها، ولكنها تحتل حيزًا ما في أي مساحة تخزين ممكنة. هو ما نطلق عليه «الكراكيب»، عادة ما تتسبب في شجارات حول التخلص منها أو الاحتفاظ بها. مثلما تأتي الملابس المستعملة من أوروبا من كبرى الجمعيات الخيرية في العالم، تأتي الملابس المستعملة في سوق الأحد من مصادر مختلفة إحداها جمعية رسالة الخيرية، والتي تقوم ببيع الملابس المستعملة من المتبرعات/ين إلى تُجار وكالة البلح. 

ذوات تجار الوكالة وسوق الأحد تهدف لصنع المكسب. يحسبون بدقة المكسب في كل قطعة يبيعونها من أجل الصرف على أولادهم وبناتهم في مراحلهم الدراسية المختلفة. يرفضون ويوافقون على أتاوات مفروضة عليهم من ذوات أخرى في السوق، سواء لحماية أنفسهم أو فرضهم لعلاقات قوى مختلفة. يغيرون تجارتهم حسب الموسم، وحسب حالتهم الصحية وإمكانياتهم في حمل الملابس أسبوعيًا، أو تغيرها إلى تجارة أخرى أخف حملًا وأسهل في تنقلاتهم عبر جغرافيات القاهرة الكبرى ما بين أماكن سكنهم وأماكن عملهم. ممارسات البلطجة والفهلوة هي ممارسات تشكل أيامهم العادية ما بين أماكن السكن والعمل وعلاقاتهم الأسرية والتجارية. يحملون همومًا في مواقع العمالة المؤقتة وغير الثابتة. فلا يملكون معاشات أو تأمينا صحيًا أو إجازات لها خريطة واضحة أو حقوق منصوص عليها بكونهم عاملين/ات بشكل حر. 

صنع المكسب هو جزء لا يتجزأ من الرأسمالية بأشكالها المتطورة تاريخيًا في سياقات النيوليبرالية سواءً في سياسات الدول الاقتصادية أو للقطاع الخاص بطبقاته الاجتماعية المختلفة. ليس الغرض من فهم الممارسات التجارية والمهنية هو جعل الذوات رموزًا للإجرام أو رموزًا لضحايا الدولة. عملية ومراحل صناعة المكسب لتجار وتاجرات وكالة البلح لا تنفصل عن الفكرة العامة لصنع المكسب بالتجارة بشكل عام. فذوات التجار في الوكالة لا تختلف عن سياقات أخرى في نفس الجغرافيا وجغرافيات أخرى في العالم. 

أربط تلك الذات بفكرة السمسرة وعملياتها في العمران. فالسماسرة العقاريون هم من يتوسطون عمليات البيع والشراء والتأجير لوحدات سكنية، ويعملون على صنع مكسبهم الشخصي من خلال تلك الوساطة في تيسير العلاقات بين المُلاك وآخرين ممن يخططون للاستفادة بتلك الوحدات السكنية سواء بالشراء أو الإيجار. 

ذوات المواطنين/ات وتشكليها تتبع تغيرات تاريخية ترتبط بالسياقات السياسية الاقتصادية، ولا تتساوى مواقع القوى للذوات التي تمارس السمسرة في معاملتها المهنية اليومية مع ممارسات الدولة في السمسرة العمرانية التي تتحكم فيها شركات ورؤوس أموال وموارد تتبع سياسات النيوليبرالية، والتي يحكمها السوق العالمي. 

طرحي لفكرة الدولة كسمسار عمراني يشمل فهم شخصية الدولة وسياساتها في إطار تحليل أجندتها العمرانية. أطروحتي الأساسية هي أن الدولة بأجهزتها المختلفة ومؤسساتها وبأجندتها العمرانية الحالية تطرح نفسها كسمسار عمراني بمنطقين أحدهما اقتصادي والآخر أمني. تدرجت في النصوص بالطرح من فهم لتصورات عمرانية سياسية في آخر عشرين عامًا في مصر، ثم تناولت طرح الأجندة الحالية في فهم لعاصمتين، أحدهما جديدة وهي العاصمة الإدارية والأخرى هي العاصمة القديمة، حيث القاهرة الكبرى، مع طرح المنطق الأمني في تشكيل شخص الدولة كسمسار يحمي حدوده الجغرافية من أي احتمال أمني يهدد وجودها، والمنطق الاقتصادي في عملية الكسب وتحقيق الأرباح من خلال استغلال ممتلكات الدولة بشكل مكاني يخص ملكية الأراضي والعقارات وعمليات البناء والتشييد. 

وهنا أطرح كيفية تشكيل الفهلوة والبلطجة والسمسرة داخل المدينة، والتي يتبناها الأشخاص في حياتهم اليومية كما تتبناها الدولة بأشخاصها، حسب مواقع قوتهم المختلفة. أؤكد اختيار وصف سمسار عمراني للدولة وليس سمسار عقاري، حيث تشمل لفظة عمراني على جميع مشاريع الدولة العمرانية وليس العقاري والسكني منها فقط، فالدولة بحكوماتها لا تستثمر فقط في بناء مجموعة من الوحدات السكنية بل تستثمر في بناء مدن عمرانية جديدة وكباري وطرق ومحطات كهرباء وبنية تحتية وغيرهم. 

اعلان
 
 
أمنية خليل